المرصد

فورين أفيرز: لا تسمحوا للسعوديين بتقويض استقرار لبنان

rts1it0q

 

لماذا يجب على واشنطن كبح جماح الرياض؟

تسعى السعودية للتصدي للنفوذ الإيراني في كل أنحاء الشرق الأوسط. أما الآن، بعد الهزيمة التي منيت بها في سوريا، وتخبطها في المستنقع اليمني، فضلاً عن النتائج المحدودة التي حققتها في العراق، فتستعد الرياض لجعل لبنان الساحة المقبلة لمعركتها مع إيران.

يمثل حزب الله الهدف المقبل للسعودية؛ لأن هذا التنظيم الشيعي تجمعه علاقات قديمة وعميقة مع إيران، وبفضل الدعم المالي والعسكري السخي الذي تقدمه له طهران باستمرار، تحول حزب الله خلال السنوات الأخيرة إلى قوة إقليمية حقيقية، بعد أن نجح في تعزيز سيطرته على مراكز القرار والأجهزة الأمنية الوطنية اللبنانية، ونجح في ردع إسرائيل، وساعد نظام بشار الأسد على تجنب الانهيار، كما ساند المليشيات الشيعية الأخرى في العراق، والبحرين، واليمن.

ينظر السعوديون إلى سيطرة حزب الله على المشهد السياسي في بيروت على أنها أمر غير مقبول. ولهذا السبب قرروا تغيير سياستهم تجاه لبنان بشكل كامل، والدخول في مواجهة مباشرة وأكثر حدة مع حزب الله عبر اعتبار الحكومة اللبنانية مسؤولة عن تدخل الحزب في شؤون الدول الأخرى، بما فيها اليمن الذي يعتبره السعوديون حديقتهم الخلفية، والذي يُتهم فيه حزب الله بدعم المتمردين الحوثيين.

في الواقع، تمثلت أولى الخطوات العقابية التي اتخذتها السعودية ضد لبنان في إجبار رئيس الوزراء سعد الحريري على الاستقالة في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، أثناء زيارة له إلى الرياض. وحدث ذلك لأن السعوديين لم يعودوا قادرين على تصديق أن الحريري، الذي بحث عن التوافق مع حزب الله في العام الماضي لإنقاذ وجوده السياسي، كان ينوي أو يقدر على تنفيذ تعليمات الرياض واعتماد سياسة معادية للحزب.

من هذا المنطلق قررت الرياض دفع الحريري نحو الاستقالة بأي طريقة، إلا أن الأمور على الأرجح لن تتوقف عند هذا الحد، حيث يمكن للسعودية أيضاً تصعيد الضغط على حزب الله عبر سحب كل الودائع من المصارف اللبنانية وترحيل كل اللبنانيين العاملين في الأراضي السعودية، وهما خطوتان قد تقوضان الاستقرار المالي في لبنان.

كما تفترض الرياض أن اندلاع أزمة داخلية لبنانية في المستقبل سوف يشغل حزب الله ويشتت قدراته، ومن ثم سيمنعه ذلك من توسيع وتعميق تدخله في بعض المعارك الدائرة في الشرق الأوسط.

يمتلك السعوديون دوافع حقيقية تجعلهم يقلقون من أنشطة حزب الله المتصاعدة في لبنان واليمن وباقي دول المنطقة. وممَّا لا شك فيه أن عدم خضوع الحزب لأي ضوابط أو ضغوط من الدولة اللبنانية، وتجاهله التام لسيادة هذه الدولة، وتكديسه للأسلحة التي لم يتردد في استخدامها ضد خصومه في الداخل والخارج، تعتبر من الأسباب التي سوف تواصل عرقلة الجهود الرامية لبناء دولة لبنانية، وتهدد أمن العديد من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بمن فيهم إسرائيل. ولكن افتعال الخراب السياسي والانهيار الاقتصادي في لبنان كوسيلة لإضعاف حزب الله، وهو الأمر الذي يعتزم السعوديون القيام به، لا يخدم مصلحة أحد.

يشار إلى أن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الداعم التام للقيادة السعودية الجديدة، التي يمثلها الملك سلمان وابنه ولي العهد محمد بن سلمان، شجع المملكة على تبني موقف أكثر جرأة وتقدماً في مواجهة إيران، والدخول في مقامرة خطيرة في لبنان.

في المقابل، يبدو أن بعض المسؤولين الآخرين في الإدارة الأمريكية كانوا خلال الفترة الماضية يطالبون نظراءهم السعوديين في السر بالتراجع عن نياتهم تجاه لبنان، والتخلي عن فكرة استغلال هذا البلد كساحة في الحرب بالوكالة ضد إيران. وإذا صحت التقارير المتعلقة بهذا الأمر، فإن هؤلاء المسؤولين كانوا محقين في تقديم هذه النصيحة. ولكن من غير الواضح إن كانت الرياض ستستمع إليهم.

