المرصد

ميديا بار: ما هي الدول التي ساعدت النظام السوري في تصنيع الأسلحة الكيميائية؟ وكيف فعلت ذلك؟

تصدرت كلُّ من روسيا وأرمينيا وألمانيا الاتحادية قائمة أهم الدول التي زودت النظام بالتقنية وبالمواد الخام بهدف إنتاج الغاز القاتل. وقام علماء سوريون، من الذين شاركوا في هذا المشروع في وقت سابق، قبل أن يفروا من النظام للاستقرار في المنفى، بالكشف عن كل هذه الحقائق لصحيفة “ميديا بار” الفرنسية. وشهد هؤلاء على تواصل انتهاك الأسد للقانون الدولي إلى غاية الساعة، فضلاً عن وجود ترسانة كيميائية هائلة وسرية في سوريا.

وتجدر الإشارة إلى أن اتخاذ قرار إنتاج السارين من قبل حكومة دمشق يعود إلى أوائل الثمانينات. وقبل هذا التاريخ امتلكت سوريا سلاحاً كيميائياً وحيداً، تمثل في بعض الذخائر من الخردل والسارين. وفي الحقيقة، زودت مصر نظام دمشق بهذه الذخائر على إثر الحرب العربية الإسرائيلية، في شهر تشرين الأول/أكتوبر من سنة 1973م. وقد استخدمت دولة الأهرامات غاز الخردل، قبل بضع سنوات من هذا الصراع الذي دام نحو 100 سنة،  ضد القوات الملكية خلال حرب اليمن.

في المقابل اعتبر حافظ الأسد، الذي لم يرغب في استمرار تبعية دولته لبلد عربي آخر، ولا سيما في مسألة هذه الأسلحة الحساسة، أن على سوريا امتلاك ترسانة متكاملة من الأسلحة الكيميائية، يتم تصنيعها محلياً، بعد أن تُزودها الدول التي لا تهدد أمنها واستقلالها بالتقنيات وبالمنتجات الأساسية. ولتحقيق ذلك تم خلال السبعينات اختيار بعض الباحثين السوريين، من الذين حصلوا على شهادات علمية من ألمانيا، لإرسالهم إلى المختبرات الجامعية ومراكز الأبحاث المتوقعة في هذا البلد الأوروبي، لتكوينهم علمياً في مجال التركيبات الصناعية المؤثرة على الأعصاب. وقد استمر هذا التعاون العلمي بين البلدين إلى عام 1983م.

من جهتهم فسر الباحثون السوريون، لصحيفة ميديا بار، اختيار النظام السوري لألمانيا بأنه يعود إلى سمعة علمائها وصانعيها. وعلى الرغم من أن هذا التفسير يبدو مقنعاً ومنطقياً، إلا أن متخصصين آخرين أوردوا فرضية أخرى؛ تمثلت في النفوذ الواسع الذي بسطه مجرم الحرب النازي ألويس برونر، على امتداد سنوات طويلة، على قادة المخابرات السورية. فمنذ سنة 1950م لجأ هذا القائد السابق لمعسكر درانسي إلى دمشق، حيث وضع حداً لحياته خلال سنة 2001م. وفي هذا السياق أفاد أحد العلماء السوريين أن “جلّ الباحثين الذين أشرفوا على أولى عمليات تصنيع السارين في سوريا تلقوا بالتأكيد تكويناً في مجال تركيب خط الإنتاج في ألمانيا في وقت سابق”.

ودون شك اختار مركز الدراسات والأبحاث العلمية السوري الشركات الألمانية للتزود بمخططات الإنتاج والتقنيات، وبزجاجيات المختبر؛ وهي تسمية لمعدات بناء خطوط الإنتاج وحاويات التخزين، وبالمواد الكيميائية الأساسية اللازمة لإنتاج غاز السارين. وكان ذلك بناء على طلب الباحثين السوريين؛ نظراً لتعودهم على ظروف العمل في هذا البلد الأوروبي.

في هذا السياق أفاد العديد من العلماء الذين تحدثت إليهم صحيفة ميديا بار، أن شركة شوت مسؤولة عن تزويد النظام بزجاجيات المختبر. وفي لقاء جمعها بصحيفة “وول ستريت جورنال” في أيلول/سبتمبر من سنة 1988م، على خلفية رواج شائعات حول دورها في إنتاج الأسلحة الكيميائية في سوريا، لم تنفِ هذه الشركة بيعها معدات لحرفاء سوريين. لكنها صرحت في الوقت ذاته بأنها تجهل سبب تزود نظام دمشق بكميات هائلة من هذه المعدات. في حين كذب أحد الباحثين السوريين الذين حاورتهم “ميديا بار” ذلك، مبيناً أنه “من المستحيل أن يكون ادعاء شوت صحيحاً؛ ذلك أنه من السهل جداً معرفة أهداف استخدام هذه المعدات. فأي عالم في الكيمياء باستطاعته تخمين ذلك”.

