تقارير تقارير خاصة

الدساتير المتعاقبة في سورية.. تحليل ومقارنة

1019080104

لتحميل هذا التقرير كملف PDF: الدساتير المتعاقبة في سورية.. تحليل ومقارنة

مقدمة

عرفت سورية منذ نهايات القرن التاسع عشر الدستور على يد العثمانيين، فاكتسبت النخب السورية ثقافة دستورية مكنتها من وضع دساتير متعددة للبلاد في وقت لاحق، على مدار السنوات الخمسين الأولى من القرن الماضي.

هذا الأمر كان مؤشراً مهماً على قدرة السوريين على صياغة دولة مدنية حديثة على الطراز الغربي، فيما لو سمح لهم بذلك، وهذا ما تحقق جزئياً بعد انهيار الدولة العثمانية، وخلال الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال بسنوات قليلة.

لذا سوف تعرض هذه الدراسة أبرز المحطات الدستورية في سورية، وما لها وما عليها، ومن ساهم فيها، وكيف وصلت البلاد إلى انغلاق دستوري تام بعد بلوغها مرحلة دستورية متقدمة.

تعريف الدستور

الدستور لغة: كلمة فارسية بالأصل دخلت اللغة التركية ثم شاعت في اللغة العربية وأصبحت لها عدة معانٍ تطورت مع الزمن.[1]

ومن المعاني التي وردت في المعجم الوسيط لمفردة “دستور” أنه: قانون أساسي لأمة من الأمم يتضمن طائفة القوانين القضائية والسياسية التي توجه العلاقات بين الرعية والراعي، وهو الدفتر الذي تجمع فيه أسماء الجند وقوانين الملك.

أما اصطلاحاً فـ”تعرف الدساتير على أنها العقد الاجتماعي الذي تمنحه الشعوب لنفسها، عملاً على تنظيم شؤونها العامة وتصميم نظم الحكم وتركيباته فيها، وهو ما يجعل من العملية الدستورية فرصة هامة للتعبير الصريح عن سيادة الشعب”.[2]

الدستور هو الوثيقة التي تشكل القانون الأعلى للبلاد، والمرجعية لكافة القوانين والسامية عليها، ومبادئ هذه الوثيقة تنظم أهداف الشعب وحياته وكل مخالفة لها تعتبر باطلة ولهذا تنص الدساتير في صلبها على تشكيل محكمة دستورية عليا لمراقبة تطبيق المواد التي أتت بها تلك الدساتير.

الدستور في المرحلة العثمانية

العثمانيون هم أول من أدخل الدستور إلى ولاية سورية، أي إلى بلاد الشام بالمعنى الجغرافي الحالي، وكان هذا عام 1876، وأطلقوا عليه حينها اسم “القانون الأساسي للدولة العثمانية”.

لكن في وقت سابق على هذا التاريخ، وتحديداً في شباط/فبراير 1856، أصدر السلطان العثماني عبد المجيد الأول الخط الهمايوني؛ وهو قانون يهدف إلى تنظيم بناء دور العبادة في جميع أراضي السلطنة، ومنذ ذلك الحين بدأت الإصلاحات في الدولة، ليأتي لاحقاً تعيين مدحت باشا والياً على سورية أو ” الولاية الجديدة” في عام 1865.

في 6\1\1879 رفع مدحت باشا، أو “أبو الدستور” كما بات يطلق عليه لاحقاً، تقريراً عن ضرورة إجراء إصلاحات في ولايته، نتيجة التغييرات السياسية والحروب، مع الانتباه لأوضاع المسلمين والمسيحيين والدروز والنصيرية والمتاولة والمجتمعات العشائرية.[3]

“خرج مدحت باشا من بين أفراد تلك الأمة ليصرخ في وجوه أولئك الحكام: إننا نحن مصدر السلطات، وما أنتم والسلطان في طليعتكم إلا ولاة لدى الأمة؛ توليكم متى شاءت وتعزلكم متى شاءت”.[4]

لكن ما طالب وقام به مدحت باشا لا يمكن إدراجه في سياق هدم هيكل الدولة، إنما بقي ملتزماً بالحفاظ عليها. وهذا ما أخطأ فيه المستشرقون الذين كتبوا عن إصلاحات مدحت باشا الدستورية حين رأوا فيها نقضاً لعرى السلطنة العثمانية.

ومن الشهادات الاستشراقية في شأن مدحت باشا ما أورده المستشرقون الروس مثل “يوسفوف” الذي قال: “هناك جو من الإبداع الحر شاع في ميدان الأدب على عهده في سورية ولبنان؛ ما أعطى فرصة ذهبية لمعارضي النظام العثماني للتعبير عن آرائهم وأفكارهم”.[5]

ومن أبرز الآراء فيه ما عبر عنه سفير إنكلترا في الأستانة هنري إليوت، بقوله: “مهما قيل في العراقيل التي لا بد أن تعترض المبادئ التي ينادي بها مدحت باشا، في أثناء تطبيقها على الظروف الحاضرة، فإن الرجل من حيث ميوله الدستورية وقوة شكيمته أعظم العظماء الذين أنجبتهم تركيا”.[6]

من أهم مواد هذا الدستور:[7]

المادة 11: 

دين الدولة العثمانية هو دين الإسلام. مع المحافظة على هذا الأساس، تكون حرية جميع الأديان المعروفة في الممالك العثمانية وكافة الامتيازات الممنوحة إلى الجماعات المختلفة، تحت حماية الدولة.

 المادة 111:

 يكون في كل قضاء، لكل ملة على حدتها، مجلس جماعـة للنظارة على صرف أموال الوصية للموصى لهم. وهذه المجالس تتركب من أفراد منتخبين من كل ملة على حدة، على مقتضى النظامات المخصوصة التي تترتب في هذا المطلب، وعلى هذه المجالس أن تعترف بأن مرجعها إنما هو حكوماتها المحلية ومجالس الولايات العمومية”.

 عطل السلطان عبد الحميد الثاني الدستور عام 1888، ثم في تموز/يوليو من العام 1908   أرجع السلطان للعمل الدستور أو “المشروطية” وفق ما سمي به، وهذه كلمة تشير إلى تقييد صلاحيات السلطان واشتراط منحها بمراعاة القيود المقررة في القانون الأساسي الذي عطله عبد الحميد.

لاقى أمر إعادة الدستور والحياة النيابية ارتياحاً في سورية، حيث بدأ أهلها انتخاب ممثليهم وفق الكفاءة والعلم والصلاح، وبالفعل تم انتخاب أربعة نواب عن حلب، ومثلهم عن دمشق ونائبان عن حماة، ونائب عن اللاذقية ونائب عن حوران ونائب عن دير الزور.[8]

 لما انتصر الانقلاب الدستوري في تركيا 1908 عبّر “محمد رشيد رضا” عن الفرحة التي عمت العالمين العربي والإسلامي، فكتب المقالات وألقى الخطب داعياً للحكم الدستوري الجديد، والرابطة العثمانية القائمة على الدستور.[9]

يمكن اعتبار هذا الدستور العثماني رافداً هاماً للثقافة الدستورية التي تمتعت بها النخب السورية بعد رحيل العثمانيين عن سورية، وظهر هذا في الدساتير المتعددة التي زخرت بها الحياة السياسية السورية في مرحلة لاحقة، ويؤكد هذا ما يقوله الباحث وجيه كوثراني: “إن الاستمرارية في الثقافة الدستورية والعمل السياسي الدستوري ظلت قائمة لدى النخب العربية التي ورثت عن العمل الدستوري العثماني عناصر تفكير وأنماط ممارسة في العمل السياسي”.[10]

دستور الملك فيصل 1920

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى دخل الأمير فيصل بن الحسين إلى سورية في تشرين الأول/أكتوبر 1918، وبعد انكشاف أمر معاهدة سايكس بيكو ودخول سورية ضمن الحصة الفرنسية حاول الأمير وضع الحلفاء أمام الأمر الواقع، بإنشاء دستور لدولة مستقلة هي سورية الكبرى (بلاد الشام).

في هذا السياق تم عقد مجلس تمثيلي يضم مجموعة من الزعماء والأعيان والمندوبين عن مناطق بلاد الشام، وسمي المجلس بـ “المؤتمر السوري” الذي عقد دورته الأولى في أيلول/سبتمبر 191.

ثم عاد المؤتمر للاجتماع في أواخر حزيران/يونيو 1919 في النادي العربي بدمشق، ليكون ممثلاً لجميع مناطق سورية أمام لجنة كينغ ـ كراين، التي أرسلها مؤتمر الصلح تنفيذاً لاقتراح من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وودرو ويلسون؛ من أجل الاطلاع على وجهة نظر السكان حول طبيعة الحكم فيها، لتقرير مصير المنطقة.

 اجتمع في هذا المؤتمر قرابة تسعين مندوباً، وانتخب محمد فوزي باشا العظم رئيساً له، وبعد أن توفي تولى هاشم الأتاسي رئاسة المؤتمر مكانه.[11]

اقترح الأمير فيصل بن الحسين على المجتمعين تشكيل لجنة لوضع دستور للدولة السورية المأمولة، وتم اختيار لجنة لصياغة الدستور السوري برئاسة هاشم الأتاسي، انبثقت عن المؤتمر وتألفت من عشرين عضواً، ووضعت مشروع دستور مؤلف من 147 مادة.[12]

قدمت لجنة الدستور مشروعه للمؤتمر، واستمع الحاضرون إلى خطاب الأمير فيصل الذي بويع ملكاً على سورية.

صدر الدستور رسمياً في 13 تموز/يوليو 1920 تحت اسم ” دستور المملكة السورية العربية” أو “دستور الملك فيصل”، وطبق لمدة خمسة عشر يوماً فقط، وفعلياً لم تطبق كثير من مواده المتعلقة بغرفتي المؤتمر السوري العام، والمحكمة الدستورية العليا، واللامركزية الإدارية؛ بسبب تلاحق الأحداث التي بلغت ذروتها مع إنذار غورو، واحتلال الفرنسيين دمشق في 25 تموز/يوليو، ثم نفي الملك فيصل في 28 من الشهر نفسه.