هناك ثلاثة أسباب تدفع الولايات المتحدة نحو كبح جماح مخططات الرياض في لبنان وبكل قوة. أولاً، إمكانية خسارة السعوديين لحلفائهم في لبنان ما سينتهي بتقوية حزب الله أكثر. ثانياً، ستكون كلفة تقويض الاستقرار في لبنان أثقل على الولايات المتحدة من المكاسب التي ستجنيها من هذه المعركة غير الحكيمة مع حزب الله. أما ثالثاً، فهناك طرق أفضل لإضعاف حزب الله دون المساس بلبنان.

أدت السياسة السعودية الجديدة تجاه لبنان إلى تشكل العديد من ردود الأفعال الرافضة لها داخل الدول السنية، على الرغم من أن هذه الطائفة بالذات يفترض أن تكون الداعم الأكبر للرياض. ومن خلال اعتماد أسلوب لي الذراع تجاه سعد الحريري، خسرت السعودية دعم الطائفة السنية في لبنان، إذ إن حبهم لبلدهم يفوق بكثير كرههم لحزب الله. وعلى غرار كل اللبنانيين فالطائفة السنية قلقة جداً حول ظروف عيشها والفرص الاقتصادية، وتخشى ممَّا يمكن أن يحدث إذا شرعت السعودية في تطبيق عقوبات اقتصادية شاملة ضد لبنان.

يمكن أن تشتت الصعوبات الاقتصادية والتقلبات السياسية جهود حزب الله، ولكنها لن تؤدي بالضرورة لإضعافه. فحزب الله لديه القدرة الكاملة على إيجاد بديل للحريري، وحتى إن تدهورت العلاقات بين الطائفتين السنية والشيعية في لبنان، فإن حزب الله يمتلك قوة الردع لإسكات منتقديه، وهو يمتلك تسليحاً أفضل من الجيش الوطني.

إلى جانب ذلك، يجب عدم نسيان أن حزب الله وُلد من رحم أكثر الفترات عنفاً في تاريخ لبنان؛ أي خلال فترة الحرب الأهلية في لبنان في بداية الثمانينات، وهو حزب يتغذى من الفوضى ونجح مع مرور الوقت في إتقان فن البقاء. ولا يعتبر حزب الله طرفاً لا يمكن المساس به، إلا أنه يتمتع بنفوذ كبير؛ لأن خصومه على الساحة اللبنانية يعانون من الانقسام والضعف.

بناء على ذلك فإن أي تقويض للوضع القائم في لبنان سوف يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة والفوضى التي تعصف بالشرق الأوسط، وهذا على الأرجح سوف يصب في مصلحة أعداء الولايات المتحدة، من بينهم إيران، وتنظيم الدولة، والقاعدة. فقد أنفقت الولايات المتحدة أموالاً طائلة وتكبدت خسائر سياسية من أجل طرد تنظيم الدولة من العراق وسوريا. وربما يكون آخر ما ترغب فيه الآن هو تفكك لبنان الذي سيعطي تنظيم الدولة فرصة لإعادة التجمع، ويوفر تربة خصبة لباقي التنظيمات المتطرفة.

وعلى الرغم من فشل الدولة والمشاكل المزمنة، فإن لبنان يمثل نموذجاً للتعايش الطائفي يمكن أن يكون مفيداً لدول أخرى تشبهه من حيث التركيبة السكانية، على غرار العراق، وسوريا، واليمن، التي تعصف بها الحرب الأهلية. فالتجربة السياسية الفريدة من نوعها في لبنان، والانفتاح الديني الذي يتميز به، هي أقوى الأسلحة ضد انتشار التطرف في الشرق الأوسط، لذلك تستحق كل هذه المميزات بلا شك أن نحافظ عليها.

في الحقيقة، هناك بالتأكيد طرق أفضل لتحقيق أهداف الرياض المتعلقة بإضعاف حزب الله. يمكن للسعوديين، في هذا الإطار، التعاون مع الولايات المتحدة لتفعيل عقوبات مالية هادفة ودقيقة ضد حزب الله، عوضاً عن السعي لتخريب الاقتصاد اللبناني، الذي يعاني أصلاً من عدة مشاكل منها استضافة 1.5 مليون لاجئ سوري في بلد لا يتجاوز عدد سكانه ستة ملايين نسمة. كما يمكن للسعوديين تقديم الدعم المالي لحلفائهم داخل لبنان، خلال الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في شهر آذار/مارس من سنة 2018، من أجل المساعدة في تحجيم الحضور السياسي لحزب الله.

في الوقت الحاضر، يبدو لبنان منقسماً جداً وغاية في الأهمية، لذلك لا مجال لاستغلاله كبيدق في الصراع الإستراتيجي بين الرياض وطهران. والجدير بالذكر أن هذه الطريقة قد استخدمت فيما مضى من قبل إسرائيل، بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، في عدة مناسبات كانت آخرها سنة 2006، وفي كل مرة كان الأمر ينتهي بكارثة ومزيد من إضعاف الدولة اللبنانية. إذن يبدو جلياً أنه يمكن خدمة مصالح السعوديين والأمريكيين بشكل أفضل عبر التعلم من دروس الماضي.

المصدر: فورين أفيرز

الكاتب: بلال صعب

الرابط: https://www.foreignaffairs.com/articles/lebanon/2017-11-20/dont-let-saudis-destabilize-lebanon