المرصد

كارنيغي الروسي: كيف يمكن لتركيا ضمان استتباب الأمن والاستقرار في ظل المخاطر التي تحدق بها؟

38448062_401

 نشر مركز “كارينغي الروسي للدراسات”، دراسة تحدّث فيها عن الشأن التركي في فترة ما بعد الاستفتاء الدستوري، الذي تباينت حوله آراء الخبراء والمحلّلين في مختلف دول العالم وليس في تركيا والشرق الأوسط فحسب. وقد اعتبر البعض أنّ الاستفتاء يقوض مبادئ الديمقراطية ويؤسس لقيام دولة ديكتاتورية جديدة بقيادة “أردوغان”، بينما نفى البعض الآخر هذه التحليلات واعتبر الاستفتاء بدايةً لمرحلةٍ جديدة في السياسة التركية. والجدير بالذكر، أنّ القيادة التركية تواجه العديد من التحديات الداخلية والخارجية، التي قد تمنح المعارضة فرصةً ولو ضئيلةً للفوز في انتخابات سنة 2019.

وفي السياق نفسه، وافق الشعب التركي في منتصف نيسان/ أبريل الماضي، على التعديلات الدستورية التي تفيد بتغيير شكل الحكم من برلمانيٍّ إلى رئاسيٍّ وما يترتّب عنه من منح الرئيس المزيد من الصلاحيات، فضلاً عن إلغاء منصب رئيس الوزراء، وغيرها من التعديلات الأخرى، التي ستدخل حيز التنفيذ مع فوز “رجب طيب أردوغان” في الانتخابات الرئاسية لسنة 2019.

طيلة السنوات الماضية، اجتهدت السلطات التركية في إقناع الأتراك بالتصويت لصالح التعديلات. وفي الوقت نفسه، واجهت السلطات التركية انتقادٍ إعلاميٍّ حادّ من العديد من الدول الأوروبية، بمن فيهم بعض أعداء أردوغان داخل تركيا وخارجها. وعلى الرغم من التحديات التي اعترضت طريقه، تمكّن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” من كسب ثقة شعبه والحصول على دعم أكثر من 51 بالمائة من الشعب التركي، ما كان كافياً لانتصاره في الاستفتاء. من جهة أخرى، لن يكون فوز أردوغان في الاستفتاء مجدياً حتى يتمكن من ضمان فترة استقرار تدوم حتى الانتخابات سنة 2019.

 

الأمن، والأكراد والاقتصاد

لم يكن لدى السلطات التركية الكثير من الوقت حتى تقنع كل الناخبين بالتصويت لصالح التعديلات، إذ أن ذلك لا يقتصر على المعارضة التركية فقط وإنما على المواطنين العاديين الذين كانت المشاكل الداخلية والخارجية أحد الأسباب التي منعتهم من التصويت لصالح أردوغان.

وفي سياقٍ متصل، لا يخفى على الجميع أنّ الأزمة السورية كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على تركيا، وذلك من خلال أزمة اللاجئين (تقريباً ثلاثة ملايين سوريٍّ في تركيا) التي أثرت على المجتمع التركي، ناهيك عن مشكلة الأكراد الذين يلعبون دوراً في الحرب السورية، والذين تجمعهم مع تركيا علاقات عداوةٍ قديمة، فضلاً عن تنامي خطر الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط عموماً وفي تركيا بصفةٍ خاصة.

وعلى هذا الأساس، حتى تقنع السلطات التركية الجزء الرافض للتعديلات الدستورية بالتصويت لصالح أردوغان في انتخابات 2019، كان على الرئيس التركي أردوغان خوض العديد من التحديات، أهمها إثبات قدرته على حلّ المشاكل الأمنية آنذاك. وتجدر الإشارة إلى أنّ الحكومة التركية أكدت عشية الاستفتاء أنه عندما يكون الرئيس قوياً سيسهل حلّ القضايا الأمنية. وفي حين أنّ المشاكل الأمنية تعتبر أحد الأسباب التي أدت إلى عزوف نسبة من الشعب عن التصويت لصالح الاستفتاء، فإنّ الخوف من تزايد الهجمات دفع الشق الآخر من الشعب إلى التصويت لصالح التعديلات معتبرين بذلك أردوغان الشخص الوحيد القادر على السيطرة على الأوضاع.