والجدير بالذكر أن الغموض لا يزال يشوب عملية اقتناء معدات المختبرات من شركات هيراوس وريدل. فاستخدام هذه المواد يمكن أن يتم من قبل أي مركز أبحاث أو أي منتج للمواد الكيميائية المدنية. أمَّا بالنسبة للتركيبات التي صدرتها شركة ميرك للنظام، فإنها تنحدر من نوع “المكونات الكيميائية التابعة للفئة الثالثة”.

وبعبارة أخرى يتعلق الأمر”بسلائف السلائف”، التي لم تكن من مكونات غاز السارين، وإنما من المنتجات المستخدمة في تصنيع هذه التركيبات، أو العديد  من المنتجات الأخرى غير المؤذية على الإطلاق. ولهذا السبب يمكن أن تجهل شركة ميرك حقاً ما آل إليه الاستخدام النهائي لشحناتها المصدرة إلى دمشق. ولكن من الغريب أن المخابرات الألمانية لم تتساءل عن سبب ارتفاع طلبات هذه المواد، ذلك أنها واصلت تصديرها إلى سوريا منذ نحو عقدين من الزمن.

وفي شأن ذي صلة، تواصل تفضيل الكيميائيين العسكريين التابعين لمركز الدراسات والبحوث العلمية السوري للمنتجات الألمانية، إلى حدود السنوات الأولى من القرن الحالي. ورداً على مساءلات حزب اليسار “دي  لينكه” للحكومة، على خلفية الهجوم بالغاز الذي استهدف الغوطة، مخلفاً نحو 1400 قتيل و5000 جريح، بتاريخ 21 آب/أغسطس سنة 2013م، ومتسبباً بتدخل قوات عسكرية دولية في التراب السوري، اعترفت وزارة الاقتصاد الألمانية بتورطها في عملية إنتاج السارين.

كما صرحت أنها صدرت خلال السنوات العشر الماضية مواد كيميائية، مثل فلوريد الصوديوم وفلوريد الهيدروجين، يُمكن أن تكون من بين التركيبات المستعملة في دورة تركيب السارين، خلال السنوات العشر السابقة. وفي الواقع، لم يعارض المستشاران الألمانيان؛ غيرهارد شرودر (2002-2003) وإنجيلا ميركل (2005-2017)، تصدير أكثر من 40 طناً ثم 87 طناً من هذه المواد الكيميائية للنظام في دمشق.

وتم تصنيع غاز السارين السوري، أول غاز سام “حديث” ومنتج محلياً،  منذ نحو 30 سنة في مختبرات مركز الدراسات والبحوث العلمية، دون أن يتم تغيير برامج ومخططات التركيب الرئيسية المستوردة من ألمانيا. ووفقاً للباحثين السوريين المختصين في هذا المجال، فإن عملية التصنيع صعبة وخطرة للغاية.

وللتوضيح يُمكن أن يتم تخزين اثنين من “سلائف” الغاز في المكان نفسه، دون الخوف من مخاطر نشوب حريق أو انفجار. وخلافاً لذلك، لا يُمكن أن يتحصل أي عالم في الكيمياء، حتى إن كان محنكاً أو ممتلكاً للمكونات المناسبة للتصنيع، أو أي مجموعة إرهابية، على “وصفة” هذا الغاز أو تركيبته؛ فالأمر يتطلب دراية شاملة ودقيقة بمختلف مراحل الإنتاج، وبالمركبات الفوسفورية العضوية. إلى جانب ذلك لا تحتوي برامج التعليم الجامعي على كل هذه التفاصيل.

بصفة خاصة تفرض هذه العملية الالتزام بمقادير محددة وبظروف مادية معينة، منها درجة الحرارة، لاستخدام بعض المذيبات، والتعامل مع كميات كبيرة من المواد الخطرة مثل حمض الهيدروفلوريك. علاوة على ذلك تندرج بعض المكونات الأساسية لهذا الغاز ضمن ما يُسميه علماء الكيمياء “بالفرسان الخمسة”؛ وهي مواد تنعدم تطبيقاتها الصناعية في سوريا؛ ولذا يصعب جداً العثور عليها واستيرادها.  

وتعود بداية تصنيع الغازات المدمرة للأعصاب والمعتمدة في السارين، الذي اخترعه الكيميائيون الألمان الثلاثة  شرايدر وروديغر وفان در لينده في مختبرات فاربن، إلى سنة 1939. وفي الحقيقة يُنتج غاز السارين من خلال تفاعل الكحول الصناعي مع الأيزوبروبانول وميثيل فوسفونيل ديفلوريد، المشتق من كلوريد ميثيل، في خطوط إنتاج مغلفة بالتفلون النادر. ويُعتبر مكون ميثيل فوسفونيل ديفلوريد مستقراً للغاية، وغير قابل للاشتعال، كما يُمكن إبطال مفعوله عن طريق المياه.