من مواد هذا الدستور:[13]

المادة الأولى: إن حكومة المملكة السورية العربية حكومة ملكية مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين الملك الإسلام.

المادة الرابعة: ينحصر ملك المملكة السورية في الأكبر فالأكبر من أبناء الملك فيصل الأول.

المادة الثانية عشرة: لا يجوز التعذيب وإيقاع الأذى على أحد بسبب ما.

المادة الثالثة عشرة: لا يجوز التعرض لحرية المعتقدات والديانات، ولا منع الحفلات الدينية من الطوائف، على ألا تخل بالأمن العام أو تمس بشعائر الأديان والمذاهب الأخرى.

المادة التاسعة عشرة: المطبوعات حرة ضمن دائرة القانون، ولا يجوز تفتيشها ومعاينتها قبل الطبع.

المادة الخامسة والعشرون: لا يجوز محاكمة أحد إلا في الحالات التي يعينها القانون.

من المواد التي تم إيرادها يلاحظ أن شكل الدولة اتحادي، ونظام الحكم ملكي نيابي، وهناك ضمان واضح للحريات المدنية والدينية والشخصية.

دساتير مرحلة الانتداب

دستور 1928

يقول الصحفي صاحب جريدة الإنشاء وجيه الحفار في كتابه “الدستور والحكم في سوريا”، جاء المسيو هنري بونسو ليكون المفوض السامي الفرنسي الجديد في سورية، فحاول إيجاد مخرج من سياسة العنف والشدة، فكان المخرج بتأليف حكومة مؤقتة برئاسة تاج الدين الحسيني، ودعوة البلاد في 10 آذار/مارس 1928 لانتخاب جمعية تأسيسية تسن الدستور.[14]

تشكل مجلس تأسيسي للجمعية، وانتخب هاشم الأتاسي رئيساً له، وانتخبت لجنة الدستور برئاسة إبراهيم هنانو، ومؤلفة من سبعة وعشرين عضواً.[15]

ألقت اللجنة مهمة إعداد الدستور على عاتق فوزي الغزي الذي كان مقرراً لها، فعمل على الاسترشاد بآخر الإنجازات في مجال التشريع والدساتير للعديد من البلدان، خاصة الدستور الفرنسي لعام 1875.[16]

عقدت الجمعية خمس عشرة جلسة، ونشرت اللجنة تقريرها عن وجوب وضع الدستور في جلستها الثانية عشرة، وطرح الموضوع للتصويت في الجلسة الرابعة عشرة، لكن الفرنسيين اعترضوا على المواد (73-74-75-110-112)؛ لأن هذه المواد تتحدث عن استقلال سورية وسيادتها.[17]

 قامت قائمة الجمعية التأسيسية أمام هذا التدخل الفاضح في سن دستور الدولة، وأعقب هذا اقتراح صوت عليه المجلس بالإجماع، باستثناء ستة أعضاء، بقبول مشروع الدستور بشكل كامل، وعدم حذف المواد التي اعترضت عليها فرنسا.[18]

 بعد يومين من هذا الحادث عقدت الجمعية جلستها الأخيرة، وتُلي فيها قرار المندوب السامي بتأجيل اجتماعاتها المكلفة بسن الدستور ثلاثة أشهر، وأعقب هذا التأجيل تأجيل آخر. وبهذا الشكل شلت حركة الجمعية وتعطلت أعمالها، وفشلت المساعي المبذولة لوضع قانون الدولة الأساسي بملء الحرية، ودون تدخل الفرنسيين الذين حلوا الجمعية التأسيسية.[19]

وفي مؤشر على القبول الجماهيري الواسع الذي حظي به مشروع الدستور فقد أطلق السوريون لقب ” أبو الدستور” على فوزي الغزي؛ نتيجة لدوره في إعداد هذا الدستور وصياغته ودفاعه عنه أمام سلطات الانتداب الفرنسي، وحين شيعته دمشق في 6 تموز/يوليو 1929 رُفعت اللافتات وقد كتب عليها وداعاً أبو الدستور، كذلك نعاه فارس الخوري فقال: يبكيك أحرار سورية وأنت أخ، ويبكيك دستور سورية وأنت أب.[20]

تميز دستور 1928 بحماية الملكية الخاصة، وحماية الصناعة الوطنية، وسورية جمهورية نيابية، وحماية الحقوق والحريات، والأمة مصدر كل سلطة، والسلطة التشريعية منوطة بمجلس النواب.[21]

وفي 22 أيار/مايو 1930 صدر عن المفوض هنري بونسو قرار يشرح فيه بأنه بناءً على أعمال جمعية دولة سورية التأسيسية التي التأمت في دمشق، من 9 حزيران/يونيو إلى 11 آب/أغسطس 1928، وبناء على الآراء التي تبودلت بعد ذلك مع مكتب هذه الجمعية، تم إقرار الدستور السوري لدولة سورية.

لم يوافق بونسو على الدستور إلا بعد أن أضاف المادة 116، ومن خلالها ألغى الفرنسيون كل مفاعيل المواد التي لم يوافقوا عليها في دستور 1928، وممَّا جاء في هذه المادة: “ما من حكم من أحكام الدستور يعارض ولا يجوز أن يعارض التعهدات التي قطعتها فرنسا على نفسها فيما يختص بسورية، لا سيما ما كان منها متعلقاً بجمعية الأمم”

أي إن الفرنسيين تمسكوا بكل صلاحياتهم العسكرية والسياسية في سورية وبالتالي كل ما أنشؤوه من مجالس وهيئات لم تكن إلا هياكل صورية.[22]

في عام 1932 جرت انتخابات نيابية إلا أن المجلس النيابي رفض أن يقسم يمين الإخلاص للدستور بسبب المادة 116، كما رفض مشروع المعاهدة المقترحة بين فرنسا وسورية، فقام المفوض السامي بحلّ المجلس وتعطيل الدستور في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1932.[23]

في عام 1936 تشكل وفد من الكتلة الوطنية برئاسة هاشم الأتاسي للسفر إلى باريس، وعقدت معاهدة بين سورية وفرنسا كان أول بنودها استقلال سورية استقلالاً تاماً، وألحق بالمعاهدة كتاب يقضي بضم حكومتي اللاذقية وجبل العرب إلى سورية.

تراجعت فرنسا عن المعاهدة وقام المفوض السامي بتعطيل الدستور في 8 تموز/يوليو 1939، وأعاد فصل اللاذقية وجبل الدروز عن سورية، لتبدأ في هذه الأجواء الحرب العالمية الثانية.[24]

بعد مباحثات بين ممثل فرنسا الحرة في سورية الجنرال كاترو والحكومة السورية تم الاتفاق، في 22 كانون الأول/يناير 1943، على أن تنقل إلى الحكومة السورية الصلاحيات التي تمارسها باسمها السلطات الفرنسية، ثم جرت انتخابات نيابية جديدة، وقرر المجلس النيابي إعادة العمل بالدستور بعد إلغاء المادة 116 المتضمنة صلاحيات سلطة الانتداب، كما قرر إدخال منطقة العلويين وجبل الدروز في الدولة السورية.[25]

من أهم مواد هذا الدستور:

1ـ يقيم الدستور دولة ذات نظام للحكم جمهوري نيابي، ويستلهم من الدستور الفرنسي لعام 1875.

2 ـ يكفل الدستور حقوق الطوائف الدينية المختلفة.

3ـ يتولى مجلس النواب المنتخب من الشعب بالاقتراع العام السري السلطة التشريعية، وينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري.

4ـ مدة ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد انقضاء خمس سنوات على رئاسته.[26]

بالنسبة للمادة الأخيرة فقد عدلها الرئيس شكري القوتلي لاحقاً، بعدما تمكن من إقناع البرلمان برغبته، ليصدر التعديل في 18 نيسان/أبريل 1948 وبمقتضاه أصبح من الجائز تجديد انتخاب الرئيس مرة واحدة دون الانتظار خمس سنوات، ليكون هذا التعديل فاتحة التعديلات الدستورية وفق الرغبات الرئاسية.

استمر العمل بهذا الدستور إلى 30 آذار/مارس 1949 حين حدث الانقلاب العسكري الأول بقيادة حسني الزعيم.

يمكن القول إن الفرنسيين خرجوا عسكرياً من سورية في 17 نيسان/أبريل 1946، لكنهم لم يخرجوا من دساتيرها التي واكبت عهدهم أو التي ستأتي بعده؛ نتيجة الاستلهام والاسترشاد بدستور فرنسا لعام 1875.

دساتير مرحلة الانقلابات

دستور 1950

وقع أول انقلاب عسكري في 30 آذار/مارس 1949 بقيادة حسني الزعيم، الذي قام بتعطيل الدستور، وإجراء استفتاء شعبي لتنصيب رئيس الجمهورية، وتخويله وضع دستور جديد.

قام الزعيم بتكليف لجنة مؤلفة من سبعة أعضاء وضعت مشروع دستور يأخذ بالنظام البرلماني، مع طغيان السلطة التنفيذية، ممثلة برئيس الجمهورية، على السلطة التشريعية، ويتكرر فيه تعبير “الأمة السورية” رغم ما نصت عليه المادة الأولى بأن سورية “جمهورية عربية”.[27]

في 14 آب/أغسطس 1949 حدث الانقلاب العسكري الثاني بقيادة سامي الحناوي، فجرى انتخاب جمعية تأسيسية في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1949، أصدرت أحكاماً دستورية مؤقتة، وانتخبت هاشم الأتاسي رئيساً للدولة في 14 كانون الأول/ديسمبر 1949 يتمتع بصلاحيات رئيس الجمهورية وفق دستور 1930، لحين وضع الدستور الجديد.

 في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، أي بعد خمسة أيام، وقع انقلاب أديب الشيشكلي الأول، واستمرت الجمعية التأسيسية في العمل بالدستور.

