المرصد

موند: ماهي الخطط المشبوهة التي تنفذها شركة لافارج الفرنسية في سوريا؟

٦٦٦٦

كانت منذ سنة 2011 إلى سنة 2014 ترزح تحت وطأة حرب دامية، ورغم ذلك واصل أحد مصانع الإسمنت الفرنسية عمله في مدينة جلبية الواقعة في الشمال الشرقي للبلاد، مما يثير الشكوك في أن تكون هذه الشركة الإسمنتية بصدد التعامل مع الكتائب المسلحة وربما حتى مع المتطرفين.

في آذار/مارس من سنة 2011، انتفض الشارع السوري ضد نظام بشار الأسد، وأعقبت ذلك عمليات عنف وقمع رد عليها السوريون بتأسيس كتائب مسلحة تابعة للثوار، ودخلت البلاد في دوامة عنف شديد مما أجبر الشركات الأجنبية، التي تستثمر قرابة 2.6 مليار دولار في سوريا، على الرحيل.
ومن بين الشركات الفرنسية التي غادرت البلاد في كانون الأول/ديسمبر من سنة 2011، شركة “توتال”المختصة في استخراج النفط والغاز الطبيعي، حيث قامت هذه الشركة بالرضوخ للعقوبات الأوروبية على سوريا التي تمنع شراء النفط السوري. وفي شهر تموز/يوليو من سنة 2012، جاء الدور على شركة “بال” ثالث أكبر منتج للأجبان في العالم، التي غادرت سوريا بعد أن قضت في دمشق سنوات طويلة، تحديدا منذ سنة 2005. بعد ذلك أغلقت شركة “آر ليكيد” مصنعها في مدينة “عدرا”، الواقعة شمال شرق العاصمة السورية.
في المقابل واصلت الشركة المختصة في إنتاج الإسمنت “لافارج” مهامها، بعد أن أسست مصنعا في سوريا منذ سنة 2007 بعد أن اشترت أسهم الشركة المصرية “أوراسكوم”، بالشراكة مع رجل الأعمال السوري فراس طلاس. بعد ذلك أصبحت “لافارج” أكثر الشركات المستثمرة في سوريا، دون احتساب الشركات النفطية، بمبلغ جملي قدره 600 مليون أورو. بعد ذلك بدأت الشركة في العمل سنة 2010 لكن خلال أيلول/سبتمبر 2014 توقفت عن العمل بعد أن احتل تنظيم الدولة أحد مواقع الإنتاج التابعة لها.
ولكن المحير في الأمر لماذا لم ترحل الشركة رغم تفاقم الأزمة السورية وغياب الأمن؟ في المقابل هل يمكننا القول بأن الشركة توصلت لتفاهم سري مع الكتائب المسلحة وعلى رأسهم تنظيم الدولة؟

وقد فسر جاكوب وارنيس، الذي يعمل  مديرا للمخاطر في “لافارج”، هذا القراربالقول::” “لافارج” تحاول المحافظة على عمل مصنعها لأنه ذلك هو السبيل الوحيد لحماية موقعنا من الاعتداء”. ثم أضاف هذا السيد النرويجي البالغ من العمر38 سنة قائلا:” لقد تعهدنا بمواصلة العمل لكي نعطي صورة جميلة لشركتنا، في  الوقت الذي قررت فيه باقي الشركات الأخرى الرحيل، قررنا نحن البقاء وحضينا بدعم  كل من حرفائنا وعمالنا”. ولكن يبدو من الصعب أن تحافظ الشركة على ثقة حرفائها وهي مازالت تعمل في بلد يعيش حربا دامية.
وقد أكدت صحيفة” ” يوم 22 حزيران/يونيو الماضي أن شركة “لافارج” قامت بتمويل تنظيم الدولة بطريقة غير مباشرة، بعد شرائها للنفط من خلال سماسرة تابعين للتنظيم. وحسب شهادة جاكوب وارنيس في كتابه الذي نشره مؤخرا في بلاده النرويج، فإن هنالك انحرافات لا يمكن ردعها داخل أسوار شركة “لافارج”.