من ناحية أخرى يمكن تخزينه لفترة طويلة، شرط أن يتم تغيير الحاويات التي يُوضع فيها بصفة دورية؛ نظراً لأنه شديد التآكل. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تُغلف هذه الحاويات، المصنوعة في ألمانيا والتي تحصل عليها مركز الدراسات والبحوث السوري عن طريق تاجر سويسري، بالتفلون.

مركز لإنتاج الغاز واختباره في جنوب شرق تدمر

ولإضفاء لمستهم على حمض الهيدروفلوريك، الذي يُعد نتاجاً لتفاعل ميثيل فوسفونيل ديفلوريد مع الأيزوبروبانول، عمد الباحثون السوريون إلى إضافة مركب كيميائي آخر لا يُشارك في عملية تركيب الغاز، بل يسهلها إلى عنصر الأيزوبروبانول. وتمثل هذا المركب في مادة هيكسامين، التي اعتبرت إحدى بصمات وخصوصيات السارين السوري.

أمَّا بالنسبة للخاصية الأخرى للغاز السوري السام، فقد تمثلت في مادة “ديسوبروميلتيفوسفانات”، وهي عبارة عن النفايات الكيميائية الناتجة عن عملية التصنيع الغازي الكيميائي. ونتيجة لكل هذه التفاعلات يتم الحصول على غاز السارين، الذي يُشبه الحليب السائل فضلاً عن أنه لزج قليلاً. وفي حال تنقيته لا تصدر عن هذا الغاز أي رائحة، أمَّا حين تكون عملية تفاعل المواد الكيميائية غير مكتملة أو فاشلة، فستصبح الرائحة حينها شبيهة برائحة التفاح المتعفن. وتجدر الإشارة إلى أن السارين السائل خطير جداً، ذلك أن لمسه قد يؤدي إلى الموت. أمَّا حين يتحول إلى سحابة غازية بعد أن يُذرّ بواسطة عبوة ناسفة مثلاً، فيقضي استنشاقه على حياة الإنسان.

ولاختبار فعاليته والجرعات التي سيتم استخدامها بحسب أماكن القصف، ودرجة الحرارة، وقوة الرياح إلى جانب خاصيات أخرى، أنشأ مركز الدراسات والبحوث العلمية في جنوب شرق تدمر، وعلى امتداد الطريق الذي يؤدي إلى الحدود العراقية أي في الصحراء، مركزاً للإنتاج واختبار السارين عُرف المسؤولون المشرفون عليه بإقدامهم على تجربة كل التركيبات الكيميائية، مهما كانت درجة خطورتها أو وحشيتها.  

في هذا الصدد أورد أحد العلماء الذين حاورتهم صحيفة ميديا بار، أنه لاحظ أثناء إحدى زياراته إلى هذا المبنى، وجود نوافذ لا تُفتح إلا من الخارج. وقد صرح هذا العالم قائلاً: “سألت أحد زملائي عمَّا إذا كان ذلك مجرد خطأ. إلا أنه نفى هذا الاحتمال؛ حيث أفاد أنه يتم داخل هذا المركز اختبار مفعول الغازات على عدد من معتقلي سجن تدمر. ونصحني أن أنسى كل ما شاهدته وسمعته هناك. وحالياً لم يعد هذا المبنى موجوداً؛ فقد تم تدميره، مثل بقية المواقع الأخرى، في سنة 2013، إثر الاتفاق الروسي الأمريكي بخصوص حظر الأسلحة الكيميائية”.

تتمثل إحدى مساوئ السارين السوري، من وجهة نظر مستخدميه العسكريين، في انعدام استقراره. وفي الواقع لا يمكن الاحتفاظ بالسارين في حالته النهائية إلا بضعة أيام، قبل أن يبدأ في إنتاج غاز يخلق ضغطاً داخل القذائف؛ ما يجعل تخزينه عملية خطرة للغاية. ومن ثم يتحتم تجهيز كل قاعدة، من تلك التي يجب أن تقلع منها الطائرات المحملة بالقنابل، بالسارين من مواقع تخزين السلائف وإعداد الذخائر. فضلاً عن ذلك، كان على المهندسين في مركز الدراسات والبحوث العلمية أن يطوروا قنابل مختلفة للغاية، انطلاقاً من ذخائر تقليدية.

وفي هذا السياق فسّر أحد المهندسين أن “هذه القنابل تشبه في شكلها الخارجي القنابل المتعارف عليها، التي يتراوح وزنها بين 250 و500 كيلوغرام، وتحتوي على مادة “تي إن تي” أو “تراي نيترو تولوين”. أمَّا من الداخل فهي مختلفة تماماً؛ ذلك أنها تنقسم إلى قسمين منفصلين. ويحتوي القسم الأول في الأمام على “ميثيل فوسفونيل ديفلوريد”، في حين يحتوي الثاني في الخلف على مزيج من الإيزوبوبانول والهكسامين”.

وأضاف المهندس أن “الخليط يتم مزجه بالاعتماد على خلاط يمكن تشغيله باستخدام مرفق في الجزء الخلفي من القنبلة. وعند امتلاء قسمي القنبلة، يقوم أحد التقنيين بتحريك المرفق الذي يدفع بالخلاط لكسر غلاف اللُّكاث أو “الميكا”. وعند هذه النقطة ينطلق التفاعل الاصطناعي للسارين داخل القنبلة، التي توضع تحت تدفق مائي بارد، ويُحتفظ بها في درجة حرارة مُحدّدة للغاية، ويتم مُراقبتها بالاعتماد على مقياس حرارة بالليزر”.

وخلال المرحلة الأخيرة “يتم تزويد مقدمة القنبلة بالحمولة الناسفة وجهاز تفعيل تفجير القنبلة، سواء كان “مقياساً للارتفاع” أو “كرونومتراً” أو غيرهما، ومن ثم تعليق القنبلة تحت جناح الطائرة. من جهة أخرى يجب تحديد مقدار حمولة القنبلة بدقة متناهية، إذ يمكن أن تتسبب الحرارة الصادرة عنها، في حال كانت كبيرة للغاية، في تحلل المنتج، أو تشكّل سحابة من الغاز بعيداً عن الأرض، وهو ما سيجعلها غير فعالة”.

علاوة على ذلك “ومن حيث المبدأ، تحتوي قنبلة تزن 250 كيلوغراماً على 133 لتراً من السارين، وبضع كيلوغرامات من مادة “تي إن تي”، بالإضافة إلى صابورة بهدف الحفاظ على الخصائص الديناميكية الهوائية للذخيرة. أمَّا القنبلة التي تزن 500 كيلوغرام، فتحتوي على 266 لتراً من السارين. وعموماً يصل الارتفاع المثالي لانفجار القنبلة وتكوُّن السحابة إلى نحو 60 متراً”.

وعند الإحاطة علماً بقدرة هذا الغاز على القتل في جرعات صغيرة، فضلاً عن الأضرار العصبية الدائمة التي يخلّفها للجرحى، لنا أن نتصور آنذاك القدرة القاتلة لقنبلة مماثلة حين يتم إلقاؤها على منطقة مكتظة بالسكان، علاوة على تأثيرها المُرهب على أهالي المناطق المجاورة. ووفقاً لزعماء المعارضة المشاركين في مفاوضات السلام العقيمة حتى هذه اللحظة، في كل من أستانة وجنيف، يؤدي السارين دوراً رئيسياً ضمن استراتيجية بشار الأسد القائمة على تشريد الأهالي.

وفي بداية الثمانينات تم إنشاء أول مركز لإنتاج السارين بالقرب من مدينة الضمير، شمال شرق دمشق. في أعقاب ذلك، وعلى امتداد نحو 10 سنوات، أنتج المعهد 3000، التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية، مئات الأطنان من غاز السارين، التي تم تخزينها في حالة جمود في شكل سلائف سائلة من ميثيل فوسفونيل ديفلوريد والإيزوبوبانول.

ويتطلب تخزين الغاز مراقبة مستمرة، إذ إن ذلك ليس مرتبطاً باحتمال إنتاجه وتسرّبه غير المقصود، الأمر الذي يُعدّ مستحيلاً، إنما هو مرتبط بضرورة مراقبة حاويات الغاز، المُغلّفة بمادة التيفلون، بشكل منتظم. وتُعتبر هذه الحاويات مكلفة ونادرة في السوق، كما أنها تحتوي على ميثيل فوسفونيل ديفلوريد، بالإضافة إلى أن الميثيل فوسفونيل ديفلوريد والإيزوبوبانول قابلان للتدمير أو التلف بفعل المياه أو بخار الماء.

منعطف حرب الخليج

في أواخر الثمانينات، ولأسباب يجهلها المتحدثون إلى صحيفة ميديا بار، ربما بسبب الحذر المتزايد للموردين، أصبح من الصعب للغاية العثور على بعض مكونات السارين. ولذا تحول علماء الكيمياء العاملون في القسم 3000 إلى استخدام غاز أعصاب آخر يُدعى “في أكس”.

