المرصد

بوليتيكا إكستيريور: اليمن .. كارثة إنسانية ودولة فاشلة

Yemen-1-960x640

نشر موقع “بوليتيكا إكستيريور” الإسباني، المهتم بالدراسات السياسة الخارجية في العالم، دراسة تحت إشراف “مجموعة الأزمات الدولية”، تحدّث فيها عن هول ومخلفات الحرب في اليمن، فضلاً عن دور الاتحاد الأوروبي في إنقاذ البلاد من أزمتها الحالية.

وقال الموقع: “إنّ الحرب في اليمن قد خلّفت أكبر الكوارث الإنسانية على الصعيد العالمي. وخير دليل على ذلك، أن ما بين 70 و80 بالمائة من السكان في حاجة ملحّةٍ جداً إلى المساعدات الإنسانية، كما أنّ أكثر من نصف سكانها، الذي يضاهي 26 مليون نسمة، مهددون بخطر انعدام الأمن الغذائي”.

وأضاف الموقع: “إنّ الأعمال العدوانية في اليمن قد تصاعدت شيئاً فشيئاً إلى أن تحولت إلى حرب واسعة النطاق منذ شهر آذار/مارس سنة 2015، وذلك على إثر تدخّل التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في الدفاع عن الرئيس “عبد ربّه منصور هادي” وتضييق الخناق على أعدائه، أي الميليشيات الحوثية والمقاتلين الموالين للرئيس السابق علي عبد الله صالح”.

وفي هذا السياق، أورد الموقع أنّ هذا الصراع اليمني قد أدّى إلى تجزئة الدولة التي تعاني بدورها من تدهورٍ وضعفٍ واضح. فضلاً عن ذلك، أدّى هذا الصراع إلى تدمير البنية التحتية الهزيلة للبلاد وفتح الباب على مصراعيه لتنظيم القاعدة لدعم تواجده في في شبه الجزيرة العربية. كما مكّنت هذه الحرب تنظيم الدولة من تعزيز قوّاته في المنطقة والاستيلاء على العديد من الأراضي.

وبالتالي، أدى استمرار الصراع إلى تفاقم الانقسامات الداخلية بين سكان اليمن وعمّق من حدة المجاعة، خاصة على إثر محاولات التحالف السعودي الاستيلاء على ميناء “الحديدة” المطلّ على ساحل البحر الأحمر، الذي يعتبر مصدر الرزق الرئيسي في شمال اليمن، جنباً إلى جنب مع الحصار الخانق على المنطقة والإجراءت أحادية الجانب المتمثّلة في نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دوليّاً. وقد جاء هذا القرار بأمر من الرئيس اليمني من منفاه في الرياض منذ سنة 2016.

ومن المتوقّع أن يتوسّع نطاق الصراع في المنطقة بسبب زيادة تدفق اللاجئين وارتفاع مستويات العنف من قبل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ومن طرف تنظيم الدولة خارج اليمن، بالإضافة إلى تنامي الهجمات سواءٌ من قبل القوات الحوثية أو من قبل أنصار الرئيس السابق صالح في السعودية.

والجدير بالذّكر أن استمرار الصراع في اليمن من شأنه أن يؤجّج التوتر بين السعودية وإيران، المسؤولة عن بثّ النزاعات الأخرى في المنطقة.

في الأثناء، كانت الجهود الدوليّة الرامية إلى دفع الطرفين إلى وقف إطلاق النار غير كافية بالمرّة، كما كانت وسائل الإعلام “شحيحة” من حيث اهتمامها بهذه الأحداث، إذ لم يكن لها دور فعّال في حثّ الدول الأخرى على وقف الصراع بين الطرفين.

مناهج دولية متعارضة تماماً

من الواضح أن مواقف الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه الصراع في اليمن ظلت غامضةً ومربكةً نوعاً ما. وبالتالي، أدى هذا الحياد إلى دفع الأمم المتحدة إلى بذل مزيدٍ من الجهود لإنهاء الصراع. في الوقت نفسه، واصلت الولايات المتحدة توريد الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، على الرغم من انتهاكاتها المتكررة لقوانين الحرب.

وفي شهر نيسان/أبريل سنة 2015، صادق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار رقم 2216، الذي يقرّ بفرض حظرٍ للسلاح على الحوثيين وأنصار الرئيس اليمني المخلوع “علي عبد الله صالح”، ويدعو الحوثيين إلى الخروج من المدن والمناطق التي استولوا عليها بما فيها العاصمة صنعاء. وقد تم تفعيل هذا القرار من قبل الحكومة اليمنية والتحالف السعودي لعرقلة الجهود المبذولة من أجل السلام.