كُلّف خالد العظم برئاسة حكومة جديدة في عهد الشيشكلي، وقامت لجنة إعداد الدستور بالاطلاع على خمسة عشر دستوراً أوروبياً وآسيوياً للوصول إلى “أرقى المعايير الممكنة”، كما صرح بذلك رئيس اللجنة ناظم القدسي.[28]

انتهت اللجنة من عملها في 15 نيسان/أبريل، وبدأت الجمعية مناقشة المسوّدة في الدورة الصيفية في 22 تموز/يوليو. وكانت المسودة تتألف من 177 مادة، وخلال المناقشات طويت 11 مادة، وخرج الدستور بصيغته النهائية مؤلفاً من 166 مادة، ليتم إقراره في 5 أيلول/سبتمبر 950.[29]

من مواد هذا الدستور:[30]

المادة الأولى: سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية ذات سيادة تامة.

وهي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها والشعب السوري جزء من الأمة العربية.

المادة الثانية: السيادة للشعب، لايجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها.

تقوم السيادة على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب.

يمارس الشعب السيادة ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور.

المادة الثالثة: دين رئيس الجمهورية الإسلام.

الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.

حرية الاعتقاد مصونة. والدولة تحترم جميع الأديان السماوية. وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام.

الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.

المادة الرابعة عشرة: تكفل الدولة حرية الرأي ولكل سوري أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير.

لا يؤاخذ فرد على آرائه إلا إذا تجاوز الحدود المعينة في القانون.

المادة الخامسة عشرة: الصحافة والطباعة حرتان ضمن حدود القانون.

لا يجوز تعطيل الصحف ولا إلغاء امتيازها إلا وفقاً لأحكام القانون.

يجوز في حالة إعلان الأحكام العرفية أو الطوارئ أن يفرض القانون على الصحف والنشرات والمؤلفات والإذاعة رقابة محدودة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة وأغراض الدفاع الوطني.

ينظم القانون أسلوب المراقبة على موارد الصحف.

المادة الثامنة عشرة: للسوريين حق تأليف أحزاب سياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم ديمقراطية.

ينظم القانون طريقة إخبار السلطات الإدارية بتأليف الأحزاب ومراقبة مواردها.

المادة الحادية والعشرون: الملكية عامة وخاصة، للدولة والأشخاص الاعتبارية والأفراد تملك الأموال ضمن حدود القانون.

الملكية الخاصة مصونة، ويعين القانون كيفية حيازتها والتصرف بها بحيث تؤدي وظيفتها الاجتماعية.

المادة الثامنة والثلاثون: الناخبون والناخبات هم السوريون والسوريات الذين أتموا الثامنة عشرة من عمرهم.

المادة الحادية والسبعون: ينتخب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب بالتصويت السري.

ويجب أن يفوز بأكثرية ثلثي مجموع النواب.

فإن لم تحصل أعيد الانتخاب ويكتفى بالأكثرية المطلقة.

فإن لم تحصل أعيد ثالثة ويكتفي بالأكثرية النسبية.

المادة الثانية والسبعون: يشترط فيمن ينتخب لرئاسة الجمهورية أن يكون:

سورياً منذ عشر سنوات.

حائزاً لشروط الترشيح للنيابة.

متماً الأربعين من عمره.

مدة رئاسة الجمهورية خمس سنوات كاملة تبدأ منذ انتخاب الرئيس. ولا يجوز تجديدها إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة على انتهاء رئاسته.

المادة السادسة والثمانون: رئيس الجمهورية مسؤول في حالتي خرق الدستور والخيانة العظمى.

وهو مسؤول أيضاً عن الجرائم العادية.

لا يحاكم رئيس الجمهورية إلا أمام المحكمة العليا.

لا يجوز البحث في إحالة رئيس الجمهورية إلى المحكمة العليا إلا إذا تقدم ربع أعضاء مجلس النواب بطلب خطي معلل إلى رئاسة المجلس.

 يحال الطلب قبل البحث فيه إلى اللجنتين الدستورية والقضائية مجتمعتين، وتقدم اللجنتان تقريرهما خلال ثلاثة أيام منذ إحالة الطلب إليهما.

تعين جلسة خاصة لمناقشة طلب الإحالة ولا يجوز أن يبحث فيها أمر آخر.

لا تجوز إحالة رئيس الجمهورية إلى المحكمة العليا في جميع الحالات إلا بموافقة أكثرية مجموع النواب المطلقة.

عند إحالة رئيس الجمهورية إلى المحكمة العليا تعتبر سدة الرئاسة خالية حتى تصدر هذه المحكمة قرارها.

المادة الرابعة بعد المائة: القضاء سلطة مستقلة.

المادة الخامسة بعد المائة: قضاة الحكم مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.

شرف القضاة وضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الناس وحرياتهم.

المادة الثامنة بعد المائة: يمارس القضاء في الدولة:

المحكمة العليا.

محكمة التمييز.

المحاكم الأخرى”.

نقاشات دستور 1950

وجهت اللجنة الدستورية نداء إلى الشعب تحضّه على إبداء رأيه في مسألة إعلان الإسلام ديناً للدولة؛ ما اضطر جماعة الإخوان المسلمين إلى أن تخوض نقاشاً قاسياً، بمشاركة مصطفى السباعي العضو الوحيد عن الإخوان المسلمين في اللجنة الدستورية.[31]

كان اختباراً صعباً للإخوان حيث حاولوا الإجابة عن التساؤلات التي أثارتها المناقشات، فأكدوا أمام الخوف من إثارة النعرات الطائفية ضرورة أن يتضمن الدستور تحديد حقوق وواجبات متساوية بين المواطنين، كما نفى الإخوان أن يكون إعلان الإسلام ديناً للدولة سبباً في ازدياد نفوذ الشرع الإسلامي. وقال مصطفى السباعي إن سورية دولة برلمانية، وحق التشريع يعود فقط للبرلمان.

وأجاب السباعي على من يظن أن إعلان دين الدولة الإسلام سيفضي إلى تطبيق الحدود كقطع يد السارق بأن الجماعة لا تفكر أبداً بإدخال عقوبات الحدود، فضلاً عن أن تطبيقها مشروط بنشوء مجتمع مثالي، ثم إن الإسلام أحاط عقوبات الحدود بشروط شبه مستحيلة.[32]

وفي سياق هذا النقاش رد السباعي على إلياس دمر، الذي هاجم عبارة دين الدولة الإسلام، فقال: “أما الزعم بأن النص على دين الدولة تفرقة بين أبناء الشعب وإثارة للنعرة الطائفية، فهو زعم باطل؛ لأننا لا نريد بهذا النص تمييز المسلمين عن غيرهم، ولا افتئاتاً على حقوق المواطنين المسيحيين. وحسبكم أن ترجعوا إلى نص المادة كما جاءت في المشروع، لتعلموا أنها كتبت بروح نبيلة تشعر بالإخاء بين المواطنين، وليس القصد منها إلا تحقيق أهداف سياسية وقومية واجتماعية هي في مصلحة هذا الشعب مسلمه ومسيحيه على السواء، ولو كان النص على دين الدولة يؤدي إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد لما جاز لكثير من دول أوروبا وأمريكا أن تنص عليها في دساتيرها”.[33]

هذه الرغبة الإخوانية لم ترق لباقي الكتل البرلمانية، ككتلة حزب الشعب والحزب الوطني وغيرهما، فخرجت المادة الثالثة كما خرجت عليه. لكن بالرغم من النص الوارد في المادة الثانية حول أن السيادة على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب، فقد وضح الدستور في مواده اللاحقة، على اعتبار أن المواد يفسر بعضها بعضاً، أن هذه السيادة مقيّدة ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور لتؤكد المقدمة التمسك بالإسلام ومُثُله العليا، ومحاربة الإلحاد، وتؤكد المادة الثالثة أن دين رئيس الدولة الإسلام، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.

أي إن المقدمة والمادة الثالثة تعتبران مقيدتين للسيادة التي جاءت في المادة الثانية، فلا يمكن حينها تفسير السيادة بأنها مطلقة، أو أنها قد تتعارض مع سيادة الشريعة.

 دستور 1950 أو “دستور الاستقلال” كما كان يطلق عليه، حسم مسألة استقلال القضاء وعزّز من سلطته، ونص على استقلاله باستحداث المحكمة الدستورية العليا التي يختارها مجلس النواب 7 أعضاء من أصل 14 يرشحهم رئيس الجمهورية وأعضاء المحكمة العليا يقسمون اليمين أمام مجلس النواب، ورئيس المحكمة العليا يرأس مجلس القضاء الأعلى.[34]

رسخ الدستور بنية النظام الجمهوري البرلماني المختلط؛ فهو من جهة قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية وسحب حق نقض القوانين والمراسيم منه، غير أنه من جهة أخرى حافظ على اختصاصه بالتصديق على المعاهدات الدولية ومنح العفو الخاص ودعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد برئاسته، ثم زاد على صلاحيات البرلمان بمنعه من التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة ولو موقتاً.[35]

كذلك جاء الدستور في ظل تنامي روح القومية العربية، وبدا هذا واضحاً في صياغة مواده الأولى.

