المرصد

نيويورك تايمز: عناصر من المخابرات الأردنية سرقت أسلحة مخصصة لثوار سوريا وباعتها في السوق السوداء

27arms-web1-superJumbo

أشارت تصريحات لمسؤولين أردنيين وأمريكيين إلى أن الأسلحة التي قامت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمملكة العربية السعودية بتوفيرها للثوار السوريين سرقت بشكل منتظم من قبل عناصر وتم بيعها لتجار الأسلحة في السوق السوداء. 

وأشارت المصادر أيضاً إلى أن بعض الأسلحة المسروقة هذه استخدمت في حادث إطلاق النار الذي وقع في شهر نوفمبر الماضي وأدى إلى قتل أمريكيين وثلاثة آخرين في منشأة لتدريب الشرطة في ، وفق ما أشار له ضباط مطلعين على تفاصيل التحقيق في الحادث. 

حوادث السرقة هذه انتهت قبل أشهر قليلة فقط بعد أن قدمت الحكومتان الأمريكية والسعودية شكاوٍ متعلقة بالأمر، وتم الإبلاغ عن هذه الحوادث للمرة الأولى بعد تحقيق مشترك أجرته الجزيرة وصحيفة نيويورك تايمز حينها. وتشير التحقيقات إلى أن حوادث سرقة الأسلحة هذه شملت ملايين الدولارات ما يسلط الضوء على الفوضى والنتائج الغير مخطط لها من برامج تسليح وتدريب الثوار – هذا النوع من البرامج أجرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على مدى عقود طويلة – حتى في ظل سعي إدارة أوباما لإبقاء البرنامج التدريبي في تحت رقابة مشددة. 

وقال مسؤولون أردنيون أن الضباط الأردنيين المتورطين في حوادث السرقة والبيع تمكنوا من حصد إيرادات استثنائية من مبيعات الأسلحة واستخدموا تلك الأموال في شراء سيارات الدفع الرباعي باهظة الثمن وهواتف أبل باهظة الثمن والسلع الكمالية الأخرى. 

وأدت عمليات السرقة وإعادة بيع الأسلحة – بما فيها أسلحة كلاشنكوف وقذائف مورتر وقذائف صاروخية مختلفة – أدت هذه العمليات إلى إحداث طوفان من الأسلحة الجديدة في السوق السوداء. ولم تكشف التحقيقات عن مصير جل هذه الأسلحة، لكنها بكل تأكيد وصلت لمجموعات كبيرة من الشكبات الإجرامية والعشائر البدوية الأردنية عدا عن وصولها إلى مهربي الأسلحة البارزين في البلاد. 

ووفق تحقيقات المباحث الفيدرالية الأمريكية في حادث إطلاق النار السابق في عمان والذي يقوم به مكتب ميداني على اتصال مباشر بواشنطن فإن المحققين يعتقدون بأن النقيب الأردني أنو أبوزيد – منفذ الهجوم – والذي تسبب بمقتل أمريكيين وجنوب إفريقي وأردنيين قد استخدم سلاحاً وصل إليه عبر برنامج تدريب الثوار السوريين وفق ما تظهره الأرقام التسلسلية للأسلحة المستخدمة. 

من جهته نفى محمد المومني، وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام بأن يكون الضابط الأردني أبو زيد قد شارك في أي من السرقات التي يتحدث عنها التقرير. وأضاف أن “ الأسلحة الموجودة لدينا تحظى بمتابعة دقيقة وهي تخضع لأعلى درجات الانضباط”  وتابع أن المخابرات الأردنية وهي المعروفة باسم مديرية المخابرات العامة تعتبر مؤسسة من الطراز العالمي وتملك سمعة معروفة ومهنية وتحظى بدرجة عالية من التعاون مع مختلف الأجهزة الأمنية العالمية، فيما يعتبر رئيس المخابرات الأردني الرجل الثاني بعد الملك في البلاد. 

من جهتهم رفض ممثلوا وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA أو المباحث الفيدرالية FBI التعليق على هذه التصريحات. فيما لم تقم وزارة الخارجية بالتعليق أيضاً لكن المتحدث باسمها أكد على العلاقات القوية والصلبة التي تجمع أمركيا بالأردن. 

وأضاف جون كيربي المتحدث باسم الوزارة  بأن تقدر عمق التاريخ الطويل من التعاون والصداقة مع الأردن، مشيراً إلى التزام بأمن الأردن بغية الوصول إلى شراكة وثيقة معها لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

البرنامج التدريبي الذي بدأ عام ٢٠١٣ ووفر مباشرة فرصة لتسليح المتمردين عرف باسم “خشب الجمير” تديره وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والعديد من أجهزة المخابرات العربية ويهدف إلى بناء قوات معارضة مناهضة للنظام السوري. تعد الولايات المتحدة والسعودية أكبر المساهمين في هذا البرنامج، وتتنوع المساهمة السعودية بين دعم مالي أو دعم بالأسلحة، فيما توفر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عناصر من القوات شبه العسكرية لتدريب الثوار على استخدام بنادق الكلاشنكوف وقذائف الهاون والصواريخ المضادة للدبابات والموجهة وغيرها من الأسلحة. 