وفي شهر آب/أغسطس سنة 2016، سعى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، “جون كيري” إلى إحياء عملية السلام، على الرغم من أنّ هذه المبادرة جاءت في وقتٍ متأخر. في حين تعتبر الجهود الدبلوماسية الحالية التي تقودها منظمة الأمم المتحدة معقدةً جداً نظراً إلى الشكوك التي تحوم حول موقف إدارة ترامب تجاه هذا الصراع.

في الواقع، من الجليّ أن إدارة ترامب تميل إلى أعمالٍ عسكريةٍ أكثر عدوانية ضدّ تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وربما أيضاً ضد الحوثيّين الذين يُفترض النظر إليهم بمثابة ممثلين عن إيران التي تمدّهم بالأسلحة، وذلك على على حساب تأجيل مفاوضات السلام.

ومما زاد الطين بلّة، أنه بعد ثلاث جولاتٍ من محادثات السلام غير المثمرة وفشل العديد من محاولات وقف إطلاق النار، فقدت منظمة الأمم المتحدة مصداقيتها لدى الشعوب، بعد انحيازها وتأييدها لأطراف على حساب الطرف الآخر، خاصةً بين الحوثيين والجماعات المؤيدة لـ”علي عبد الله صالح”، الذين يرون أن توسّط المنظمة يعتبر بمثابة انحيازٍ واضحٍ تجاه المملكة السعودية.

هل سيتمكن الاتحاد الأوروبي من بناء السلام في المنطقة؟

من الواضح أنّ الاتحاد الأوروبي، من خلال بعثته في اليمن وبالتنسيق مع بروكسل، سيكون مؤهلاً بما فيه الكفاية لمساعدة البلاد على إعادة “بناء” مصداقية الحوار بين اليمن والسعودية تحت رعاية الأمم المتحدة. فضلا عن ذلك، سيعمل الاتحاد الأوروبي على دفع الطرفين نحو وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاقٍ فعليٍّ بين الحوثيّين والحكومة اليمنية. وتجدر الإشارة إلى أنّ الاتحاد الأوروبي، طوال فترة الصراع، كان من أشد المدافعين على وقف الأعمال العدائية والتوصل إلى تسويةٍ سياسية تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة.

إلى جانب ذلك، لم تعرب أوروبا عن دعمها لأيّ حزبٍ خلال الحرب. وبالتالي، على الرغم من المواقف الثنائية بين بريطانيا وفرنسا ودعمهم للحملة العسكرية للتحالف الذي تقوده المملكة السعودية، ساهم حياد الاتحاد الأوروبي، في الحفاظ على مصداقيّته واتصاله مع الأطراف المتحاربة الرئيسية، بما في ذلك الحوثيين.

كما بذل الوفد الأوروبي في اليمن جهوداً كبيرةً لدفع الحوثيين للمشاركة في عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة. علاوةً على ذلك، سعى كلٌّ من الوفد الأوروبيّ برفقة الممثّل الأعلى للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية “فيديريكا موغيريني” باستمرار، إلى لفت الانتباه نحو خطورة الإجراءات أحادية الجانب من كلا الطرفين. وفي الوقت نفسه، أدانت جرائم الحرب وقام الوفد الأوروبي بتوفير الدعم التقني للجان مراقبة وقف إطلاق النار.

وخلال سنة 2017، تمكن كل من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء من دعم هذه الجهود مع التركيز على أولويّتين: أولاً، ضمان وقف إطلاق النار المستمر والتوصل إلى اتفاقٍ سياسيٍّ لإنهاء الصراع. وثانياً، تخفيف الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ وضع حدٍّ للحرب من شأنه أن يتطلب إستراتيجيةً مزدوجةً وذلك لأسباب عدّة، تتمثل أولاً في ضمان استدامة وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق سلامٍ بدعمٍ من الأمم المتحدة ووضع حدٍّ للتدخل العسكري السعوديّ. أمّا السبب الثاني، فيتمثل في إطلاق سلسلةٍ من المفاوضات الشاملة بين اليمنيين برعاية الأمم المتحدة، لرسم المستقبل السياسي للبلاد.

وبالتالي، من أجل تحقيق وقف إطلاق النار، ينبغي على الاتحاد الأوروبي النجاح في إقناع الطرفين بوقف الأعمال العدوانية. وبالتنسيق مع بريطانيا، وفرنسا، ينبغي عليه أيضاً أن يشجع المفاوضات بين الطرفين بهدف إرساء مقومات الاتفاق بدعمٍ من الأمم المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك، يتعيّن على المملكة المتحدة وفرنسا بذل المزيد من الجهود للمضي قدماً بقرار مجلس الأمن وإرسال نداءٍ عاجلٍ لوقف إطلاق النار، سواءً داخل اليمن أو على طول الحدود مع المملكة العربية السعودية، وذلك عن طريق تحديد معايير ثابتة لإيجاد حلٍّ يتفق مع خارطة الطريق التي تنطوي على تنازلات جميع الأطراف المعنية.

كما ينبغي أيضاً الحدّ من بيع الأسلحة إلى الرياض واتخاذ إجراءاتٍ دفاعيةٍ، بما في ذلك الدفاع عن الأراضي السعودية من الهجمات الحدودية المتوقعة من قبل القوات الحوثية الموالية لصالح، وذلك لأهدافٍ دفاعيةٍ ما أن يتمّ الحصول على التزامٍ صريحٍ من طرف الرياض لوقف إطلاق النار.

وبالتالي، لتعزيز اتفاق مستدام، يتعين على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه تحديد مفاوضاتٍ واسعةٍ وشاملةٍ بين اليمنيين فيما يخص القضايا العالقة في اليمن خاصة فيما يتعلق باللامركزية والمفاوضات الجنوبية في اليمن.

كما يمكنهم العمل على هذه المفاوضات من خلال مبادرة “المسار الثاني” في اليمن والعمل الدبلوماسي المستمر مع جهات أخرى بغض النظر عن حكومة هادي والميليشيات الحوثية أو المؤيدين لصالح، بما في ذلك التجمع اليمني للإصلاح وعناصر الحركة الانفصالية الجنوبية والجماعات القبلية، والسلفيين ومنظمات المجتمع المدني، بما في ذلك المجموعة النسائية.

زيادة حجم المساعدات الإنسانية والدفاع عن القانون الدولي

في هذا الصدد، يتعين على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه بذل مزيد من الجهود للتخفيف من حدّة الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب في اليمن وتمهيد الطريق أمام استقرار البلاد. وعلى وجه الخصوص، ينبغي ردع التحالف الذي تقوده المملكة السعودية، والذي يسعى إلى الاستيلاء على منطقة “الحديدة”، ما من شأنه أن يزيد من تفاقم الأزمات الإنسانية ويعيق فرص التوصل إلى اتفاق بين الطرفين.

وعموماً، ينبغي على الاتحاد الأوروبي مناشدة التحالف لتخفيف الحصار الجوي والبحري على المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين والقوات الموالية للرئيس صالح، فضلاً عن دعوة الحوثيين إلى رفع الحصار عن مدينة تعز الجنوبية.

وفي أيّ حال من الأحوال، يجب إقناع جميع الأطراف المسؤولة عن الحصاربالسّماح على الأقل بنقل المساعدات الإنسانية والسلع التجارية والمدنيين.

من ناحية أخرى، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يشجع على الإتفاق بين الأطراف اليمنية المتنازعة وذلك بغية تسهيل عمل البنك المركزي في البلاد ودفع أجور العاملين في القطاع العام والقدرة على تأمين استيراد المنتجات الغذائية الأساسية.

إلى جانب ذلك، يتعين على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه أن يدينوا بصوتٍ واحدٍ وبقوة انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدوليّ. علاوةً على ذلك، ينبغي عليهم توحيد مواقفهم وممارسة الضغط الدبلوماسي وإذا تطلب الأمر تهديدهم بوقف مبيعات الأسلحة.

وفي الختام، على الرغم من وجود انقساماتٍ داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وفي صفوف أعضاء الاتحاد الأوروبي، إلا أنّه سيتم تحقيق تقدمٍ كبيرٍ في هذه المرحلة الحرجة التي تمرّ بها البلاد، وذلك إذا ما اتحدت الجهود الأوروبية لتعزيز وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، يحتاج الوصول إلى اتفاقٍ مستدام إلى إرساء آلياتٍ شاملةٍ لتحقيق العدالة الانتقالية حتى تتمّ مواجهة الماضي المتعثر.

الصحيفة: بوليتيكا إكستاريور

الكاتب: مجموعة الأزمات الدولية

المصدرhttp://www.politicaexterior.com/actualidad/zonas-calientes-2017-oriente-proximo-y-norte-de-africa-y-iii/