وفي شأن ذي صلة، لا يعتبر معارضو التعديلات أنّ للإرهاب في بلادهم صلة بالحاجة لتغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي. فبالنسبة للمعارضة، يعزى سبب تنامي الإرهاب على الأراضي التركية إلى النتائج العكسية لسياسة القيادة السورية المتهورة وغير المدروسة، فضلاً عن عدم قدرة دمشق على التفاوض مع الأكراد. وعندما خرجت الأمور عن نصابها وفقد النظام السوري السيطرة، تحتّم على القيادة التركية التصرف على مستوى السياسة الخارجية.

وفي هذا الصدد، ارتفع عدد الهجمات الإرهابية المنفذة في تركيا سنة 2015، حيث وقع هجومٌ انتحاريّ في مدينة سروج التركية في صيف سنة 2015. كما شهد مطار “صبيحة غوكتشين” في إسطنبول هجوماً إرهابيّاً في كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2015. وقبلها بعدّة أشهر، اهتزت العاصمة التركية أنقرة على خلفية هجومٍ إرهابيٍّ نفذه انتحاريّان استهدف محطة القطارات الرئيسية ما أسفر عن مقتل ما يقارب 100 شخصٍ، بالإضافة إلى العديد من الهجمات الإرهابية الأخرى التي جعلت سنة 2015 السنة الأصعب في تاريخ تركيا.

ومن هذا المنطلق، ليس من المستغرب أن يتفشى الخوف في صفوف الشعب التركي نظراً لأنّ الهجمات الإرهابية المنفذة في السنوات الأخيرة كانت على يد انتحاريّين وفي الأماكن العامة. وتعتبر كل القضايا الأمنية في تركيا وثيقة الصلة بالمسألة الكردية، التي مثلت مشكلةً كبيرةً لدى أنقرة منذ فترةٍ طويلةٍ، علماً بأن الأكراد يمثلون 20 بالمائة من سكان تركيا. وفي السياق نفسه، حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إيجاد حلٍّ مع الأكراد وعدم استخدام الأساليب العنيفة، لتنطلق بذلك عملية التسوية السلمية للقضية الكردية سنة 2012.

لكن، سرعان ما بدأت العلاقات التركية الكردية في التراجع، ففي سنة 2013 وعلى الرغم من سلسة الإصلاحات التي أحدثتها تركيا لتعزيز حقوق الأكراد، تدهورت العلاقات بين الطرفين. وعلى خلفية هذه المشاكل، لم يدم السلام طويلاً بين الطرفين ففي سنة 2015 اندلع صراعٌ جديد، وفي تموز/ يوليو من نفس السنة، أكّد حزب العمال الكردستاني أنّه لن يدعم الهدنة مع أنقرة.

ووفقاً لما ذُكر آنفاً، ليس من المستغرب أن تصوّت المناطق الكردية في تركيا ضد التعديلات الدستورية نظراً لموقف الأكراد السلبيّ تجاه السلطات الحالية التركية، فضلاً عن تنامي مشاعر القومية الكردية المعادية لتركيا. من جهة أخرى، يعتبر موقف أنقرة من أكراد سوريا سلبياً للغاية خاصةً وأنها تعتبرهم أحد فروع حزب العمال الكردستاني الذي تعاملت معه عسكرياً لتحول دون تعزيز نفوذه في الحرب السورية.

وفي الإطار نفسه، بدأت المشاكل الداخلية والخارجية تؤثر سلباً على الاقتصاد التركي، إذ أنّ عدم الاستقرار السياسي يخيف المستثمرين الأجانب، ويذكر أنّ حجم تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا منذ سنة 2016 بدأ ينخفض بصفةٍ غير مسبوقة، بسبب انعكاسات الهجمات الإرهابية. كما تدهور القطاع السياحي وشهدت تركيا انخفاض عدد السياح الأجانب، إلى جانب انخفاض قيمة الليرة التركية مقابل الدولار.

