المرصد

ستراتفور: رؤية الإصلاح في المملكة العربية السعودية

9777

رفعت المملكة العربية أخيراً الحجاب عن خطة التحول الوطني في المملكة. وخلال مقابلة استمرت لقرابة الساعة، بين ولي ولي العهد الأمير ، والتي تعد المقابلة الأولى معه، عرض خلالها الأمير الخطة التي وافق عليها مجلس الوزراء السعودي. الخطة الخمسية، والتي ستنطلق رسمياً خلال الشهرين المقبلين، تحدد استراتيجية المملكة لتوسيع وتطوير اقتصادها في ظل تقليل اعتمادها على وعائداته. وفي إطار رؤية أكبر لعام 2030، تركزت الخطة على توسيع جهود الخصخصة ورفع الدعم عن الكهرباء والماء والحد من البطالة وتعزيز الانتاج العسكري والصناعة المحلية. بالإضافة إلى تحويل بعض أصول شركة السعودي ” ” إلى ما تسعى المملكة لجعله صندوق الثروة السيادية الأكبر في العالم.

تعد السعودية صاحبة التقليد الأعرق – بين دول مجلس التعاون الخليجي – في تحديد الأهداف الاقتصادية الطموحة المغلف ضمن الخطط الخمسية. حيث قامت المملكة سابقاً بتنفيذ أول خطة خمسية للتنمية بدءاً من العام 1970، أي قبل تأسيس مجلس التعاون الخليجي بـ 11 عاماً. وانتهت خطة المملكة الخمسية التاسعة في عام 2014.

وبالمقارنة مع جيرانها، تعد السعودية هي الدولة الأكثر تأخراً في تبني ما يمكن تسميته بـ “رؤية” أعظم. فقد سبق لكل من البحرين والإمارات وقطر أن أعلنوا عن رؤاهم الوطنية لعام 2030 منذ العام 2008، فيما كشفت الكويت عن رؤيتها لعام 2030 في 2010.

يمثل التخطيط طويل الأمد تحولاً مهماً لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يشير إلى تغير الطريقة التي تقوم بها دول الخليج في التعامل مع العقود الاقتصادية الآجلة. وفي حين ركزت معظم التنمية السابقة في جميع أنحاء المنطقة على أهداف الناتج المحلي الإجمالي والإنفاق، تعمل الرؤى طويلة الأمد على رسم مسار مرن لتحقيق أهداف أقل اعتماداً على أرقام الناتج المحلي المحددة. وعليه فإن حكومات الخليج بحاجة إلى إيجاد وتحفيز بيئات استثمارية أكثر تكيفاً على المضي قدماً في الإصلاحات الاقتصادية التي ينشدها الشباب والطبقة المثقفة في المجتمع. وعلى أي حال، تبقى المرونة أمراً ضرورياً هنا.

مواجهة الإصلاح

فعلياً، تم إعلان أهم ما في خطة التحول الوطنية السعودية قبل يوم 25 أبريل. ونتيجة لذلك، احتل موضوع مقابلة بن سلمان معنىً ضمنياً أكبر. فهذه المقابلة هي الأحدث في سلسلة مقابلات بارزة وغير مسبوقة ظهر فيها الأمير مؤخراً، ويمكن اعتبار ظهور الأمير على شاشة التلفاز بمثابة خطوة مهمة تمثل الشفافية ونوعاً هاماً من الانفتاح وسرعة الاستجابة لطلب الشباب السعودي. وهكذا، فإن هذه المقابلة جاءت بشكل خاص من أجل الشباب السعودي الذين يطمحون للوصول إلى مستقبل مزدهر كما تمتع أسلافهم بذلك. وخلال المقابلة، سمع هؤلاء الشباب الأمير محمد بن سلمان وهو يؤكد لهم أن المملكة وحكومتها تدرك احتياجاتهم وتتقبلها. وقبل يومين فقط من مقابلة بن سلمان، قام وزير العدل السعودي بإجراء مقابلة أخرى مع قناة العربية، وهو ما يؤكد توجه الحكومة السعودية نحو مزيد من الشفافية بما يمحو إرث المملكة الكبير المرتبط بالإبهام.

