آراء

علي باكير: العلاقات التركية – السعودية ما بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة

على-حسين-باكير

عندما وقعت المحاولة الإنقلابية الفاشلة في في 15 يوليو الماضي، كانت السلطات التركيّة تأمل حصول رد فعل أسرع وأكبر من قبل حلفائها وأصدقائها حول العالم لإدانة الإنقلاب والتعبيرعن التضامن مع السلطات الشرعيّة المنتخبة. وبعد أن أعادت الحكومة التركية سيطرتها بشكل سريع على الوضع، شكّل موقف الدول من الإنقلاب مؤشراً مبكّراً على المسار الذي ستتخذه العلاقة بين وتلك الدول في المرحلة المقبلة.

رسائل مشوّشة

الموقف السعودي آنذاك كان يرسل إشارات متضاربة، فالبيان الرسمي الذي صدر عن المملكة لم يحمل إسماً أو صفة لأي مسؤول سعودي رفيع المستوى، وجاء متأخراً قياساً بموقف دول تتناقض أجنداتها الإقليمية مع الجانب التركي بشكل كبير كروسيا وإيران. وقد حاول الجانب السعودي تدارك التأخّر النسبي في إعلان الموقف الرسمي عبر المسارعة حينها الى إعتقال الملحق العسكري التركي في بعثة بلاده في الكويت أثناء تواجده في مطار الدمام بناءً على طلب من الجانب التركي.

لقد عبّرت هذه الخطوة عن توجّه إيجابي للمملكة، لكن في المقابل، كانت تغطية قناة العربية المحسوبة على الجانب السعودي تبعث برسائل في الإتجاه الاخر المغاير تماماً. رسائل فهمها الجانب التركي على أنّها تأييد للإنقلاب العسكري ودعم له، خاصّة عندما أجرت القناة مقابلة مع فتح الله غولن المتّهم الأوّل من قبل الحكومة بالوقوف خلف في تركيا.

لقد كان هناك حرص من المسؤولين الأتراك على أن لا يتم التركيز على هذا الأمر علناً في النقاشات والحوارات والمواقف الرسمية كي لا تتفاقم الأوضاع في وقت يعي فيه الطرفان بشكل جيّد مدى أهمّية العلاقة بينهما على الصعيد الاقليمي. وفي المقابل، كان هناك على ما يبدو إعادة تقييم من قبل الجانب السعودي للموقف برمّته من جديد.

استجابت السلطات لطلب الجانب التركي حذف المقابلة فوراً من كل المنافذ الإعلامية للقناة، وقامت بإيفاد المدير العام للقناة تركي الدخيل في 25 أغسطس الى تركيا لتصحيح الخطأ الذي حصل في زيارة سريّة لم يعلن عنها، حيث قام الأخير بمقابلة مسؤول من رئاسة الجمهورية التركية وتمّت مناقشة هذا الأمر بشكل صريح، والإعتذار عن الخطأ.

التدارك السريع للفجوة المستجدة

وسرعان ما بدّد اللقاء بين الرئيس رجب طيب أردوغان وبين ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على هامش قمّة الدول العشرين في الصين في 3 سبتمبر 2016 الشكوك السابقة وأعاد تصحيح المسار وتدارك الفجوة التي إستجدّت مؤخراً بين الطرفين. خلال هذا اللقاء تمّ التطرق الى سلسلة واسعة من المواضيع ذات الطابع الثنائي والإقليمي، حيث تمّ تجاوز سقطة قناة العربية والاتفاق المبدئي على بعض القضايا المتعلقة بالوضع السوري وعملية جرابلس، وكذلك على خطورة السياسة الطائفية الايرانية في المنطقة وخطوات نظام الملالي الحثيثة لإبتلاع العراق.

وبعدها بأيام قليلة فقط، قام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بزيارة الى أنقرة وإلتقى المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، وناقش خلال تواجده في أنقرة الثنائية والملفات الإقليمية الهامة، كما قام بزيارة مقر البرلمان التركي الذي تعرّض للقصف أثناء المحاولة الانقلابية الفاشلة، وألقى محاضرة في مركز سيتا للأبحاث في مبادرة هامّة ومطلوبة لمخاطبة النخبة التركية والرأي العام التركي على السواء.