فيما صرح أحد المتحدثين باسم “لافارج” لصحيفة لوموند قائلا” نحن نحتل مكانة مهمة في سوريا، فنحن نشغل عائلات سورية كثيرة ونتكفل بتزويد البلاد بنسبة 25 بالمائة من مواد البناء”. وتجدر الإشارة إلى أن شركة “لافارج” وقعت سنة 2015 اتفاقية شراكة مع شركة “هولسيم” السويسرية، لتصبح بذلك أكبر منتج للإسمنت في العالم.

ولم يخفي وارنس أن الشركة قد تعرضت لمضايقات عديدة، حيث قال: “في صيف 2012، وقع إيقاف البعض من عمالنا بالقرب من مدينة منبج عن طريق كتائب تابعة للثوار، حيث أرادوا معرفة ما إذا كانت شركتنا تابعة لرامي مخلوف “. ولكن في الحقيقة ليس هنالك أي علاقة تربط “لافارج” برامي مخلوف، رغم أنه أغنى رجل في سوريا وابن عم بشار الأسد، لكن في المقابل لا تنكر “لافارج” الشراكة التي تربطها برجل الأعمال السني فراس طلاس، المقرب من النظام السوري باعتباره ابن وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس. وفسر الخبير الاقتصادي جهاد يازيكي ذلك قائلا:” تتعامل الشركة الفرنسية مع رجال تابعين للنظام في سوريا حيث يلعبون دور الوسيط”.

ولفراس طلاس شقيق اسمه مناف كان جنرالا في الحرس الجمهوري، ومن أكثر المقربين من بشار لأنهما قضيا فترة الدراسة العسكرية مع بعضهما في أكاديمية حمص. لكن عند بداية الثورة السورية، دافع آل طلاس، رغم أنهم من سنة مدينة حلب، على النظام السوري إلى أن إنتهى بهما الأمر إلى الخروج من البلاد، حيث استقر مناف في باريس أما شقيقه فراس فذهب لدبي وأعلنا دعمهما للثورة السورية. فبالنسبة لفراس هو مستعد لأن يدعم الثوار ماليا، من هنا نفهم أن شركة “لافارج” تتعامل مع فراس طلاس كواسطة بينها وبين المعارضة المسلحة لحماية مصنعها وعمالها وحتى حرفائها.

في البداية رفضت شركة “لافارج” مقترح مديرها  وارنيس المختص في التعامل مع المخاطر، الذي دعا إلى الاتفاق  مع المعارضة المسلحة. لكن بعد تأزم الأوضاع الأمنية بصفة كبيرة في سوريا، أجبرت الشركة على تغيير رأيها حيث أكد وارنيس قائلا:” نحن نعيش داخل مصنع الإسمنت التابع للشركة، وكثيرا ما يأتينا مقاتلون أكراد ويطلبون منا عدة أشياء كأن المصنع ملك لهم، لهذا قررنا أن نقوم بالتقرب من الثوار رغم أننا أكدنا سابقا أننا نتخذ مبدأ الحياد، لكن الظروف أتت بعكس ذلك”.