وحتى الآن، احتلت عملية إعادة هيكلة “أرامكو” صدارة الإصلاحات الموعودة. حيث سيتم طرح 5% من أسهم الشركة للاكتتاب العام، والذي من المرجح أن يكون العام القادم ، ومن المحتمل أن تكون هناك طروحات أخرى خلال السنوات المقبلة.

المتبقي من أسهم أرامكو سيتم نقل ملكيته إلى صندوق الاستثمارات السعودي العام، والذي تأمل السعودية في توسعته لينافس صندوق النفط النرويجي – أي أن تصل قيمته إلى 2 تريليون دولار بحلول العام 2030. في الوقت نفسه، وعد بن سلمان أن يتم تشغيل شركة أرامكو عبر مجلس إدارتها فقط ، مع الحد الشديد من التدخل السياسي في قرارات الشركة. وسيترافق ذلك مع الإفراج عن المعلومات المالية الخاصة بالشركة.

ولكبر حجم أرامكو، فإنها تمثل نموذجاً هاماً للإصلاح، حيث أشار بن سلمان إلى حاجة العديد من الفعاليات الاقتصادية في المملكة إلى مزيد من الشفافية وهو ما يتطلب عدم وجود أي كيان اقتصادي مقرب بشكل كبير من العائلة الحاكمة “آل سعود”.

تحقيق الإصلاحات

سبق ذلك، إقالة وزير المياه والكهرباء السعودي بعد غضب شعبي عارم بسبب الزيادة الكبيرة على تسعيرة الخدمات. فمنذ خفض الدعم الحكومي لهذه الخدمات في ديسمبر الماضي، ذكر بعض السعوديين أن نسبة الزيادة في فواتير المياه وصلت إلى 500%. نما عدم الرضا بين السعوديين وصولاً إلى طرد الوزير من منصبه. لكن إقالة الوزير ليست سوى حل مؤقت لمشكلة الإصلاح. فعلى الرغم من أن خطة خفض الدعم الحكومي ستوفر ما يصل إلى 30 مليار دولار بحلول العام 2020، إلا أن 86% من السعوديين يطالبون باستمرار الحكومة السعودية بتقديم هذا الدعم للخدمات، وهو ما اعتادوا عليه منذ نعومة أظفارهم. وحتى تستطيع الرياض الوصول إلى نقطة تفاهم مشتركة بين الغضب الشعبي العارم و تكلفة الدعم المرتفعة، ستستمر معاناة البلاد من العجز القياسي في الميزانية وهو ما سيجعل مسار الإصلاح بطيئاً.

وكما تسير السعودية بثبات في طريقها نحو تحقيق إصلاحات طموحة، تعد إقالة الوزير تحد وحيد لا يقارن بالتحديات المقبلة. فخطة الرؤية لا تقدم مجموعة كاملة من الخطوات تمكن البلاد من تحقيق أهدافها أو توفر وسيلة تنفيذية تقدم للمخطيين الماليين والمصرفيين والمستشارين الاستثماريين. وعلى العكس من هذا، يمكن اعتبار رؤية السعودية أشبه بالخطط المقدمة في دول الخليج المجاورة، حيث تشدد الخطة السعودية على تحصين العقد الإجتماعي في المملكة. وهي كذلك وعد للمواطنين في المملكة أن البيت الحاكم “آل سعود” يسعون للحفاظ على العقد الاجتماعي القائم حتى لو أصبح النفط، العمود الاقتصادي للمملكة، غير مربح كما كان من قبل.

ولعل الأسئلة الأهم التي تلوح في أفق المملكة هي تلك المرتبطة بمدى استمرار الشباب السعودي بوضع ثقتهم في العائلة الحاكمة ومدى توافق المبادئ السامية لرؤية 2030 مع ما تواجهه المنطقة من تفاقم للضغوط السياسية والاجتماعية والأمنية.