بايدن آثناء زيارته أحد معسكرات التدريب في الأردن
بايدن آثناء زيارته أحد معسكرات التدريب في الأردن

يشير المسؤولون الأمريكيون إلى أن كافة تفاصيل البرنامج وميزانياته مصنفة ومسجلة وسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن دربت آلاف المتمردين السوريين في السنوات الثلاثة الماضية، وفعلياً تمكن المتمردون من إحداث تقدم ميداني كبير على حساب قوات الأسد إلا أن التدخل الروسي في سوريا والذي بدأ العام الماضي أجبرهم على التراجع كثيراً. 

تم الاعتماد على الأردن كساحة للتدريب بسبب موقعها القريب من ساحات القتال في سوريا، ومنذ البداية،اعتمدت وكالة الاستخبارات المركزية على وكالات الاستخبارات العربية والأجهزة الأمنية الأردنية لنقل الأسلحة بعد أن اشترت كميات كبيرة منها من منطقة البلقان ومناطق أخرى في أوروبا الشرقية. 

بالإضافة إلى هذا البرنامج هناك برنامج آخر منفصل عنه يخضع لإشراف وزارة الدفاع الأمريكية، ويهتم بإيصال الأسلحة إلى الجماعات المعارضة التي تقاتل . وتم تعليق هذا البرنامج بعد أن فشل في استقطاب مقاتلين بأعداد كبيرة. 

وكان المسؤولون الأردنيون والأمريكيون قد طلبوا عدم الكشف عن اسمهم أثناء إدلائهم بمعلومات تتعلق بحوادث السرقة هذه خاصة وأن برنامج التدريب المشترك يعد ذا سرية عالية. 

وفي نهاية المطاف، انتشرت أنباء سرقة الأسلحة هذه في أوساط الحكومة الأردنية منذ عدة أشهر. حسام العبدلات على سبيل المثال و الذي سبق أن عمل كمساعد لرئيس الوزراء الأردني أكد على أنه قد سمع عن هذه الحادثة من العديد من المسؤولين الأردنيين الحاليين. وأضاف العبدلات أن المخابرات الأردنية تملك بعض الضباط الفاسدين داخل صفوفها لكنها ككل ليست مؤسسة فاسدة مشدداً على أن غالبية موظفيها مواطنون اردنيون وطنيون وفخورون بعملهم في خطوط الدفاع الأولى عن الوطن.

المسؤولون الأردنيون الذين كشفوا السرقة قالوا أن مجموعة من ضباط الخدمات اللوجستية قاموا بتنفيذها حيث كانوا يتمتعون بإمكانية وصول مباشر إلى الأسلحة بمجرد وصولها إلى الأردن.حيث دأبوا على سحب كمية من شحنة الأسلحة قبل أن يقوموا بتسليم الباقي منها إلى النقطة المتفق عليها بالأساس.

وتكشف الشهادات عن نقل الأسلحة إلى أسواق الأسلحة الرئيسية في الأردن في محافظة معان الجزء الجنوبي من البلاد وكذلك في منقطة سحاب المحادية لعمان ومنطقة وادي الأردن.

ومن غير الواضح ما إذا كان الرئيس الحالي للمخابرات الأردنية “ فيصل الشوابكة” على علم بعمليات السرقة هذه، لكن المسؤولين الأردنيين في شهادتهم أوضحوا أن ضباطاً داخل الخدمة علموا بالسرقات وحاولوا توفير غطاء للضباط ذوي الرتب المتدنية.

وبدأت المعلومات تتكشف فعلياً عن هذه السرقات بعد أن تبجح كثير من تجار الأسلحة بأنهم يمتلكون كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية والأسلحة المقدمة من السعودية وهو ما وصل بسهولة إلى دوائر المخابرات العامة الأردنية عبر عملاء المخابرات والذين رصدوا الأحاديث هذه بكثرة.

وبعد أن اشتكى الأمريكيون والسعوديون من هذه السرقات قامت المخابرات الأردنية بفتح تحقيق بالأمر وتم اعتقال عدد من الضباط المتهمين بالمشاركة في السرقات، بينهم ضابط برتبة مقدم. لاحقاً تم الافراج عنهم وتوقيفهم عن الخدمة، لكن المصادر تتحدث عن استمرار دفع رواتبهم من قبل المخابرات وتمكين الضباط من الاحتفاظ بالأموال التي جنوها نتيجة عمليات البيع هذه.  

وكان القرار الأردني باستضافة البرنامج التدريبي بقيادة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أحدث حلقة في شراكة طويلة الأمد بين الطرفين، حيث تملك البلدان تاريخاً طويلاً من التعاون شهد العديد من العمليات المشتركة وتبادلاً واسعاً للمعلومات والخبرات.

مارك مازيتي وعلي يونس

المصدر: نيويورك تايمز