كما حصلت المرأة السورية على حق الانتخاب قبل كثير من الدول الأوربية، ما يوحي بحيوية المجتمع آنذاك ورغبته بالتجديد.[36]

غابت عن نص اليمين الذي يجب أن يقرأه النائب في المجلس عبارة ” أن أكون مخلصاً للنظام الجمهوري”، ويرجع هذا الغياب كما ترى الأستاذة فداء الحوراني لرغبة حزب الشعب التي تبناها بعدما أشارت عليه بها حاضنته، وهي طبقة التجار والصناعيين في حلب، وهذه الطبقة حينها كان العراق الملكي المدعوم بريطانيّاً متنفساً لمصالحها، فعملت على التقرب منه بحذف الإشارة إلى النظام الجمهوري، بل وأضافت تلك الطبقة عبر حزب الشعب عبارة “وأن أعمل لتطبيق وحدة الأقطار العربية”.[37]

لكن هذا الدستور وبرغم ما يبدو عليه من حالة شبه مثالية، ترافقها دعوات في زماننا هذا للعودة إليه، إلا أن عليه انتقادات ومثالب قد يراها البعض تصل لحد المعضلات، وهذا يعود لظروف ولادته فهو أقر من جمعية تأسيسية برئاسة السياسي السوري الليبرالي رشدي الكيخيا، بعد أقل من سنة من الانقلاب الثالث، وفي ظِل الرئاسة المزدوجة لقائد الانقلاب الثالث الرئيس الفعلي أديب الشيشكلي، والرئيس “الصوري” هاشم الأتاسي.

وقتها كان الانقسام السياسي شديداً في سورية بعيد نكبة 1948، التي قوّت من سُلطة العسكر وحولتهم إلى شركاء في حكم البلد.

أبرز المثالب كما يرى قائلوها:

 1 – المادة الأولى تنص على عربية سورية، وهذا يؤسس لحالة قومية عربية.

 2 – المادة الثالثة تنص على أن دين رئيس الدولة وهو الإسلام، وهذا مخل بمبدأ المواطنة. كما أن المادة الرابعة التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، والمادة الثانية والعشرين التي تنص على أن التعليم يجب أن يهدف إلى إنشاء جيل قوي بجسمه وتفكيره، مؤمن بالله، متحل بالأخلاق الفاضلة، معتز بالتراث العربي، كل هذه المواد السابقة يتضح منها مركزية ثقافية ولغوية كانت مصدراً أول لاندلاع مشكلة الجماعات السورية غير العربية، وتحديداً الكردية.

3 – دستور الخمسينات كان شديد الليبرالية في حيزه الاقتصادي؛ وبذا يكون موالياً وأداة للطبقة الغنية؛ ما يؤدي إلى سيطرة رؤية اقتصادية بالغة الليبرالية على الحياة السورية، ومن ثم تراكم ملايين الفقراء من السوريين.[38]

دستور الشيشكلي 1952

في 2 كانون الأول/ديسمبر 1951 تولى أديب الشيشكلي مهام رئاسة الدولة بعد القيام بانقلابه العسكري الثاني، ثم وضع الشيشكلي مشروع دستور باسم المجلس العسكري الأعلى، وجرى في 10 تموز/يوليو 1952 استفتاء عام تمّ بنتيجته تنصيب الشيشكلي رئيساً للجمهورية، والموافقة على الدستور الذي يقيم نظاماً رئاسياً، وتمّ انتخاب مجلس نواب على أساسه.

دستور الشيشكلي تميّز بأنه شبيه بالنظام الذي يجري العمل عليه في الولايات المتحدة؛ حيث نصّ على إلغاء منصب رئيس الوزراء، إضافةً إلى اعتبار الوزراء مسؤولين أمام رئيس الجمهورية.[39]

وينتخب الرئيس من الشعب بموجب هذا الدستور، ويعتبر رئيساً للوزراء ويعين الوزراء بدلاً من البرلمان، مع سحب صلاحيتي انتخاب الرئيس ومنح الثقة للحكومة من البرلمان.[40]

في 25 شباط/فبراير 1954 خُلع الشيشكلي وغادر البلاد، وتسلم هاشم الأتاسي رئاسة الدولة واستؤنف العمل بدستور 1950، لتعيش سورية تجربة برلمانية حرة استمرت 4 سنوات حتى الوحدة مع مصر.

دستور الوحدة مع مصر 1958

في 5\3\1958 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة، والمؤلف من 73 مادة، ما اعتبر نهاية النظام البرلماني في سورية، وإقامة نظام رئاسي يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات كبيرة؛ فهو الذي يعين السلطة التشريعية المتمثلة بـمجلس الأمة، وله حق حلّه. وهو الذي يعين نواب الرئيس والوزراء ويعفيهم من مناصبهم، ويضع السياسة العامة، كما يقضي الدستور على تعدد الأحزاب، وينص على أن المواطنين يكونون “اتحاداً قومياً”.[41]

دستور الانفصال 1961

في 28\9\1961 وقع انقلاب عسكري في سورية بقيادة عبد الكريم النحلاوي أدى إلى الانفصال، وتم تكليف حكومة مدنية قامت بوضع دستور مؤقت وافق عليه الشعب السوري بالاستفتاء الذي جرى في 1 و2 كانون الأول/ديسمبر 1961، ثم تم انتخاب المجلس التأسيسي والنيابي، ومهمته الأولى وضع دستور دائم.

  بعد ذلك انتخب ناظم القدسي رئيساً للجمهورية، فأقر إعادة تطبيق دستور 1950 مع بعض التعديلات؛ وأهمها: تخويل رئيس الجمهورية بحق حل المجلس النيابي، ومنح السلطة التنفيذية، ممثلة بمجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية، صلاحيات إصدار مراسيم تشريعية.[42]

الدساتير في مرحلة البعث

الدستور الأول 1964

في 8\3\1963 وقع انقلاب عسكري بقيادة ضباط حزب البعث “اللجنة العسكرية”، فأصبحت السلطة بيد “المجلس الوطني لقيادة الثورة” الذي أعلن حالة الطوارئ والأحكام العرفية.

مع هذا الانقلاب بدأت مرحلة جديدة للحكم في سورية، تختلف عن المراحل السابقة، وبدا أثرها واضحاً في الدساتير اللاحقة التي انعطفت انعطافاً حاداً عن مفهوم القانون العام الغربي الليبرالي، باتجاه القوانين العامة للنظم الاشتراكية.

في 25\4\1964 وضع دستور مؤقت أعد على عجل بعد الاضطرابات والمظاهرات التي شهدتها المدن السورية بعد أحداث حماة في نيسان/أبريل 1964.[43]

من أهم مواد هذا الدستور:

مبدأ قيادة الحزب الواحد، وتثبيت مبدأ القيادة الجماعية في الحكم بتقسيمه إلى سلطتين:

1 السلطة الإدارية: يتولاها مجلس الوزراء، وصفته إدارية بحتة، ولا يملك أي مبادرة حقيقية.

 2 السلطة السياسية: ويتولاها مجلسان:

    أ – المجلس الوطني للثورة: وهو يتولى السلطة التشريعية، ويراقب أعمال السلطة التنفيذية.

    ب-  مجلس الرئاسة: الذي ينتخب أعضاؤه ورئيسه من بين أعضاء المجلس الوطني، وهو مسؤول أمامه عن جميع أوجه نشاطه، وهو يمارس السلطة التنفيذية مع مجلس الوزراء، ويضع السياسة الداخلية والخارجية، ويعين الوزراء ويقيلهم، ويوجههم ويشرف على عملهم، وله حق تعديل قراراتهم وإلغائها.

الدستور الثاني 1966

في 23\2\1966 وقع انقلاب أطاح بالحكومة التي عينتها القيادة القومية، وصعد حافظ الأسد ليصبح وزيراً للدفاع.

بعد هذا تم إيقاف العمل بالدستور السابق بقرار القيادة القطرية رقم 1، أما قرار القيادة القطرية رقم 2، وهو بمثابة الدستور، فقد أعاد إقرار مبادئ القيادة القطرية في آذار/مارس 1965، حيث تم توزيع السلطة بين:

  1 – السلطة السياسية: وتمثلها القيادة القطرية نفسها. وهي التي تعين رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء، ولها قبول استقالتهم وإقالتهم.

  2 – السـلطة الإدارية: ويمثلها رئيس الدولة ومجلس الوزراء. وهي تساهم في التشريع؛ حيث تصدر المراسيم التشريعية بتوقيع رئيس الدولة، بعد إقرارها في مجلس الوزراء.

 أما رئيس الدولة فهو الأمين العام للقيادة القطرية، وهو صلة الوصل بين السلطتين السياسية والإدارية.

الدستور الثالث 1969

في أواخر آذار/مارس 1969 عقد المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي، وقرر إصدار دستور مؤقت لحين إصدار دستور دائم من قبل مجلس شعب منتخب على مستوى القطر يمارس دور التشريع. وقد صدر الدستور المؤقت في 1\5\1969.

الدستور الرابع 1971

في 16\11\1970 أذيع بيان استلام حافظ الأسد للسلطة الذي عين بدوره قيادة قطرية مؤقتة لحزب البعـث، أصدرت لاحـقـاً الدستور المؤقت لعام 1971، وهو نفس دستور 1969 بعد إدخال تعديلات عليه بالمرسوم 141 تاريخ 19\2\1971، كما قامت القيادة بتعيين 173 عضواً لمجلس شعب كلف بوضع الدستور الدائم.[44]

دستور 1973

دستور الجمهورية العربية السورية الصادر في 13 آذار/مارس 1973.

من أهم مواد هذا الدستور:

ممَّا ورد في مقدمة الدستور:

“استطاعت الأمة العربية أن تنهض بدور عظيم في بناء الحضارة الإنسانية حين كانت أمة موحدة، وعندما ضعفت أواصر تلاحمها القومي تراجع دورها الحضاري، وتمكنت موجات الغزو الاستعماري من تمزيق وحدتها واحتلال أرضها ونهب خيراتها.

وفي أواخر النصف الأول من هذا القرن كان كفاح الشعب العربي يتسع ويتعاظم في مختلف الأقطار ليحقق التحرر من الاستعمار المباشر.

وفي القطر العربي السوري واصلت جماهير شعبنا نضالها بعد الاستقلال، واستطاعت عبر مسيرة متصاعدة أن تحقق انتصارها الكبير بتفجير ثورة الثامن من آذار عام 1963 بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي.

لقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي أول حركة في الوطن العربي أعطت الوحدة العربية محتواها الثوري الصحيح، وربطت بين النضال القومي والنضال الاشتراكي، ومثلت إرادة الأمة العربية وتطلعاتها نحو مستقبل يربطها بماضيها المجيد، ويؤهلها للقيام بدورها في انتصار قضية الحرية لكل الشعوب”.[45]

سنعرض الآن بعض المواد كاملة أو بعض الفقرات من تلك المواد للتعليق عليها لاحقاً.

المادة الأولى: الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية ذات سيادة لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها، وهي عضو في دولة اتحاد الجمهوريات العربية.

القطر العربي السوري جزء من الوطن العربي.

الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية يعمل ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة.

المادة الثانية: السيادة للشعب ويمارسها على الوجه المبين في الدستور.

المادة الثالثة: دين رئيس الجمهورية الإسلام.

المادة السابعة: يكون القسـم الدستوري على الشكل التالي:

أقسـم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري الديمقراطي الشعبي، وأن أحترم الدستور والقوانين، وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن، وأن أعمل وأناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية.

المادة الثامنة: حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية.

المادة الحادية عشرة: القوات المسلحة ومنظمات الدفاع الأخرى مسؤولة عن سلامة أرض الوطن وحماية أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية.

المادة الثالثة عشرة: الاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال.

المادة الحادية والعشرون: يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي علمي التفكير، مرتبط بتاريخه وأرضه، معتز بتراثه مشبع بروح النضال من أجل تحقيق أهداف أمته في الوحدة والحرية والاشتراكية والإسهام في خدمة الإنسانية وتقدمها.

المادة السادسة والعشرون: لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك.

المادة السابعة والعشرون: يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقاً للقانون.

المادة الثامنة والثلاثون: لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى، وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي، ويدعم النظام الاشتراكي، وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون.

المادة الثالثة والخمسون: يحدد القانون الدوائر الانتخابية وعدد أعضاء مجلس الشعب، على أن يكون نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين، ويبين القانون تعريف العامل والفلاح.

المادة الثالثة والثمانون: يشترط فيمن يرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون عربياً سورياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية متماً الأربعين عاماً من عمره.

المادة الرابعة والثمانون: يصدر الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية عن مجلس الشعب، بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه.

المادة الخامسة والثمانون: ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية تبدأ من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس القائم.

المادة الحادية والتسعون: لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولاً عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون طلب اتهامه بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، وقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية، ولا تجري محاكمته إلا أمام المحكمة الدستورية العليا.

المادة الثالثة والتسعون: يسهر رئيس الجمهورية على احترام الدستور، وهو يضمن السير المنتظم للسلطات العامة وبقاء الدولة.

المادة المائة: يعلن رئيس الجمهورية الحرب والتعبئة العامة ويعقد الصلح بعد موافقة مجلس الشعب.

المادة مائة وواحد: يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ ويلغيها على الوجه المبين في القانون.

المادة مائة وثلاثة: رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويصدر جميع القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة، وله حق التفويض ببعض هذه السلطات.

المادة مائة وسبعة: لرئيس الجمهورية أن يحل مجلس الشعب بقرار معلل يصدر عنه، وتجري الانتخابات خلال تسعين يوماً من تاريخ الحل.

المادة مائة وعشرة: لرئيس الجمهورية أن يعد مشاريع القوانين ويحيلها إلى مجلس الشعب للنظر في إقرارها.

المادة المائة والتاسعة والثلاثون: تؤلف المحكمة الدستورية العليا من خمسة أعضاء يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بنفسه.

المادة المائة والثالثة والخمسون: تبقى التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما يوافق أحكامه”.[46]

هذا الدستور لم يوضع من قبل جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب لهذه المهمة، وإنما وضع من قبل حكومة استولت على الحكم بانقلاب عسكري، وقامت هذه الحكومة الانقلابية بتعيين مجلس أطلقت عليه اسم مجلس الشعب، وكلفته بالمصادقة على هذا الدستور.

عقيدة البعث واضحة جداً في هذا الدستور بدءاً من مقدمته حيث تتكرر كلمتي “عربي – عربية” 31 مرة، وهي مأخوذة من المنطلقات النظرية لحزب البعث.[47]

المادة الأولى ترسخ الطابع الإيديولوجي للبعث، فعلى كل مواطن سوري أن يناضل لتحقيق الوحدة الشاملة للأمة العربية، وإلا فإنه يخرق الدستور. كما أن هذه المادة تصبغ سورية بصباغ اشتراكي يتكرر في مواد أخرى، ومسألة ربط القومية بالاشتراكية أتت واضحة في مواد (21،23)، بالإضافة إلى ذلك فهذه المادة تتبنى التجربة الاشتراكية في الحكم، وهذا يظهر في مواد أخرى.

ظهرت إشكالية فيما يتعلق بالمادة الثالثة؛ حيث استبعدت مسودة الدستور التي أرسلت للبرلمان أية إشارة إلى الدين الإسلامي، حتى إنه لم يشترط أن يكون رئيس الدولة مسلماً بالأساس، فثارت ثائرة رجال الدين في حماة ودمشق وحلب وبقية المحافظات، فاتفقوا على إصدار بيان رافض للدستور وتوزيعه بشكل سري على الناس، ثم صارت لهجة نقد الدستور أعلى وصار الحديث عنه في المنابر، واشتعلت المظاهرات مجدداً في حماة، وفي دمشق انتقد الشيخ حسن حبنّكة الدستور علناً، فأذعن حافظ الأسد وحاول تهدئة الناس بإقرار إسلام رئيس الدولة واعتبار الإسلام مصدراً لتشريع قانون الأحوال الشخصية، لكنه لم يقبل بأكثر من ذلك، واستطاع تمرير المادة الثامنة تحت عباءة الثالثة.[48]

برزت مشكلة أخرى للأسد على اعتباره علوياً، وعلى اعتبار السنة والشيعة يعتبرون العلويين خارجين عن الإسلام، فلجأ إلى صديقه الزعيم الشيعي موسى الصدر فأصدر له في تموز/يوليو 1973 فتوى تقول إن العلويين مسلمون، وإنهم طائفة من الشيعة.[49]

المادة السابعة تتضمن القسم الدستوري الذي تلتزم به أهم الشخصيات السياسية من الرئيس حتى أعضاء مجلس الشعب، فهم وفق نص القسم ملزمون بالعمل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية؛ أي إنه لا مكان لغير البعثيين في مفاصل الدولة العليا.

المادة الثامنة هي إلغاء مباشر للتعددية السياسية في المجتمع، برغم وجود أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي لم تكن لتصل للجبهة لو لم تحقق شروط البعث في الدستور، لتلعب هذه الأحزاب دور الإخوة الصغار وغير المشاكسين.

هذه المادة كذلك ترسخ شرعية حزب البعث الثورية لأنه هو من قام بـ”ثورة الثامن من آذار”، ومن ثم له الحق في قيادة المجتمع، ولأمينه العام كل الحق في قيادة الدولة.

المادة الثامنة تقسم السوريين إلى أربع جماعات:

1 جماعة البعث ومنها فقط يأتي الرئيس وقادة الدولة والمجتمع.

2 جماعة الجبهة الوطنية التقدمية ومنها يتم اختيار المسؤولين الصغار في الدولة والمجتمع.

3 جماعة المعارضة وهؤلاء الذين لا يعملون لخدمة أهداف الأمة العربية، ما يعني وقوعهم تحت سيف الجيش والأجهزة والأمنية.

4 جماعة العوام وهؤلاء يسعى البعثيون لتطويرهم؛ فمنهم من يفشل ومنهم من ينجح في خدمة أهداف الأمة.

المادة الثامنة التي ترسخ سيادة الحزب تعتدي على المادة الثانية التي تنص على سيادة الشعب، كما تتيح للحزب أن يجعل الدولة والمجتمع في خدمته وليس العكس؛ ما أسس لإشكالية الولاء هل هو للدولة أم للبعث؟ كما أنه أسس من جهة أخرى لمصطلح “دولة البعث” ولاحقاً “سورية الأسد”.

المادة الحادية عشرة أسست لمفهوم الجيش العقائدي والأجهزة الأمنية العقائدية، فهذه المؤسسات وفق نص المادة مسؤولة عن حماية أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية، كما أن عبارة “حماية أهداف الثورة” ليست إلا مبرراً دستورياً يسمح للجيش والأجهزة الأمنية بالقضاء على أي تحرك سياسي يشكل خطراً على النظام تحت ذريعة حماية أهداف الثورة.

المادة الحادية والعشرون تظهر فيها الإرادة لقومنة المجتمع على المدى الطويل، فهي تطمح لتأسيس جيل عربي قومي اشتراكي.

المواد 26 و27 تكفل المحافظة على حرية المواطن السياسية لكنها تقيدها بالقانون فيما يبدو أنه تقييد والتفاف على نص المادة.

كذلك فإن المادة 38 تتيح للمواطن ما تسميه النقد البناء بما يدعم النظام الاشتراكي، وهذا تناقض واضح وتأطير للنقد بما يكفل انعدام المعارضة للإجراءات الاشتراكية للنظام.  كما أن هذه المادة تكفل حرية الصحافة والطباعة والنشر، لكنها تعود لتقيدها بالقانون وهذا أيضاً تقييد والتفاف على نص المادة.

المادة الرابعة والثمانون تشرح كيفية وصول الرئيس للحكم، وهي ثلاث مراحل:

1 اقتراح القيادة القطرية.

2 ترشيح مجلس الشعب.

3 استفتاء شعبي.

   المرحلة الأولى هي الحاسمة لأن مجلس الشعب لا يملك ترشيح إلا من تقترحه القيادة القطرية، وبخصوص الاستفتاء الشعبي على المرشح الوحيد فهو تحصيل حاصل؛ لكونه لا يوجد إلا مرشح واحد.

وهذه الطريقة في الاختيار هي نفس ما تضمنته دساتير البعث السابقة، على عكس دستورَي “1950- 1930” حيث كان ينتخب الرئيس من مجلس النواب.