وتجدر الإشارة إلى أن غاز “في أكس”، الذي تم اختراعه في بداية الخمسينات من قبل باحثين بريطانيين، يُعتبر أكثر فتكاً بعشر مرات من السارين وأكثر استقراراً بكثير. من جانب آخر، يتخذ غاز “في أكس” شكل سائل زيتي قابل للانتشار في الهواء كما في الماء.

أمَّا بالنسبة للمسؤولين السوريين فيمتلك هذا الغاز ميزة أخرى؛ تتمثل في تركيبته الاصطناعية، وسلائفه التي بالإمكان الحصول عليها بعد التفاوض من أرمينيا. في الواقع اعتبر قادة مركز الدراسات والبحوث العلمية أن السعر المفروض من قبل الخبراء الروس مقابل خبراتهم مُشتطّ للغاية، ومن ثم نجحوا في الحصول على شروط مالية مقبولة أكثر من الأرمن. ولعدة سنوات قام موقع تحت الأرض، مُخبّأ بالقرب من مدينة النبك، على بعد 75 كيلومتراً شمال شرق دمشق، بإنتاج غاز “في أكس”.

وفي هذا الإطار أفاد باحث سوري أنه “خلال اختبار إسقاط قنابل غاز “في أكس” من طائرة مروحية على منطقة قام العسكريون بإخلائها وتطويقها، انفجرت الذخائر على ارتفاع 400 متر، في حين كان من المفترض أن تنفجر على ارتفاع 60 متراً. في الحقيقة كانت الرياح عند ذلك الارتفاع قوية بما يكفي لدفع السحابة بعيداً بنحو 25 كيلومتراً عن المنطقة المستهدفة؛ ما تسبب في القضاء على قطيع متكون من 400 غنمة. من جهتها سارعت الحكومة إلى دفع تعويضات لمالك القطيع، موضحة أن الأمر متعلق باختبار فاشل لمنتج للصحة النباتية”.  

في تلك الأثناء قامت حرب الخليج سنة 1991م بوضع حد، بشكل مؤقت، لإنشاء مخزون من غاز “في أكس”؛ وذلك لأسباب غريبة. في غضون ذلك اختار النظام السوري الانضمام إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد صدام حسين.

في المقابل خشي حافظ الأسد، وفقاً للعديد من المتحدثين لصحيفة ميديا بار، من إقدام الطيران الأمريكي على قصف مواقع إنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية في المنطقة، بما في ذلك المواقع السورية. ونتيجة لذلك أمر الأسد بإيقاف الإنتاج وتفكيك المختبرات؛ وذلك لمعرفته بالمخاطر الهائلة التي يمثلها الإطلاق العرضي لغاز “في أكس” في الجو على جنوده والسكان المدنيين على حد سواء.

وبعد مرور سنتين، وحين شعر الأسد بالاطمئنان وقرر استئناف الإنتاج، اتضح أن ظروف السوق قد تغيرت، حيث إن المكونات المتأتية من مصادر عديدة أصبحت تكلفتها أعلى بشكل متزايد. ومن هذا المنطلق، بدأ مركز الدراسات والبحوث العلمية بإنتاجها وحده، بالاعتماد على المواد الخام المستوردة، وتم استئناف الإنتاج في مدينة النبك.

خلافاً لذلك، وفي سنة 2011م، تعرّض قسم 3000 لضربة قاضية حين تم اعتقال مديره، أيمن الهبل، الذي اتهمته المخابرات بالفساد. وعلى الرغم من أن الهبل كان مخبراً لوكالة المخابرات المركزية، إلا أنه لم يكن متورطاً في شبكة فساد. من جانبه ظن الرجل أن استجوابه كان متعلقاً بالتجسس، فاعترف بالعلاقات التي تجمعه بعميل أمريكي للمحققين الذين لم يكونوا على علم بشيء. ونتيجة لذلك تم تنفيذ حكم الإعدام على الهبل في 11 نيسان/أبريل سنة 2012م.

وخلال نفس السنة توقف إنتاج غاز “في أكس”؛ بسبب عدم توفر المواد الخام. والجدير بالذكر أن العملية الأمريكية ضد العراق وأسلحة الدمار الشامل “التي لا أثر لها”، قد استقطبت اهتماماً حول العناصر المحتملة للأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية؛ ما تسبب في نقص حاد لتلك العناصر.

وبالاعتماد على خبرته العميقة في مجال الغازات المدمرة للأعصاب، عمد مركز الدراسات والبحوث العلمية إلى استبدال غاز “في أكس” بغاز الخردل الذي تم استعماله خلال حرب 1914 و1918. وقد أُنتج غاز الخردل إلى غاية سنة 2007 في مصنع سري في مدينة النبك عوضاً عن غاز “في أكس”.

عموماً لم يكن من الصعب العثور على المواد الأساسية لغاز الخردل، حيث تتمثل إحداها في سلفيد الصوديوم المُستخدم في المدابغ، علاوة على الغليكول الذي يُعد أحد مكونات مضاد التجمد للسيارات. وينتمي هذان المكونان إلى ما يُطلق عليه علماء الكيمياء “الفئة 3″، التي تحتوي على المنتجات التي يستحيل حظرها. وفي هذه الحالة جُلب سلفيد الصوديوم من إيران، وحمض الهيدروكلوريك من باكستان، والغليكول من هولندا.

ومع قدوم بشار الأسد للسلطة في حزيران/يونيو سنة 2000، كان لجيشه عدة مئات من الأطنان من الغازات السامة؛ وهي السارين، “وفي أكس”، وغاز الخردل.

1000 طن من هذه الأسلحة في سنة 2011

من جانبهم اعتبر العسكريون غاز السارين عاملاً تكتيكياً، حيث إنه يتبخر بسهولة بالغة، كما أن فاعليته تعتمد على درجة الحرارة، وعلى سرعة الرياح، وعلى نوعية الأرض التي يسقط عليها. ولذا تُعقّد هذه الفعالية المتقلبة الاستخدام العملي لهذا الغاز. في المقابل يُعتبر غاز الخردل، من وجهة نظرهم، أقل فتكاً بكثير من السارين، فضلاً عن أنه أكثر فائدة على أرض المعركة.

في هذا السياق يتسبب غاز الخردل في إصابات وآلام للعدو من شأنها أن تؤدي إلى العجز. من جانب آخر يتطلب جمع جثث الموتى عدداً أقل من الجنود، مقارنة بعمليات العلاج التي سيتم توفيرها للجرحى في حال إصابتهم بالسارين، حيث إن الأمر يستدعي اثنين أو ثلاثة من حمالي الجرحى وعمال الإنقاذ.  

من جانب آخر، لم يول العالم أهمية كبرى لبرنامج سوريا لتصنيع الأسلحة الكيميائية. ومع حلول سنة 2003 تعاون النظام السوري لتصنيع سلاحه الخبيث مع دولة نووية وهي كوريا الشمالية. وسرعان ما تحول حلم النظام السوري من امتلاك سلاح كيميائي إلى تصنيع سلاح نووي.

في هذا الإطار بدأ الكوريون بتركيز مفاعل نووي في بلدة آل كيبار‎ المتاخمة لمدينة دير الزور شرقي سوريا. وبالنسبة لنظام الأسد، فقد كان هذا المفاعل يشكل حجر الأساس مستقبلاً لتصنيع السلاح النووي. ولكن النظام يعلم جيداً أن هذا المشروع المستقبلي لن يمر مرور الكرام على إسرائيل.

وبالفعل، ومع منتصف ليلة 6 أيلول/سبتمبر من سنة 2007م، نجح سرب من طائرات “إف-15″ و”إف-16” الإسرائيلية في مراوغة الرادارات والمدافع المضادة للطائرات السورية، قبل أن تدمر المفاعل النووي الذي لازال في طور البناء، حيث قتل خلال هذا الهجوم 10 تقنيين من كوريا الشمالية.

من جهة أخرى، عاد النظام السوري وركز على برنامجه لإنتاج السلاح الكيميائي، وقد باشر مركز الدراسات والبحوث العلمية مهامه في ذلك، حيث باشر الباحثون في القسم رقم 3000 العمل باعتماد تركيبة جديدة لإنتاج الغاز السام، مستمدة من مواد أولية محلية وسهلة المنال.

أمَّا بالنسبة لباقي المواد فقد تم اقتناؤها من الخارج، على غرار زجاجيات المختبر من شركة هندية، حيث استلمت دمشق أول طلبية اقتنتها. ولكن الحمولة الثانية اعترضت طريقها الولايات المتحدة قبل أن تقوم بمصادرتها سنة 2008. وعلى الرغم من مصادرة هذه السلع المخبرية، فإن ذلك لم يعرقل مواصلة دمشق إنتاج سلاحها الكيماوي.

خلال سنة 2011، وتحديداً مع انطلاق الثورة السورية، ذكر أحد الباحثين السوريين أن قرابة 1000 طن من الأسلحة الكيميائية كانت محفوظة في مستودعات التخزين. وفي هذا السياق أكد الباحث المنشق عن النظام لصحيفة “ميديا بار” أنه “مع انطلاق الثورة السورية، أتذكر جيداً أن مستودعات التخزين كانت تحتضن قرابة 700 طن من غاز السارين، و100 طن من غاز “في أكس” المشل للأعصاب، و263 طناً من غاز الخردل. وكانت كل هذه الكميات من الغازات السامة معدة لتسليح الرؤوس الحربية الخاصة بنحو 3000 قنبلة وصواريخ سكود”.

وواصل الباحث كلامه “لقد كان بحوزتنا أيضاً مادة الكلور ومادة “ريسين”، حيث تم استخراجها من حبوب نبتة الخروع التي كنا نزرعها على مقربة من مدينة اللاذقية. كذلك كنا ننتج في المركز غاز “البي زاد”، وهو غاز يسبب الهلوسة، وهو أكثر تركيزاً من مادة “ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك”…وقد وقع تطوير هذا الغاز في المركز السوري للبحوث، قبل أن يوضع بين يدي أجهزة المخابرات لاستعماله في تعذيب الناس خلال الاستجوابات… ومن مخاطر غاز “البي زاد” ترك تشوهات فيزيولوجية دائمة… وأذكر جيداً أن أحد العلماء المشرفين على إنتاج هذا الغاز قد جُنَّ؛ نتيجة قوة تركيز غاز “البي زاد” الذي يسبب الهلوسة”.

وفي السياق نفسه أعدَّ الجيش السوري سنة 2010 قرابة نوعين من القنابل الكيميائية. أولاً، ما يسمى بالقنابل التقليدية التي تزن 250 و500 كيلوغرام، حيث تم إطلاقها من طائرات “سوخوي “22 “وميغ 23″، كما يمكن تحميلها في رؤوس صواريخ سكود أرض-أرض، ويبلغ مدى هذه الصواريخ بين 300 و700 كيلومتر.

وبحسب الخبير المنشق، فإن هذه الصواريخ قادرة على حمل 450 كيلوغراماً من غاز السارين. وبأمر مباشر من بشار الأسد تم تجهيز باقي القوات بهذا الغاز، حيث أضحى للجيش السوري في ذلك الوقت ترسانة هامة من الأسلحة الكيميائية. وتجدر الإشارة إلى أن سلاح الجو تم تعزيزه بقنابل موجهة وحاملة لغاز السارين.

ونضيف على هذه الأسلحة الاستراتيجية، القنابل الملقاة من الطائرات المروحية، حيث جهزت هي الأخرى برؤوس كيميائية. والجدير بالذكر أن الجيش السوري كان مجهزاً بصواريخ “أو تي آر-21 توشكا” من روسيا، وصواريخ “فاتح 110” أرض- أرض من إيران والتي يصل مداها إلى قرابة 270 كيلومتراً. ودُعمت المدافع المضادة للدبابات بما بين 40 و60 كيلوغراماً من غاز السارين لكل مدفع.أما بالنسبة للمصفحات الثقيلة فقد جهزت بمدافع لإطلاق صواريخ أرض-أرض يبلغ قطرها قرابة 330 مم، في حين يبلغ قطر الصاروخ 122 مم.

وذكر الخبير المنشق أن “المركز السوري للأبحاث قد صمم منصة إطلاق صواريخ خاصة، تم تركيزها على ظهر شاحنة مصفحة خاصة. وقد  صنعت هذه الشاحنة في تركيا، حيث تم إدخالها لسوريا على أساس أنها شاحنة معدة لأعمال البناء الكبرى. وقد أطلقت من هذه المنصة في آب/أغسطس سنة 2013 عشرات الصواريخ التي أدت إلى مقتل 1500 شخص في الغوطة”.

أمَّا الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، فكان قاب قوسين من قصف المواقع الاستراتيجية السورية التي تحتضن الأسلحة الكيميائية. لكن العملية ألغيت في الدقائق الأخيرة بتعلة تحفظ البرلمان البريطاني على العملية برمتها، كما رفض أوباما المشاركة في القصف دون أخذ مشورة الكونغرس ودون حضور لندن إلى جانبه.

وخلال هذه المرحلة اتفق الروس والأميركيون، خلال مؤتمر جنيف المنعقد يوم 14 أيلول/سبتمبر من سنة 2013م، على إجبار سوريا على التخلي عن سلاحها الكيميائي، وإتلاف ما تبقى منه تحت إشراف كل من واشنطن وموسكو والأمم المتحدة. وبالفعل قرر النظام المصادقة على معاهدة 1997 التي تحجر إنتاج وتصنيع وتخزين واستعمال أسلحة كيميائية.

في يونيو/حزيران سنة 2014، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن 92 بالمئة فقط من ترسانة سوريا من الأسلحة الكيميائية قد أُتلفت. أمَّا ما تبقى فتم تجميعه في مستودع خاص مؤمن من قبل قوات النظام، الذي يعمل على الحفاظ على باقي الأسلحة لدواعٍ أمنية. ولسائل أن يسأل؛ ألا يعني ذلك أن سوريا لم تتلف كامل ترسانتها من الأسلحة الكيميائية التي وعدت بإتلافها؟

في الحقيقة لم تتلف سوريا ترسانتها كلها كما وعدت، حيث أكدت منظمة العفو الدولية أنه قد ثبت استعمال النظام السوري لغاز الكلور في سلسلة هجمات شنها ضد مدنيين سنة 2015. وفي هذا الإطار ذكر أحد العلماء المنشقين عن النظام أن “مادة الكلور تعد سهلة المنال بالنسبة للنظام، حيث تتوفر هذه المادة لدى جل دول العالم إذ إنها تستعمل لمعالجة المياه… لذلك حلت هذه المادة محل غاز السارين”.

وبحسب ” تقييم وطني” نشر خلال شهر نيسان/ أبريل سنة 2017 استناداً لمجهودٍ قامت به مراكز أبحاث تابعة لأجهزة مخابرات فرنسية بالتعاون مع وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية، فقد تم تسجيل هجمات نفذها النظام السوري مستعملاً أسلحة تحتوي على غاز السارين وغاز الكلور، وقد جاءت هذه الهجمات بعد توقيع سوريا رسمياً على معاهدة حظر استعمال الأسلحة الكيميائية خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر سنة 2013. وفي هذا السياق أثبتت التحقيقات استعمال النظام السوري لغاز الكلور في ثلاث مناسبات منذ مطلع سنة 2017. وفي الصدد نفسه، أشارت أجهزة المخابرات الفرنسية إلى أن سوريا تحاول منذ سنة 2014 إدخال شحنة من مادة ” إيزوبروبانول” لاستعمالها في الأسلحة.

وأكد باحث منشق عن النظام السوري أن “بشار الأسد وقع الاتفاقية القاضية بحظر السلاح الكيميائي فقط تلبية لطلب موسكو وواشنطن. لكنه في الحقيقة أثبت للعالم أنه لم يتخل عن هذا السلاح، حيث لا تزال سوريا تمتلك ترسانة هامة من السلاح الكيميائي بشكل سري منذ سنة 2013… وقد قام النظام بمراوغة المراقبين الدوليين، إذ أكد لهم أن أغلب مخازن السلاح الكيميائي لا يمكن الوصول إليها نظراً لأنها في مناطق متوترة من البلاد وتعمها الفوضى نتيجة للمعارك… وأنا موقن بأن النظام لا زال يخفي أطناناً من الغازات السامة تصل إلى قرابة 35 طناً”.

وفي الموضوع نفسه، ألقى الممثل السامي للأمم المتحدة المختص في قضايا نزع السلاح بياناً يوم 23 أيار/ مايو أمام مجلس الأمن، أكد فيه أن 24 من جملة 27 مركزاً لإنتاج وتخزين السلاح الكيميائي في سوريا قد تم إتلافها. في المقابل تعرقل التوترات الأمنية الوصول إلى المواقع الثلاثة المتبقية، والتي من بينها مستودع للطائرات. بعد ذلك ظهرت نتائج تحقيقات استعمال السلاح الكيميائي في سوريا خلال الفترة الممتدة بين أواخر سنة 2016 وأوائل سنة 2017. وقد أثبتت هذه التحقيقات أن النظام السوري استعمل المواد السامة في عدة مناطق من البلاد؛ ممَّا يؤكد أنه لا زال يتكتم على مخزونه الحقيقي من هذا السلاح.

في 4 نيسان/أبريل سنة 2017، قصف طيران بشار الأسد بلدة خان شيخون بالأسلحة والقنابل الكيميائية. وقد تبع هذا القصف عمليات “ثأر” أمريكية جاءت رداً على قصف النظام السوري لبلدة خان شيخون. كما استهدف الأمريكيون مواقع تابعة للنظام السوري بصواريخ كروز.

وفي سياق مغاير، لا زالت الأزمة السورية تغرق في بحر حرب دموية، بين وقف لإطلاق النار لا يدوم طويلاً، وهجرة السوريين التي تتنامى بصفة مستمرة.

وفي الوقت نفسه لا يزال بشار الأسد متشبثاً بكرسي الحكم، كما أنه لم يتوقف عن إنكار تهمة استعمال غاز السارين. ولسائل أن يسأل؛ كيف يمكن إشراك رئيس في حل أزمة بلاده، مع العلم أنه قتل قرابة 300 ألف شخص من شعبه من أجل أن يحافظ على كرسي الرئاسة؟ وكيف نتقبل فكرة أن يجلس هذا الديكتاتور الهمجي على طاولة المفاوضات، وهو لا يزال يخفي ترسانة من الأسلحة الكيميائية يصطاد بها أبناء شعبه الواحد تلو الآخر؟

الصحيفة : ميديا بار الفرنسية

المصدر: https://www.mediapart.fr/journal/international/020617/armes-chimiques-le-regime-syrien-construit-son-arsenal-avec-laide-de-plusieurs-pays?page_article=1