 

من، إذا لم يكن أردوغان؟

بعد الفوز في الاستفتاء، وعدت القيادة التركية أنصارها بإيجاد حلولٍ للمشاكل الداخلية والخارجية المتراكمة في المستقبل القريب، إلا أن تركيا لازالت تواجه العديد من التحديات. وفي هذا الصدد،  سيكون على تركيا أن تُحسّن الاستعداد للانتخابات الرئاسية سنة 2019 التي من شأنها أن تحدد مصير الدولة  في السنوات وحتى العقود القادمة.

وعلى الرغم من اعتبار البعض الاستفتاء بمثابة تحوّل النظام التركي لنظام دكتاتوريٍّ إلا أن الانتخابات القادمة تشير إلى عكس ذلك. فوفقاً لبعض الخبراء، بالنظر إلى المشاكل الداخلية والخارجية التي تواجهها القيادة التركية الحالية سيكون لدى المعارضة فرصة هامة للفوز في انتخابات سنة 2019. وعلى هذا الأساس، من الممكن القول أنّ أعداء أردوغان الاستراتيجيين يعملون على خلق المشاكل في تركيا لمنح المعارضة هذه الفرصة.

لكن السؤال المطروح هنا؛ هل يوجد بديلٌ حقيقيٌّ للرئيس التركي الحالي، “رجب طيب أردوغان”؟ وإذا وجد هذا البديل وتم انتخابه سنة 2019، فهل سيكون هذا البديل قادراً على الحفاظ على مكانة تركيا القوية في الشرق الأوسط وعلى الساحة السياسية الدولية؟ وهل سيكون بمقدور ذلك البديل مجابهة التحديات الكبيرة التي تشهدها تركيا في الوقت الراهن؟

في الحقيقية، تمكن الرئيس التركي الحالي من إثبات نفسه كقائدٍ قويٍّ ومؤثرٍ في الساحة السياسية الدولية والإقليمية منذ توليه الحكم. وبعبارة أخرى، إن دلّ هذا على شيء فهو يدلّ على أنه من الصعب إيجاد شخصيةٍ سياسيةٍ قادرةٍ على توحيد صفوف الشعب التركي مثل أردوغان. فبالإضافة إلى شخصيته القوية والكاريزما التي تميزه عن غيره من الساسة، تمكن أردوغان من التأثير في الشعب التركي بل وحتى في الشعب العربي الإسلاميّ بفضل حنكته السياسية. وبغض النظر عما إذا كان هناك فعلاً شخصيةً سياسيةً بإمكانها مجاراة أردوغان، فسيتحتم على المرشح الجديد لرئاسة تركيا إقناع مؤيدي حزب العدالة والتنمية بالتصويت له، وهذا بطبيعة الحال سيكون مستحيلا.

 وعلى الرغم من كل ما ذُكر آنفاً، فإن عامين ونصف قبل الانتخابات الرئاسية في تركيا لا يمكن أن تجزم إن كان الرئيس أردوغان هو الرئيس القادم لتركيا أم لا، علماً وأن نتائج الاستفتاء كانت لصالح “رجب طيب أردوغان” وهي خير دليلٍ على ثقة الشعب التركي فيه. وفي الوقت الراهن، يشهد المجتمع التركي العديد من الانقسامات فيما يخص آراءهم حيال ما يحدث في البلاد، وبالتالي يبدو جلياً أنّ نتائج الانتخابات لسنة 2019 تعتمد على العديد من العوامل الداخلية والخارجية، لعل أبرزها؛ مدى تطور القضية السورية، ومدى قدرة أردوغان وحزب العدالة والتنمية على مواجهة التهديدات القادمة من الخارج التي تترصد تركيا.

المصدر: المركز الروسي للدراسات كارينغي

الكاتب: إكاتيرينا شولكوفسكايا

الرابط:http://carnegie.ru/commentary/?fa=70073