واعتمدت “لافارج” الإستراتجية التالية في تعاملها مع الثوار: أولا العلم بكل ما يحصل داخل الإقليم الذي يحتضن مصنعها، ثانيا الحفاظ على علاقة وطيدة مع أكثر الكتائب قوة وعتادا التابعة للمعارضة السورية، كذلك كان جاكوب وارسن يقوم بالاتصال المباشر بالثوار في، حين كان دور فراس طلاس التنسيق بينهما من موقعه في دبي. ولكن المشكلة تتمثل في تعامل طلاس مع الأكراد الذين مازال يراهم الثوار متعاطفين مع النظام السوري، هذا المشكل يمكن أن يفقد بسبه طلاس ثقة المعارضة المسلحة، وبذلك ستتعطل الاتصالات بين هذه الكتائب وبين شركة “لافارج”
ولتجنب هذه المشاكل، قام فراس طلاس بتأسيس مكتب في مدينة منبج من أجل تسهيل معالجة أي مشاكل يمكن أن تقع بين الطرفين. حيث يؤكد وارنيس:” إذا وقع القبض على أحد عمالنا من قبل أحد كتائب المعارضة المسلحة مثلا، كجبهة أحرار الشام السنية المدعومة من السعودية وتركيا، أومن جبهة النصرة، فإني أتصل بالمكتب في مدينة منبج الذي سيتصل بدوره بأحد المسؤولين في المعارضة المسلحة الذي طبعا سيطلب مالا لمعالجة هذه المشكلة…ولن تدفع شركتنا بل السيد فراس طلاس هو الذي يدفع”.

يمتلك فراس طلاس قائمة تضم أكثر من عشرين كتيبة مسلحة تابعة للمعارضة، يقوم بدعمها شهريا. ويتفاوت هذا الدعم حسب أهمية كل كتيبة، كذلك فإن طلاس لا يدفع مالا إلا بعد الإطمئنان من أن الكتيبة متعاونة.
ومن بين الكتائب الموجودة على القائمة نقرأ اسم جبهة النصرة، أحد أذرع تنظيم القاعدة التي اتحدت مؤخرا مع كتائب مسلحة أخرى تحت اسم “فتح الشام”.
وأكد وارنس قائلا: “هناك قرابة 17 كتيبة مسلحة في مدينة منبج، لكن نحن لا نتعامل إلا مع 13 كتيبة وهي المنتمية إلى المجلس العسكري للمدينة. أما تنظيم الدولة فليس لنا به علاقة، فهو لديه قوانينه الخاصة في مدينة الرقة بعيدا عنا”. وأضاف وارنس قائلا: ” ما يهم شركاتنا قبل كل شيء هو أمن عمالها”.

ولكن ماالذي ستفعله شركة “لافارج” في حالة احتلال مدينة منبج من قبل تنظيم الدولة،  والذي قد يتبعه انسحاب كلي للثوار؟
أجاب وارنس قائلا: ” في هذه الحالة أعتقد بأننا سنعمل على بناء علاقات ودية مع قادة تنظيم الدولة، رغم أنهم متطرفون إلا أننا يجب دائما أن نؤسس علاقة طيبة مع الكتيبة المسلحة التي تسيطر على مدينة منبج”.
ولكن تنظيم الدولة موجود على رأس قائمة الحركات الإرهابية في العالم؟
أجاب وارنس محاولا الدفاع عن موقف شركته: “في هذه الحالة سنكون نحن من يري العالم الوجه الحقيقي لهذا التنظيم، وسنكون بمثابة الشهود ضده”.
بعد ذلك أكد وارنس أنه لن يكون هناك اتصال مباشر بين شركة ” لافارج” وتنظيم الدولة ما دام الوضع مستقرا مع الثوار.

غادر جاكوب وارنس سوريا خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر سنة 2013 معللا ذلك بالقول:” أنا الآن شخص مفتش عنه من قبل النظام السوري الذي يتهمني بالتعاون مع الإرهابيين، كذلك فإن تنظيم الدولة يريد استهدافي”.

وقد كشفت صحيفة لوموند عن وثائق تثبت الاتصال المباشر بين شركة “لافارج” وتنظيم الدولة، منها رسائل إلكترونية وتأشيرات تحصلت عليها الشركة من أجل نقل بضائعها بحرية داخل المناطق الواقعة تحت حكم ورقابة تنظيم الدولة، ولكن هل تم ذلك بالتنسيق مع مكتب فراس طلاس في منبج؟ هذا السؤال رفض أن يجيب عليه أحمد جلولي خليفة جاكوب وارنس في شركة “لافارج”.

هذه المادة مترجمة عن صحيفة لوموند لكتابتها للإطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا