المرصد

الموندو: الخليل، مدينة الأشباح

٠٠٠٠٠٠٠٠

تفرض قوانين الفصل العنصري الإسرائيلي في على العديد من سكانها الفلسطينيين قيودا على تحركاتهم، كما يتعرضون للمضايقة من أجل إجبارهم على مغادرة المدينة القديمة التي يتواجد فيها حوالي 850 مستوطنا يهوديا تحت حماية 600 جندي إسرائيلي.

كان يعتبر حي الشهداء القلب النابض لمدينة الخليل الفلسطينية، وكان يحظى بشعبية كبيرة لاحتوائه على مراكز التسوق الأكثر شعبية في المنطقة. كما تعوّد فلسطينيو هذه المنطقة على القدوم إلى هذا الحي النابع بالحياة للتبضع في هذه السوق الشعبية تحت البيوت الحجرية المتهالكة والأقواس القديمة.

إلا أن هذا الحي فقد مكانته في بداية التسعينات، وأصبحت شوارعه العريقة والمناطق المحيطة بها مهجورة، كما أصبحت البلدة القديمة في الخليل مرآةً للكآبة التي تعيشها مدينة الأشباح.

ومنذ تلك الفترة، ظلت المتاجر والمحلات مغلقة. كما وضعت حواجز من الإسمنت تمنع دخول الشوارع الضيقة في حي القصبة والأسواق، كما وضعت على شرفات ونوافذ المنازل شبكات من الأسلاك التي حولت منازل الخليل إلى أقفاص. وأصبح من الصعب أن ترى أشخاصا يمرون على الرصيف أو سيارات تجوب الشوارع…

ويخيم صمت غريب في سماء هذه المدينة القديمة، كما ينتاب الأشخاص شعور بأنهم يشاركون في فيلم خيال علمي عند مشاهدة نقاط التفتيش التي يشرف عليها الجنود الإسرائيليون.

ويُمارس في الخليل قانون الفصل العنصري بكل إتقان، كما أن الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة الغربية التي يتمركز في وسطها مستوطنة يهودية، وهو ما أزال الغبار عن سياسات القرن الماضي في فلسطين المحتلة.

ولتسهيل الحياة لحوالي 857 مستوطن يهودي في مدينة الخليل، طردت السلطات الإسرائيلية عشرات الآلاف من الفلسطينيين من المدينة القديمة. كما يتعرض الفلسطينيون لنظام صارم للفصل يفرض عليهم بموجبه عدم التجوال في شوارعها أو استعمال السيارة داخلها. وفي المقابل يتمكن الإسرائيليون والأجانب من التجول في أحياء المدينة القديمة بكل حرية.

قامت السلطات الإسرائيلية بإغلاق حوالي 1829 متجرا وشركة، الأمر الذي أجبر السكان الفلسطينيين على مغادرة منازلهم أمام استحالة مواصلة حياتهم اليومية. كما يتعرّض القليل من السكان الذين رفضوا مغادرة منازلهم إلى مضايقات متواصلة من قبل المستوطنين.

إلا أنه في مدينة الأشباح، لعبت الأسلاك المحيطة بالمنازل التي تحولت إلى أقفاص دورا إيجابيا، يتمثل في حماية السكان من الحجارة التي يلقيها جيرانهم اليهود من النوافذ. ومن بين معاناة السكان الفلسطينيين، يمكن الحديث عن امرأة صماء وابنها من ذوي الاحتياجات الخصوصية، الذين يعيشان في “قفص” عند مدخل حي القصبة، محتمين بأسوار ونوافذ منزلها، كما أنهما لا يجرآن على الخروج.

وفي هذا السياق، قال جواد أبو عيش، رئيس المنظمة غير الحكومية “شباب ضد المستوطنات”، التي تدافع على حقوق الفلسطينيين، إنه “يعمد المستوطنون إلى مضايقة الفلسطينيين الذين ما زالوا صامدين في منازلهم لإجبارهم على مغادرة المدينة القديمة. كما يأمل الإسرائيليون إلى التوصّل إلى ربط المستوطنات في الخليل بتلك التي تتواجد في كريات أربع وجفعات هعافوت”.

كما تحدث أبو عيش عن معاناة الأطفال الفلسطينيين الذين يدرسون بمدرسة قرطبة في الخليل، وكيف يجب عليهم أن يتحملوا الشتائم والحجارة التي يلقيها المستوطنون، الذين قطعوا أمامهم الطريق إلى المدرسة عبر حي الشهداء.

تدمير النسيج الاجتماعي

ويتواجد في نهاية شارع الشهداء “نقطة التفتيش رقم 56″، التي تفصل وسط مدينة الخليل عن بقية هذه المدينة الفلسطينية، التي تضم حوالي 200 ألف نسمة. وتعتبر الخليل، أكبر مدن الضفة الغربية، وتنتمي إلى المنطقة (أ) التي تخضع للسيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية، حسب ما يحدده اتفاقات أوسلو.

وفي سنة 1997، قسم اتفاق إسرائيلي فلسطيني هذه المنطقة إلى جزأين؛ الأول يخضع لسيطرة السلطات الفلسطينية والثاني تحت السيطرة الإسرائيلية، إلا أنه في واقع الأمر، تخضع كامل المنطقة إلى السيطرة الإسرائيلية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المدينة القديمة، والمستوطنات اليهودية الواقعة في كريات أربع وجفعات هعافوت، واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، وتقيّد فيها تحركات الفلسطينيين.

ويذكر أنه يوم الأربعاء الماضي، وافق البرلمان الإسرائيلي في قراءة أولى على مشروع قانون لإضفاء الشرعية على المستوطنات اليهودية، التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، ويهتم هذا القانون على وجه الخصوص بالمستوطنات في الضفة الغربية بما في ذلك الخليل. أما بالنسبة للأمم المتحدة، فإن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية هي “العقبة الرئيسية أمام السلام وتهدد حل الدولتين”.

وبالإضافة إلى ذلك، يحمي المستوطنات المتواجدة في الخليل والتي تحتل مباني المدينة القديمة، حوالي 600 جندي إسرائيلي. وفي الوقت ذاته، يراقب عدد قليل من السكان الأصليين المتبقيين كيف يتم تدمير النسيج الاجتماعي لهذه المنطقة.

ويقول عبد السلام، الفلسطيني البالغ من العمر 24 عاما والذي يعيش في شارع الشهداء، إن “السكان الذين يعيشون هنا، فقدوا معنى الحياة”.

ويضيف “إن نقطة التفتيش رقم 56، لا علاقة لها بالسلامة؛ فقط وُضعت من أجل أن يقوم الجنود الإسرائيليون بإذلال الفلسطينيين يوميا. ويتمثل مشروعهم على المدى الطويل في إخلاء الخليل من التواجد الفلسطيني”.

ويواصل: “يملك الجنود الإسرائيليون قائمة من الأسماء لسكان حي الشهداء، الذين يسمح لهم فقط بعبور “نقاط التفتيش”. أما الفلسطينيون فيمكن أن ينتظروا من دقيقة إلى ساعة، كما أنه يمكنهم الانتظار من السابعة صباحا حتى الحادية عشرة بين هذه القضبان. أريد الخروج، لكنني أخاف أن لا يسمح لي الجنود بالدخول مرة أخرى إلى مدينتي، التي تمنع فيها حتى الزيارات العائلية”.

وأضاف: “منذ صغري ونقاط التفتيش قائمة حول الخليل، لكن بطرق مختلفة. كما أنه في مساحة كيلومتر مربع واحد من البلدة القديمة بالخليل، يتواجد أكثر من 100 “نقطة تفتيش” للجيش الإسرائيلي. وللذهاب إلى المدرسة التي أعمل فيها، أمر يوميا بستة نقاط تفتيش”.

كما أشار إلى أن “البطالة تتفشى في هذه المنطقة، لأن العديد من الشباب يخشى اعتقال الجيش لهم في حال غادروا منازلهم. كما يعاني الفلسطينيون في المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية من الفقر، وتعتبر نسبة الفقر في هذه المنطقة المقسمة بالخليل واحدة من أعلى النسب في الضفة الغربية”.

التطهير العرقي

يوضح تاريخ شارع الشهداء في الخليل وسكانها حقيقة التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل في الضفة الغربية، ولذلك قام الفلسطينيون بتغيير اسمه واختاروا له عبارة “شارع الفصل العنصري”.

ويقول كاتس، عضو أحد المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية، إنه “كان يعيش في هذا الطريق، حوالي 50 عائلة فلسطينية. ولكن منذ سنة 2001، تم تقييد حركة مرور الفلسطينيين، وكنتيجة لذلك أصبح عدد العائلات الفلسطينية هنا لا يتجاوز الخمس”.

وتجدر الإشارة إلى أن المستوطنين اليهود يغيرون أسماء شوارع الخليل، في محاولة لإخفاء الهوية الفلسطينية للمدينة القديمة. كما عُلقت في شارع الشهداء لوحة باللغة العبرية كتب عليها “شارع الملك داود”. أما الجنود فيسمونه “شارع شيكاغو”.

ويقول كاتس، الجندي السابق في الجيش الإسرائيلي والذي انضم إلى منظمة “كسر الصمت” التي تعمل على فضح الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين؛ إن “الجيش وضعني في خدمة المستوطنين اليهود وعقيدتهم المتطرفة”؛ مستنكرا الاعتداءات التي ترتكب ضد الفلسطينيين على يد الإسرائيليين.

ويصف كاتس الجيش الإسرائيلي قائلا: “يعمل الجيش على إظهار تواجده في كل وقت، الأمر الذي يخلق شعور لدى الفلسطينيين بأنهم تحت ضغط مستمر ومراقبة من قبل الجنود. كما يبعثون في نفوسهم الخوف ويشوشون عليهم صفو حياتهم اليومية”.

مضيفا: “كجنود، تتمثل مهمتنا الرئيسية في حماية المستوطنين اليهود، ولكن إذا كان هناك تهديد للفلسطينيين، أو تعرضهم لهجوم، عندها يصبح الجيش والشرطة الإسرائيلية غير معنيين بالأمر”.

ويذكر عضو المنظمة غير الحكومة، أن “الجيش يعلم أن “الأمن” يستخدم لتوسيع المستعمرات بطريقة غير مشروعة، ولذلك يجب على الإسرائيليين كسر هذا الصمت، وانتقاد ما يحدث، فالاحتلال غير أخلاقي ويقتلنا كمجتمع”.

وأشار كاتس إلى أنه “في المناطق المحتلة، هناك نوعين من القوانين؛ ففي حين يخضع الفلسطينيون للقانون العسكري، يعامل المستوطنين اليهود بموجب القانون المدني الإسرائيلي”.

وفي الختام، يضيف كاتس: “هناك حياة صعبة بالنسبة للفلسطينيين وحياة طبيعية للمستوطنين”، ويتساءل قائلا: “هل هناك فعلا علاقة بين هذه الممارسات والأمن؟”.

 هذه المادة مترجمة من موقع الموندو للإطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا