آراء

نيكولاي كوزنخاف: صادرات الأسلحة الروسية إلى الشرق الأوسط: أداة نفوذ إضافية

NikolayKozhanovCrop

توسع موسكو في الأسلحة في المنطقة يعطيها بعداً آخر لتحقيق أهدافها الجيوسياسية

تعتبر موسكو منذ فترة طويلة ثاني أكبر دولة مصدرة للسلاح في العالم بعد الولايات المتحدة حيث وصل متوسط الدخل السنوي من مبيعات الأسلحة بين أعوام ٢٠١٢ و٢٠١٥ تصل إلى ١٤.٥ مليار دولار. وشهد العقد الماضي زيادة كبيرة بصادرات الأسلحة الروسية إلى وهو ما يعد جزءً من استراتيجية روسية أوسع لإعادة تأسيس موسكو كلاعب رئيسي في المنطقة.

وحتى وقت قريب، كانت حذرة للغاية في استخدام صادرات السلاح كوسيلة للضغط السياسي. لكن هذا الوضع تغير، ونما نصيب من سوق الاسلحة في الشرق الأوسط، ومع هذا ما يزال الكرملين بحاجة ليكون أكثر حسماً تجاه هذه الأوراق. وبشكل عام، يشير عدم الاستقرار في الشرق الاوسط إلى استمرار هذه المنطقة في تشكيل واحد من أكبر أسواق الأسلحة في العالم خلال السنوات القادمة، وهو ما سيساعد موردي السلاح الروسي لتحدي هيمنة الولايات المتحدة هناك.

العودة إلى السوق القديم

سوق السلاح في الشرق الأوسط ليس جديداً بالنسبة لروسيا، فسبق للاتحاد السوفيتي ان صدر إلى الجزائر ومصر وسوريا والعراق وإيران وليبيا والسودان واليمن. لكن سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه أدى إلى انخفاض صادرات الاسلحة الروسية إلى المنطقة. هذا عدا عن تضرر صناعة الاسلحة الروسية بسياسات الخصخصة التي اتبعتها حكومة بوريس يلتسن.وقوع  اهم مصانع السلاح داخل حدود دول مستقلة حديثة تفتقر إلى الموارد أو الموانئ المناسبة للنقل- ميناء أوديسا وليتشفيك كانت منهكة للغاية وتفتقر للبنية اللازمة للتصدير.

وبحلول العام ٢٠١٢، كان موقف مصدري الأسلحة الروسية إلى الشرق الأوسط أكثر حرجاً، فسقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣، ونظام معمر القذافي في عام ٢٠١١ أدى إلى فقد روسيا لعملائها التقليديين في المنطقة – فشركة “روسوبورون اكسبورت” أحد أبرز الشركات المصدرة للسلاح في روسيا قدرت خسائرها المالية بحدود ٦.٥ مليار دولار أمريكي في ليبيا وحدها. وعلى الرغم من تمكن روسيا من المحافظة على وجودها في الجزائر وسوريا إلا أن سجلها العام هناك لم يكن مثيراً للإعجاب، وهو ما دفع منتجي السلاح الروس إلى القيام بعدة محاولات لدخول أسواق السلاح في الخليج لكن محاولاتهم تلك بائب بالفشل ولم تتمكن من خلق طلب طويل الأمد بما ينافس التواجد الغربي هناك والمدفوع بطبيعة العلاقة مع تلك الدول.

الحرب السورية جاءت لتنقذ الأمر وساهمت بإنعاش مصدري الأسلحة الروسية مجدداً، كما ساهمت في إثبات موثوقية الأسلحة الروسية في ساحة المعركة،وهو ما جذب انتباه جميع دول الشرق الأوسط بما في ذلك دول الخليج التي كانت تتجه عادة نحو منتجي الأسلحة الغربيين. فعلى سبيل المثال، استوردت البحرين مجموعة من أسلحة (AK-103) وهي البندقة الموازية كلاشينكوف، في عام ٢٠١١ لتعود مجدداً في عام ٢٠١٤  البحرين وتعقد لشراء شحنة من الأنظمة المضادة للدبابات الروسية “كورنييت”. وعلى الرغم من أن حجم الصفقات تلك لم يكن كبيراً بالقدر الكافي إلى أن روسيا أولتها اهتماماً كبيراً لإثبات انفتاح السوق الخليجي في التعامل معها.

وفي الفترة بين أعوام ٢٠١١ و٢٠١٥ ارتفع حجم عقود الأسلحة الموقعة بين موسكو ودول الشرق الأوسط بشكل كبير، واشتمل على عودة روسيا إلى أسواق الأسلحة المصرية والعراقية التي كانت الولايات المتحدة المهيمن الأول بها. في عام ٢٠١٤ وقعت روسيا صفقة أسلحة مع تصل قيمتها إلى ٣.٥ مليار دولار، والتي بموجبها يفترض أن تقدم روسيا لمصر مجموعة من الطائرات المقاتلة (MIG-29M/M2) ومجموعة من طائرات الهيلوكوبتر (Mi-35M) ومجمعات صواريخ (S-300VM) ونظام الدفاع الساحلي. فيما تذكر مصادر إعلامية أيضاً أنه وفي عام ٢٠١٥ عقدت اتفاقاً مع شركة (إركوت) لتصدير ١٢ طائرة مقاتلة من نوع (Su-30K).

تسعى روسيا كثيراً إلى الاستفادة من خاصية عدم التدقيق والمحاسبة التي تتبعها تجاه شركائها في السوق الخليجي لتعزيز تواجدها هناك، فالولايات المتحدة حظرت بيع الأسلحة إلى البحرين عام ٢٠١١ مخافة استخدامها من قبل السلطات لقمع المظاهرات الشعبية، وحاولت روسيا أيضاً استخدام صادراتها من الأسلحة للتأثير على الوضع السياسي في مصر ٢٠١٣- ٢٠١٤. بالإضافة إلى التباطؤ الأمريكي عام ٢٠١٤ في إرسال الولايات المتحدة لأسلحة إلى وهو ما دفع الحكومة العراقية إلى طلب الاسلحة من روسيا لاستخدامها في محاربة داعش، وهو ما أفقد واشنطن ميزة استفرادها بالسوق العراقي.

توسيع السوق، وتأثير التوسع

المصالح الروسية تتجاوز المسالة الاقتصادية فحسب، حيث ينص القانون الاتحادي الروسي على أن تعزيز المواقع العسكرية والسياسية في الخارج هو الهدف الأساس للتعاون العسكري الصناعي الروسي ومما لا شك فيه أن روسيا ستستخدم صناعة صادراتها من الأسلحة في محاولة للتأثير على توازن القوى في الشرق الأوسط.

التدخل الروسي في ثبت دورها في المنطقة ك”مغير لقواعد اللعبة” حيث استخدمت صناعة الأسلحة بصورة استراتيجية هناك. فعلى سبيل المثال في ٢٠١٢، شكل قرار موسكو بوقف بيع طائرات (S-300) إلى وسيلة جيدة لتحسين علاقات موسكو بتل أبيب في عام ٢٠١٦. بينما ساهم تقديم روسيا إلى إيران طائرات (S-300) مهد الطريق لتطوير المحادثات الروسية الإيرانية. وحتى الآن يقال أن قرار الرئيس الروسي (رئيس الوزراء حينها) ديمتري ميدفيديف بوقف صادرات الأسلحة إلى ليبيا هو ما ساهم في اسقاط نظام القذافي عام ٢٠١١.

تبقى الحصة الروسية من مبيعات الشرق الأوسط مجهولة للمتابعين، لكن التقديرات تتراوح بين نسب ٣٧.٥٪ و٨.٢٪ وهو ما يتراوح بين (١.٢ و٥.٥ مليار دولار أمريكي) من إجمالي صادرات الأسلحة إلى المنطقة – موظفو الجمارك الروسية يؤكدون فقط تزايد أعداد وكميات الأسلحة المتدفقة إلى الشرق الأوسط. مواقف موسكو في الشرق الأوسط ما تزال ضعيفة حتى اللحظة –صادرات الأسلحة هي مصدر لعدم استقرار الدخل وتختلف احجامها واحتياجات المستوردين سنوياً. هذا بالإضافة إلى قدرات التصنيع الموجودة لدى المنتجين الروس ومشاكل الأزمة الاقتصادية التي تفرض قيوداً على قدرات موسكو التصنيعية.

وبشكل عام، زيادة صادرات الأسلحة يزيد من حاجة مورديها إلى خدمتها وتطوير الأسلحة وهذا على الأقل سيخلق علاقات تمتد لفترة على المدى الطويل بين البائع والمشتري. وفي ظل هذه الظروف، فإن المسؤولين الروس متأكدون من تواجد روسي أكثر استدامة – وهو ما سيفيدهم بشكل أو بآخر على الصعيد الاقتصادي والجيوسياسي.

 

 

: زميل باحث في الأكاديمية الروسية وأكاديمية برنامج أوراسيا. عمل محاضراً زائراً في الاقتصاد السياسي الخاص بالشرق الأوسط في الجماعة الأوروبية في سانت بطرسبرج  وجامعة بطرسبرج الدولية.