المادة الخامسة والثمانون يُنتخب رئيس الجمهورية وفقها لمدة سبعة أعوام ميلادية، تبدأ من تاريخ انتهاء مدة ولاية الرئيس القائم.

 في دستور 1930 كانت مدة ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد انقضاء خمس سنوات على رئاسته، وقد تم تعديل هذا التقييد عام 1948 على عهد شكري القوتلي، فأصبح يجوز تجديد انتخاب الرئيس مرة واحدة، أما بمقتضى هذه المادة فيمكن تجديد الولاية مدى الحياة أو للأبد.

المادة الحادية والتسعون تتيح محاكمة رئيس الجمهورية فقط بتهمة الخيانة العظمى. وبغض النظر عن اشتراط تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشعب على هذا، إلا أن الطريف في هذه المادة أنها تنص على محاكمة الرئيس حصراً أمام المحكمة الدستورية العليا التي يعين هو أعضاءها.

في دستور 1950 كان الرئيس يحاكَم بتهمتي الخيانة العظمى وخرق الدستور، وكانت المحكمة العليا تتألف من سبعة أعضاء ينتخبهم مجلس النواب لمدة خمس سنوات، ثم ينتخب هؤلاء السبعة رئيس المحكمة العليا.

المادة الثالثة والتسعون تعطي الرئيس حق ممارسة السلطة التنفيذية، غير أن العبارة الأبرز في هذه المادة هي أن الرئيس يضمن “بقاء الدولة”، وهذا إن لم يكن دسترة الفرعنة للرئيس فماذا يكون؟

 المواد (100،101،103) تنصب الرئيس قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، وتعطيه الحق في إعلان الحرب والتعبئة العامة والصلح، وإعلان حالة الطوارئ وإلغائها، وهناك مزيد من الصلاحيات التنفيذية تمنح للرئيس بموجب المواد (98،99،104،105،106،112).

وقراءة هذا القدر من الصلاحيات الممنوحة للرئيس تدفع إلى التساؤل عن الصلاحيات التي منحت للمؤسسات المركزية في الدولة، كما تدفع إلى المقارنة مع مقولة لويس الرابع عشر الشهيرة “أنا الدولة والدولة أنا”.

المادة مئة وسبعة يتمتع الرئيس من خلالها بصلاحيات تشريعية واسعة جداً، تظهر كذلك في المادة مئة وعشرة وغيرها؛ فهو يملك القدرة على حل مجلس الشعب، ويعد مشاريع القوانين ويحيلها إلى مجلس الشعب، ويعترض على القوانين التي يقرها مجلس الشعب.

فيظهر بالمحصلة هيمنة مطلقة من السلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس على السلطة التشريعية.

المادة 153 فتحت المجال لتطبيق كل القوانين والتشريعات السابقة للدستور، والهادفة بشكل أساسي للحفاظ على أمن السلطة، وتتيح للسلطات التنفيذية، وخاصة الأمنية منها، الإمساك والتحكم بمقاليد الأمور كافة.

إذن فالحرية الشخصية وحرية الفكر والرأي والعقيدة والحرية السياسية وغيرها التي نصّت عليها المواد (من 25 إلى 39) ألغتها المادة 153 من الدستور نفسه.

ومن القوانين التي رسختها المادة 153:[50]

  • قانون الإحصاء الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /93/ تاريخ 23\8\1962، والقاضي بإجراء إحصاء سكاني في محافظة الحسكة فقط لمعرفة السوريين من غير السوريين، وقد نتج عنه تجريد آلاف الأكراد من حق الجنسية السورية.
  • إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية بالأمر العسكري رقم /2/ تاريخ 8\3\
  • مشروع الحزام العربي الذي رفع إلى الجهات العليا في دمشق في 12\11\1963.
  • قانون الطوارئ الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم / 51 / تاريخ 22\12\1963.
  • قانون حماية الثورة الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم /6/ تاريخ 7\1\1965.
  • قانون إحداث محكمة أمن الدولة بموجب المرسوم التشريعي رقم /47/ تاريخ 28\3\1968.
  • قانون إحداث المحاكم العسكرية بموجب المرسوم التشريعي رقم /109/ تاريخ 17\8\1968.

لم يأتِ في مواد الدستور أجمعها أي إشارة إلى وجود القومية الكردية في سورية، أو أي قومية أخرى، فالمواطنون في سورية هم فقط العاملون من أجل تحقيق الوحدة العربية.

بالنظر إلى السنوات اللاحقة التي تلت إعلان الدستور يمكن القول إنه فُصِّل على مقاس حزب البعث، ولاحقاً على مقاس حافظ الأسد برغم الديباجات القانونية في بعض مواده.

لذا فإن هذا الدستور مشوب بالبطلان لأسباب تتعلق بالشكل وأسباب تتعلق بالموضوع.

 أصدر حافظ الأسد من خلال مجلس الشعب القانون 49 لعام 1980 المتعلق بالإخوان المسلمين في 8\7\1980[51]وكان سبق هذا إصدار النظام قانون أمن حزب البعث العربي الاشتراكي رقم /53/، تاريخ 1979/4/8، ما أدى نتيجة هذين القانونين إلى توسع اختصاص محكمة أمن الدولة.

في عام 1980 دعا حافظ الأسد في خطاباته إلى ما أسماه “العنف الثوري المسلح”، في مواجهة ما أسماه “العنف الرجعي المسلح” لجماعة الإخوان المسلمين. فأصدرت من جراء هذه الدعوات نقابة المحامين مطالبة بإعادة حكم القانون، وأبدت هي ونقابتا الأطباء والمهندسين رفضها لمطالب التسلح، فقام الأسد بحل النقابات ووضع مكاتبها تحت الوصاية، ثم أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً يعطيه الحق بتسمية قيادات المنظمات المهنية، ليصبح العمل النقابي في جيب النظام تماماً.[52]

دخلت سورية في السنوات اللاحقة مرحلة ركود دستوري، باستثناء ثلاثة تعديلات؛ أحدها القانون رقم 2 تاريخ 29/3/1980 القاضي بتعديل المادة السادسة من الدستور، لتصبح على الشكل التالي: “المادة السادسة: يبين القانون علم الدولة وشعارها ونشيدها والأحكام الخاصة بكل منها”.[53]

وهذا الأمر أتى من أجل التخلي عن علم اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، وقد ترك الأمر حينها لرئيس الجمهورية لاختيار العلم البديل.

 في 11\6\2000 أصدر نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام القانون رقم 9 والذي تضمن:

المادة الأولى:

تعدل المادة 83 من دستور الجمهورية العربية السورية وتصبح كما يلي:

“يشترط فيمن يرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون عربياً سورياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية متماً الرابعة والثلاثين عاماً من عمره””.[54]

ولا حاجة للقول إن هذه المادة عدلت على مقاس الشاب بشار حافظ الأسد ذي الأربعة والثلاثين ربيعاً كي يتمكن من الجلوس دستورياً على كرسي رئاسة الجمهورية العربية السورية، بعدما وافت المنية والده حافظ الأسد.

مرحلة بشار الأسد

مرت الأعوام العشرة الأولى من حكم بشار الأسد دون أي حركة دستورية تذكر، باستثناء المطالبات التي رافقت انطلاق ربيع دمشق، وكانت تتركز حول تعديل المادة الثامنة وإلغاء قانون الطوارئ، لكن لم تثمر عن شيء. وبمناسبة انقضاء تلك العشرة أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً بعنوان “العقد الضائع” ذكرت فيه “أن الأجهزة الأمنية في سورية تقوم باحتجاز المواطنين بدون أوامر ضبط أو أوامر قضائية وتعذبهم، والرقابة في سورية مشددة على المواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت مثل فيسبوك ويوتيوب والمدونات”.[55]

 أي إن البلاد بلا دستور عملياً في استمرار لواقع الحال الذي كان سائداً أيام الأب حافظ الأسد.

دستور 2012

كان الدستور المعمول به في سورية حتى مطلع عام 2011 هو دستور 1973، ومع انطلاق الثورة السورية في آذار/مارس 2011 تجددت المطالبة المجتمعية بإلغاء المادة الثامنة، وإلغاء حالة الطوارئ، وإلغاء القوانين الاستثنائية، ثم تطورت إلى المطالبة بتعليق العمل بدستور 1973، وتشكيل حكومة خبراء تشرف على انتخاب هيئة تأسيسية تمثيلية حقيقة تناط بها صياغة دستور جديد للبلاد.

في 22\4\2011 أصدر بشار الأسد المرسوم رقم ،161 ينهى فيه العمل بحالة الطوارئ المعلنة بالقرار رقم 2 الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة بتاريخ 1963/3/8، لتكون بذلك هي الأطول من نوعها في تاريخ الدول الحديثة.[56]

كما أصدر الأسد في التوقيت نفسه ثلاثة مراسيم أخرى تقضي بإلغاء محكمة أمن الدولة العليا، وتنظيم حق التظاهر السلمي، واختصاص الضابطة العدلية باستقصاء الجرائم والاستماع للمشتبه بهم.[57]

في 15\10\2011 أصدر بشار الأسد المرسوم الجمهوري رقم 33 القاضي بتأليف لجنة إعادة كتابة الدستور، برئاسة المحامي مظهر العنبري المساهم الرئيس في وضع دستور 1973.[58]

 تشكلت اللجنة من 29 عضواً، وفي 27\2\2012 صدر المرسوم 94 القاضي باعتماد الدستور الجديد، والذي يعرف بدستور 2012.

حافظ الدستور الجديد على أغلب مواد دستور 1973، ووصفه بعضهم بأنه “تنقيح للدستور” أكثر من كونه دستوراً جديداً؛ فقد أضاف 14 مادة، وأدخل 47 تعديلاً على دستور 1973، وحافظ وأضاف إلى السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية.[59]

من أهم مواد هذا الدستور:[60]

ممَّا ورد في المقدمة:

“تعتبر الجمهورية العربية السورية بانتمائها العربي، وبكون شعبها جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية مجسدة هذا الانتماء في مشروعها الوطني والقومي، وفي العمل على دعم التعاون العربي بهدف تعزيز التكامل وتحقيق وحدة الأمة العربية”.[61]

المادة الأولى: الشعب في سورية جزء من الأمة العربية.

المادة الثامنة: يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع.

تسهم الأحزاب السياسية المرخصة والتجمعات الانتخابية في الحياة السياسية الوطنية وعليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية.

ينظم القانون الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين الأحزاب السياسية.

المادة الرابعة والثمانون: يشترط في المرشح إلى منصب رئيس الجمهورية ما يأتي:

  • أن يكون متماً الأربعين عاماً من عمره.
  • أن يكون متمتعاً بالجنسية العربية السورية بالولادة من أبوين متمتعين بالجنسية العربية السورية بالولادة.
  • أن يكون مقيماً في الجمهورية العربية السورية لمدة لا تقل عن عشر سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشيح.

المادة الثامنة والثمانون: ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية تبدأ من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس القائم، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية.

 المادة الخامسة والخمسون بعد المئة: تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية، وله حق الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية، وتسري عليه أحكام المادة / 88/ من هذا الدستور اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة.

تعليق على المواد:

في المقدمة تختفي مصطلحات الاشتراكية والعمل على نشرها وتحقيقها في سورية والوطن العربي مقارنة بمقدمة دستور 1973، فيما يبدو محاولة من النظام للخروج بوجه دستوري أقل بعثية، لكنه حافظ على طابع البعث الإيديولوجي فيما يتعلق بالوحدة العربية إنما بلهجة مخففة.

ثم في المادة 1 تختفي فقرة العمل على تحقيق الوحدة العربية الشاملة الموجودة في دستور 1973، وهذا أيضاً يندرج في ذات السياق القائل بمحاولة النظام التخفف من أثقال المرحلة السابقة.

تم إلغاء المادة 8 من دستور 1973 بالكامل استجابة من النظام للانتقادات الشديدة التي تلقاها حول تلك المادة.

المادة 84 تعود بعمر المرشح للأربعين كما كان في دستور 1973، لكنها تضيق دائرة المرشحين للرئاسة عندما تشترط على المترشح أن يكون مقيماً في سورية عشر سنوات متصلة على الأقل، والمعضلة هي في “متصلة” لأنها تحول دون إمكانية أي معارض كان يقيم خارج سورية في الترشح، كما تحول دون أي مرشح غادر البلاد لأي أمر من الأمور فقطع الاتصال المطلوب.

المادة 88 تختلف عن دستور 1973 عندما نصت على تجديد الولاية للرئيس مرة واحدة فقط.

المادة 155 تعود وتعطي لبشار الأسد، لكونها تنص على كلمة “الحالي”، ولاية جديدة إضافية، حيث إن التي هو فيها غير محسوبة وفق هذه المادة، ومن الواضح أن استخدام هذه الصيغة كان بهدف بقاء بشار الأسد في السلطة لأطول فترة ممكنة.

المادة 117 تنسخ نفس ما فعله دستور 1973 لجهة إعطاء الرئيس حصانة مطلقة، كما أن المادة 140 تنص على محاكمة الرئيس أمام المحكمة الدستورية العليا التي يعين الرئيس أعضاءها السبعة، وهو ذاته ما نص عليه دستور 1973.

يضاف إلى هذا أن المواد (97،98،100،103،105…) تعطي الرئيس صلاحيات غير محدودة، وهي نفس صلاحيات دستور 1973 ما يصنع خللاً دستورياً كبيراً، ستمتد آثاره على مختلف النواحي؛ ومنها بالطبع استقلال القضاء ومسألة فصل السلطات.

يقول أحد أعضاء لجنة إعداد الدستور: “لقد كان «القصر» يتدخل لحسم خلافات أعضائها [اللجنة] بشأن بعض المواد، وخصوصاً تلك المواد المتعلقة بفصل السلطات، وصلاحية الرئيس، وطريقة ترشحه وانتخابه، ومدة رئاسته وغيرها من مواد، وذلك بتوجيه اللجنة لإجراء تصويت عليها فتفوز بالنتيجة إرادة الرئاسة؛ نظراً لأن أغلبية أعضاء اللجنة تأتمر بأوامرها”.[62]

 من هذا وغيره يمكن القول إذا كان دستور 1973 يوصف بأنه فصل على مقاس حزب البعث، فإن دستور 2012 فصل على مقاس بشار الأسد.

الدستور “الروسي”

في 24\5\2016 قالت صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من النظام السوري إن موسكو أنهت صياغة مشروع دستور لسورية، حيث وُضع جدول زمنيّ، باتفاق في مجلس الأمن، لإصدار مسودة دستور بحلول شهر آب/أغسطس 2016، لكن ما “يميّز” المشروع الروسي، بحسب معلومات الأخبار، التعديلات الجوهرية على الدستور الحالي، بدءاً من التسمية (الجمهورية السورية بدل “العربية السورية”، إلى إلغاء مادة ديانة الرئيس، وصولاً إلى تعديل صلاحيات الأخير وإسقاط أي سلطات تشريعية، وإعطائه صفة “الوسيط” في بعض المجالات.

التعديلات لا تنتهي هنا؛ بل أعطت المسودة الروسية صلاحيات واسعة لـ “جمعية المناطق” (الإدارات المحلية)، ولمجلس الوزراء. كما نزعت أي إشارات قومية واشتراكية، ليسقط مثلاً من القسم الدستوري “العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية ووحدة الأمة العربية”، ليستبدلها بنزوع أوضح نحو الاقتصاد الحر و”الوطنية” مكان القومية. وتشير مواد عديدة إلى تمثيل الأطياف الطائفية والقومية و”حجز مناصب” للأقليات.[63]

في الشهر الأول من عام 2017 وخلال انعقاد محادثات أستانة الخاصة بسورية، قام الوفد الروسي بتوزيع مسودة دستور سوري جديد على الأطراف المتفاوضة.

في المسودة مواد كثيرة سعت روسيا من خلالها لبعث رسائل طمأنة للمعارضة من أجل القبول بمناقشتها، والضغط باتجاه حل سياسي للملف السوري.[64]

 مسودة الدستور تتكون من 85 مادة، تتناول كل القضايا الإشكالية بين المعارضة والنظام. ومن مواد مسودة الدستور:[65]

المادة الأولى: تكون الجمهورية السورية دولة مستقلة ذات سيادة وديموقراطية، تعتمد على أولوية القانون ومساواة الجميع أمام القانون والتضامن الاجتماعي واحترام الحقوق والحريات ومساواة الحقوق والحريات لكافة المواطنين دون أي فرق وامتياز.

المادة الرابعة: تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية كلغتين متساويتين.

 المادة العاشرة: تكون القوات المسلحة وغيرها من الوحدات المسلحة تحت الرقابة من قبل المجتمع، وتحمي سورية ووحدة أراضيها، ولا تستخدم كوسيلة اضطهاد السكان السوريين، ولا تتدخل في مجال المصالح السياسية، ولا تلعب دوراً في عملية انتقال السلطة.

المادة الرابعة والأربعون: تتولى جمعية الشعب الاختصاصات الآتية: إقرار مسائل الحرب والسلام، تنحية رئيس الجمهورية من المنصب، تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، تعيين رئيس البنك الوطني السوري وإقالته من المنصب.

المادة التاسعة والأربعون: ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية من قبل مواطني سورية انتخاباً عاماً ومتساوياً ومباشراً وسرياً، لا يجوز إعادة انتخاب نفس الشخص إلى منصب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية.

المادة الرابعة والخمسون: يكون تعيين مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء تمسكاً بالتمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية لسكان سورية، وتحجز بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية”.

أيضاً مواد المسودة تجنح نحو الاقتصاد الحر وتم إضافة 4 أعضاء للمحكمة الدستورية العليا، لتؤلف من 11 عضواً تعيّنهم “جمعية المناطق”.[66]

هناك حلحلة روسية واضحة لعقد دستور 2012؛ فهي أعطت البرلمان صلاحيات واسعة من ضمنها تنحية الرئيس، في حين لم تعط للرئيس حق حل البرلمان، كذلك حددت دور الجيش بأنه تحت رقابة المجتمع، ومنعت أي دور له في السياسة، ومنح الدستور صلاحيات واسعة لمجلس الوزراء وجمعيات المناطق؛ ممَّا اعتبر إغراءات روسية لكنها لم تلق صدى إيجابياً في صفوف الثوار السوريين، لذا دشن ناشطون سوريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملة لدعم دستور 1950، وأطلقوا عبر موقع تويتر وسم “دستور عام 1950 يمثلني” رفضاً منهم كما قالوا للمسودة الروسية، ومن ثم بقيت المسودة حبيسة أدراج أستانة بانتظار موعد قادم.

المساهمات الدولية (ورقة الإسكوا)

في 1\1\2016 أعد برنامج الأجندة الوطنية لمستقبل سورية، وهو التابع لمنظمة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “إسكوا”، ورقة عمل تدرس المسألة الدستورية في سورية وآفاقها المستقبلية.

الورقة وفقاً للإسكوا هي إحدى نتائج الحوارات التي تشهدها قاعاتها منذ أربع سنوات، والتي شارك فيها أكثر من ألف خبير سوري.

أفضت النقاشات الأممية إلى ثلاثة خيارات أو حلول للمستقبل الدستوري في سورية؛ فإما تعديل دستور 2012، أو الاتفاق على دستور حكم مؤقت جديد، أو العودة للعمل بدستور 1950.[67]

الخاتمة

من خلال كل ما سبق أظهرت النخب المجتمعية السورية وعياً كبيراً بمسألة الدستور وحساسيته وتأثيره على بناء الدولة العصرية الحديثة؛ لذا كانت حاضرة بقوة عندما أتيحت لها الفرصة من أجل المساهمة في دفع الدولة السورية خطوة ديمقراطية للأمام.