أنهت هذه الزيارة الحديث عن وجود أجواء سلبية بين الطرفين، وساعدت على اعادة وضع العلاقة بين البلدين على السكة الصحيحة، حيث تمّ إعادة التأكيد على دعم السلطات التركية في أي إجراءات داخلية تتخذها للدفاع عن نفسها ضد الإنقلاب. وبدت المملكة أكثر ديناميّة وحضوراً فيما يتعلق بالموقف الإقليمي حيث عبّر الجانب السعودي بشكل واضح عن تأييده للعملية العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي في جرابلس السورية، وتمّ التأكيد على التطابق الكامل في وجهات النظر بين البلدين في الشأن الإقليمي بخصوص والعراق واليمن ومكافحة الإرهاب.

الرد التركي الإيجابي

وسرعان ما قابل الجانب التركي الخطوات الإيجابيّة السعودية بخطوات إيجابيّة مماثلة في أكثر من ملف لاسيما على صعيد الإشتباك المتصاعد مؤخراً بين إيران والمملكة العربية السعودية بخصوص الحج. فقد صعّد النظام الإيراني خلال شهر أغسطس وبداية سبتمبر من هجماته على المملكة العربية السعودية فيما يتعلّق بإدارة المملكة للحج. وتولى الخامنئي والمسؤولون الرسميون الإيرانيون وعدد من رجال الدين الهجوم بشكل مباشر وعلني خلال الأيام القليلة الماضية على المملكة.

في هذا السياق، صدرت عدّة مواقف رسميّة تركيّة متضامنة وداعمة للموقف السعودي الرافض لتسييس الحج. وقد أشاد الجانب التركي مسبقاً، وخلال موسم الحج، وبعد إنتهاء الحج بالجهود المبذولة من قبل القيادة السعودية والمسؤولين السعوديين، وكان من بين أبرز من أشار الى هذا الموضوع، وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو الذي تحدّث عن الأمر بشكل صريح في لقائه مع عادل الجبير، وكذلك فعل فيما بعد رئيس الشؤون الدينية التركية محمد غورماز وعدد من المسؤولين الأتراك من بينهم نائب وزير البيئة.

وخلال اللقاءات التركية- السعودية الأخيرة، تم التركيز على استغلال الزخم الدبلوماسي للدفع قُدماً الى الأمام باتجاه عقد الإجتماع الأول لمجلس التنسيق المشترك بين البلدين. فكرة هذا المجلس كانت قد طُرحت خلال الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى المملكة العربية السعودية في ديسمبر من العام 2015، حيث إقترح الجانب التركي آنذاك إنشاء مجلس أعلى للتعاون الإستراتيجي بين البلدين للتسريع من التطورات الإيجابية التي تشهدها العلاقات الثنائية ولوضعها في إطار مؤسساتي راسخ يضمن تحقيق المزيد من الإنجازات خلال وقت قصير.

وعلى الرغم من أنّ الجانب السعودي أبدى موافقة مبدئية آنذاك، إلا أنّه لم يكن متحمّساً أو ربما لم يكن مستعدّاً بما فيه الكفاية، لكن في نهاية المطاف وبعد إصرار من الجانب التركي، تمّ التوقيع على وثيقة تفاهم لإنشاء مجلس تنسيق مشترك “مجلس التنسيق التركي- السعودي” في اللحظات الأخيرة من الزيارة التي قام بها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز الى تركيا في أبريل الماضي وذلك على هامش إنعقاد مؤتمر القمة الاسلامي في إسطنبول .

اليوم يظهر أكثر من أي وقت مضى أهمّية تفعيل عمل المجلس، حيث من المنتظر أن يُعقد الإجتماع الأوّل له بين أكتوبر ونوفمبر من العام الحالي لمناقشة تطوير القضايا الثنائية ذات الطابع السياسي والإقتصادي والعسكري على وجه الخصوص، بالإضافة إلى رفع مستوى التنسيق والتعاون في الملفات الملتهبة على الصعيد الإقليمي.

أفق الإلتقاء الإقليمي

فيما يتعلق بالوضع السوري، هناك إتفاق بين الجانبين على ضرورة رحيل الأسد والزمرة المحيطة به ممّن تورطوا في سفك دماء الشعب السوري مع بدء العملية الإنتقالية، وهو أمر يتعارض مع ما تريده روسيا وإيران. الموقف الأمريكي بهذا الخصوص يكون “عملياً” أقرب إلى الطرفين الأخيرين، ولذلك يتطلب التسارع الجاري في الجهود الأمريكية – الروسية لعقد صفقات تهمّش اللاعبين الأساسيين كتركيا والمملكة حضوراً أكبر لهما لاسيما في هذه المرحلة.

دخول الجانب التركي بقواته المسلّحة إلى شمال سوريا لدعم المعارضة السورية في محاربة داعش، ولمنع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني من تهديد وحدة الأراضي السورية، ولإعادة اللاجئين السوريين، وللضغط على الأطراف الدوليّة لأخذ المطلب التركي بشأن الأسد بعين الإعتبار، كلها أمور تصب في النهاية في صالح المملكة العربية السعودية أيضاً.

لكن في المقابل، هناك حاجة أيضا إلى دعم أكبر من قبل المملكة للمعارضة السورية المسلّحة، وهو الأمر الذي يقول البعض أنّه أصبح أكثر صعوبة مع تعرض السعودية لضغوط أمريكية كبيرة بسبب الوضع في اليمن ناهيك عن حساسيات المملكة المرتبطة بالخوف من تُهم تتعلق بدعم الإرهاب والتطرّف، وهي التهم التي يركّز الجانب الإيراني على ترويجها في المنصّات الإعلامية العالمية مؤخراً ليزيد من الضغط على السعودية ويجعلها في موقف دفاعي.

في الملف العراقي، تشاطر تركيا المملكة العربية السعودية الخوف من السياسات الطائفيّة الايرانيّة في المنطقة، وكذلك من دعم إيران للميليشيات الطائفيّة المسلّحة التي لا تقل إرهاباً أو وحشية عن “داعش”، ومحاولة طهران إبتلاع العراق.

وقد كان هذا الملف بالتحديد مثار نقاش خلال اللقاءات الأخيرة بين الجانبين، حيث أنّ الإصرار على إشراك ميليشيات “جحش” التابعة لها في عملية الموصل المرتقبة أمر مرفوض من الطرفين ويؤكد الحقائق التي تشير الى عمليات تغيير ديمغرافي ذات طابع طائفي تقوم بها إيران في عدد من الدول لاسيما في سوريا والعراق مع توقع نزوح مليون إنسان في عملية الموصل المرتقبة غالبيتهم الساحقة من السنة العرب.

وبإنتظار عقد المجلس السياسي المشترك بين البلدين في تركيا، من الواضح أنّ لقاء كبار المسؤولين السعوديين مع نظرائهم الأتراك في هذه المرحلة كان أمراً مطلوباً، وهو من دون شك خطوة إيجابية في الإتجاه الصحيح. وعدا عن ذلك، فهو يعكس بالضرورة حرصاً سعودياً على تبديد المخاوف وقطع الطريق على من يريد من الدول الإقليمية أن يصطاد بالماء العكر كما يقال. فأن يتم ترتيب لقاءات لولي ولي العهد ووزير الخارجية خلال أيام قليلة فقط هو أمر بالغ الأهمية توقيتاً ومضموناً.

وفي ظل العمليات العسكرية التي تقوم بها تركيا ضد “داعش” في سوريا والتركيز على جهود محاربة الإرهاب، وصد السياسات الإيرانية الطائفيّة على المستوى الإقليمي، من المتوقع أن يبحث الطرفان مثل هذا الملف على مستوى عالٍ أيضاً، فهذا الموضوع يقع على سلّم أولويات المسؤولين السعوديين ، صحيح أنّ زيارة ولي العهد السعودي الى تركيا يوم الخميس في 29 سبتمبر تتضمن مناقشة عدد من المواضيع ذات الطابع الإقتصادي، لكن سيكون من الصعب إستبعاد المواضيع السياسية والأمنيّة تحديداً من أجندة اللقاء الخاصة .

مثل هذه الخطوة (أي زيارة ولي العهد) سيُفهم منها بالتأكيد إعادة الإعتبار للإلتزام السياسي بالعلاقات الثنائية على أعلى مستوى بين الطرفين، وستعطي دفعاً إضافياً للمساعي المكثّفة الجارية حالياً لإعادة تدارك العثرات السابقة والتسنيق والتعاون فيما يتعلق بالأجندة المشتركة للطرفين على الصعيد الإقليمي على وجه التحديد.

د.: باحث في العلاقات الدولية والشؤون الإستراتيجية