الآن وبعد وصول سورية ككيان إلى مشارف مروحة واسعة من الخيارات، ليس منها بالتأكيد عودة البلاد إلى سابق عهدها، فالواجب حدوثه في المجتمعات السورية الخارجة عن سلطة النظام بعد الاستقرار القريب المتوقع لها، مهما كان شكله، هو أن تبدأ مرحلة جديدة يكون فيها الدستور حجر زاوية يعيد الثقة المتبادلة بين الحواضن المحلية من جهة وبالكيانات العسكرية والسياسية التي مثلتها على مدار السنوات الست الفائتة.

وهنا من المفيد العودة إلى دستور 1950 لأنه يمثل نقطة وسطاً يمكن أن تجتمع عندها مختلف التيارات السياسية التي أفرزتها الحالة الثورية، ريثما يلتقط المجتمع السوري أنفاسه، ثم يبدأ بعدها بإعداد دستور جديد يتناسب مع شروط المرحلة المقبلة، وهذا الاقتراح يفترض بالطبع فشل رغبة دولية عامة متوقعة بفرض دستور على السوريين ضمن حالة كيان سوري موحد بالحد الأدنى.

___________________________________________________________

الهوامش:

[1] دستور الجمهورية العربية السورية الصادر في 13 آذار 1973: موقع اللجنة السورية لحقوق الإنسان، 6\2\2004، الرابط:  https://goo.gl/eBFv6D

[2] المحاور العلمية للبناء الدستوري “دراسة مقارنة”: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2012، الرابط: https://goo.gl/W2M1DF

[3] سوريا العثمانية وأسرارها: محمد الأرناؤوط، العربي الجديد، 12\4\2015، الرابط: https://goo.gl/nKQWms

[4] مدحت باشا: قدري قلعجي، دار العلم للملايين، كانون الثاني 1947م، ص 10.

[5] مدحت باشا:معجم السياسيين المثقفين في التاريخ العربي والإسلامي: فؤاد صالح السيد، مكتبة حسن العصرية، بيروت، 2011، ص 745. https://goo.gl/WSZ7nq

[6] مدحت باشا: قدري قلعجي، مصدر سابق، ص 5.

[7] الدستور العثماني 1876: الموقع الرسمي لمجلس الشعب السوري، 7\7\2014، الرابط: https://goo.gl/MG6NR8

[8] من ذاكرة الوطن النيابية في العهد الدستوري العثماني: عمرو الملاح، 17\11\2014، الرابط: https://goo.gl/DE5TZp

[9] الدستور العثماني بين محمد رشيد رضا وسليمان بن سحمان: محمد براء، ملتقى أهل التفسير، 29\12\2013، الرابط: https://goo.gl/jZd9Ek

[10] التنظيمات العثمانية والدستور: وجيه كوثراني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 18\3\2018، الرابط: https://goo.gl/amtMAv

[11] المؤتمر السوري الأول ووضع أول دستور لسورية: رغداء زيدان،2015/12/25، الرابط: https://goo.gl/evsz3P

[12] قراءة في الدستور السوري: جان حبش، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، الرابط: https://goo.gl/ELEVrK

[13] دستور المملكة السورية العربية: مديرية الإعلام الإلكتروني، الرابط: https://goo.gl/3dmgFE

[14] قصة الدستور في سوريا، syria-news، الرابط: https://goo.gl/Z6xqom

[15] تاريـخ سـورية تحت الانـتـداب الفرنسي: ماري شهرستان، شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية، 7\6\2011، الرابط: https://goo.gl/hgTL8N

[16] وقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي: شمس الدين العجلاني، موقع alazmenah، الرابط: https://goo.gl/QhK9L6

[17]  قراءة في الدستور السوري: جان حبش، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، الرابط: https://goo.gl/ELEVrK

[18]وقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي: مصدر سابق.

[19] المصدر السابق.

[20] فوزي الغزي.. عراب القانون الوطني: مدونة وطن، 14\6\2016، الرابط: https://goo.gl/otMsHZ

[21] الدستور السوري لدولة سوريا 1930: موقع مجلس الشعب السوري، 7\7\2014، الرابط: https://goo.gl/9G4Fpu

[22] مدينة دمشق ومواجهة الاستعمار الفرنسي 1920-1946: أكرم محمد عدوان، الجامعة الإسلامية – غزة، 2009، الرابط: https://goo.gl/PMz9GQ

[23]  قراءة في الدستور السوري: مصدر سابق.

[24] تاريـخ سـورية تحت الانـتـداب الفرنسي: مصدر سابق.

[25] المصدر السابق.

[26] قراءة في الدستور السوري:مصدر سابق.

[27] المصدر السابق.

[28] من دستور 1950 إلى دساتير الانقلابات: حبيب عيسى، موقع جيرون، 15\11\2016، الرابط: https://goo.gl/eHk68S

[29] المصدر السابق.

[30] دستور الجمهورية السورية: الرابط: https://goo.gl/cBAmmT

[31] الدين والدولة في دستور 1950 السوري.. وهذا نقاش بما هو راهن!: شمس الدين الكيلاني، صحيفة المستقبل، 18\1\2012، الرابط: https://goo.gl/qrLBDf

[32] المصدر السابق.

[33] مبدأ (المواطنة) عند الدكتور مصطفى السباعي: د. منير الغضبان، رابطة أدباء الشام، 17\11\2007، الرابط: https://goo.gl/t9UX1t

[34] السلطة القضائية في سوريا بين دستوري 1950 و2012: حبيب عيسى، موقع جيرون، 14\12\2016، الرابط: https://goo.gl/YQC4qk

[35] من دستور 1950 إلى دساتير الانقلابات: حبيب عيسى، موقع جيرون، 15\11\2016، الرابط: https://goo.gl/N9iMuw

[36] مقارنة بين دستور 1950 ودستور1973: فداء الحوراني، منتدى محامي سوريا، 1\2\2012، الرابط: https://goo.gl/tSUGqc

[37] المصدر السابق.

[38] دستور الخمسينات السوري وأوهام الخلاص: رستم محمود، صحيفة الحياة اللندنية، 20\4\2016، الرابط: https://goo.gl/qQf8Xs

[39] من دستور 1950 إلى دساتير الانقلابات: مصدر سابق.

[40] المصدر السابق.

[41] قراءة في الدستور السوري: مصدر سابق.

[42] المصدر السابق.

[43] في نيسان/أبريل 1964 قامت السلطات السورية بهدم مسجد السلطان في مدينة حماة؛ لأن مروان حديد وبعض تلاميذه كانوا قد اعتصموا به من أجل تحريض أهل المدينة على الإضراب، وردت السلطات بالدبابات التي دخلت إلى المسجد بعدما هدمت مئذنته وقبته، واعتقلت مروان حديد وقتلت واعتقلت مرافقيه، وقدرت أرقام القتلى حينها بسبعين شخصاً.

[44] قراءة في الدستور السوري: مصدر سابق.

[45] دستور الجمهورية العربية السورية وتعديلاته: الرابط: https://goo.gl/oVz3kQ

[46] المصدر السابق.

[47] قراءة في الدستور السوري: مصدر سابق.

[48] الثورة السورية والصراع السني-العلوي الجزء 2: إياد شربجي، موقع أورينت نت، 1\12\2013، الرابط:

https://goo.gl/MH3i9D

[49] الوجه الآخر-6- موسى الصدر: هيثم الكسواني، موقع الراصد، 30\4\2014، الرابط:

https://goo.gl/QzMEmX

[50] دراسة في تغيرات خصائص أحكام الدساتير في سورية: الطاهر حسن، مركز الشرق العربي، 10\5\2011، الرابط: https://goo.gl/ZUEkrR

[51] من مواد القانون 49 يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، ويعفى من العقوبة الواردة في هذا القانون أو أي قانون آخر كل منتسب إلى هذه الجماعة إذا أعلن انسحابه منها خلال شهر واحد من تاريخ نفاذ هذا القانون، ولا يستفيد من التخفيض والعفو الواردين في هذا القانون الذين هم قيد التوقيف أو المحاكمة.

[52]  دراسة في تغيرات خصائص أحكام الدساتير في سورية: مصدر سابق.

[53] دستور سورية الدائم لعام 1973: الرابط: https://goo.gl/ChaXuf

[54] المصدر السابق.

[55] العقد الضائع..حالة حقوق الإنسان في سوريا: هيومان رايتس ووتش، 2010/7/16، الرابط: https://goo.gl/qjiikr

[56] الرئيس الأسد يصدر 4 مراسيم: بوابة الحكومة الإلكترونية السورية، 22\4\2011، الرابط: https://goo.gl/aiXyX5

[57] المصدر السابق.

[58] سورية بين دستورين 1973 و2012: حبيب عيسى، موقع جيرون، 2\12\2016، الرابط: https://goo.gl/NUeFr1

[59] المصدر السابق.

[60] المصدر السابق.

[61] دستور الجمهورية العربية السورية 2012: الرابط:

https://goo.gl/UQUUBM

[62] الدستور السوري الجديد: منذر خدام، جريدة الشرق الأوسط، 25\2\2012، الرابط: https://goo.gl/FCUu1n

[63] دستور روسي لسوريا: إيلي حنا، صحيفة الأخبار اللبنانية، 24\5\2016، الرابط:

https://goo.gl/65gSUs

[64] روسيا تقترح دستوراً لسوريا: موقع الجزيرة نت، 27\1\2017، الرابط:

https://goo.gl/VScrku

[65] حصري.. مسودة روسية لمشروع الدستور السوري: وكالة سبوتنيك عربي، 26\1\2017، الرابط:

https://goo.gl/NRhnV9

[66] دستور روسي لسوريا: مصدر سابق.

[67] ورقة عمل.. الدستور: برنامج الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا، 1\1\2016، الرابط: https://goo.gl/ZZjPhW