المرصد

هآرتس: إيران تمركز نفسها في سوريا برعاية التحركات السياسية الروسية

55

من غير المتوقع أن ينخفض وجود إيران في سوريا على الرغم من الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا على أن القوات الأجنبية ستغادر البلاد. وإسرائيل تخشى من المواجهة، ولكن ليس من المؤكد أن إيران مهتمة بها.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رداً على البيان الروسي-الأميركي: إن “الذين لا يؤمنون بفائدة الحل العسكري في سوريا سيسحبون قواتهم من سوريا”. واتفق الجانبان على أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة في سوريا، وأشار البيان المشترك للرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب إلى اتفاق بين القوتين وفتح صفحة جديدة فى العلاقات بينهما. كما أن هذا الاتفاق يقلق إسرائيل التي تخشى أن يترك الحل السياسي سوريا مع قوات العدو التي ستتمكن من التصرف ضدها في الوقت المناسب.

اتفاق الرئيسين على أن جميع القوات الأجنبية يجب أن تغادر سوريا غير مقنع أيضاً. ووفقاً للاتفاقات ستعمل روسيا مع الأسد للسماح للقوات الأجنبية التي تعمل معها، مثل الإيرانيين وحزب الله، بمغادرة البلاد، وستعمل الولايات المتحدة مع الأردن لإزالة القوات “الجهادية”، بما في ذلك مقاتلو جبهة النصرة والميليشيات المتطرفة السنية الأخرى.

وفى مؤتمر صحفى لمسؤول أميركي قال للصحفيين بعد البيان المشترك:  “نحن (الولايات المتحدة) لا ننوي إجراء مفاوضات مع الأسد، وبالتأكيد ليس مع القوات الإيرانية، بل مع روسيا”. وشدد على الرعايتين الأمريكية والروسية للاتفاق الموقع في الأردن بشأن إنشاء منطقة أمنية في جنوبي سوريا، وهو اتفاق انتقدته إسرائيل بشدة. وقد فضلت إسرائيل الوقوف إلى جانب روسيا، ولكن المسؤولية عن هذا الاتفاق تتقاسمها روسيا والولايات المتحدة بالتساوي.

ولا ينبغي أن يكون الإعلان المشترك مفاجئاً لإسرائيل، حيث اتفق في نيسان/أبريل، في الاجتماع السابق بين ترامب وبوتين، على أن مستقبل الأسد لن يناقش في هذه المرحلة. حيث أوضح ترامب أن “الأسد يجب أن يذهب، ولكن هذا هو قرار الشعب السوري بأكمله، بمن فيهم أولئك الذين أخرجوا من ديارهم، من خلال الانتخابات”. هذه المصالح المشتركة لا تأخذ بالضرورة مصالح إسرائيل بعين الاعتبار.

وفي الوقت نفسه فإن الاتفاق على المبادئ لا يضع الخرائط النهائية، ومن الممكن أن تكون حالات القلق الإسرائيلية سابقة لأوانها. ولكن بعد أن أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن “وجود القوات الإيرانية في سوريا أمر مشروع لأن سوريا دعتها إلى ذلك”، وفي ضوء تصريح أردوغان، لا بد من القول إن مبدأ انسحاب القوات الأجنبية لا يستحق الورقة التي تم التوقيع عليها، خاصة أن اتفاق المبادئ لا يذكر متى يجب أن تغادر القوات ومن سيخرجها. إيران وروسيا وتركيا، إلى جانب الميليشيات السورية والأجنبية العاملة في سوريا، لا تنوي المغادرة، ومن المشكوك فيه أنها ستغادر حتى بعد توقيع اتفاق نهائي في سوريا.

هذا هو الواقع الذي سيتعين على إسرائيل أن تعيش فيه إذا لم ترغب في الذهاب إلى الحرب ضد الشراكة الروسية الإيرانية التي تتمتع بالرعاية الأمريكية. وقد تعززت هذه الشراكة بتصريحات أدلى بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في مؤتمر عقد هذا الأسبوع في إيران بعنوان “500 سنة من التعاون بين إيران وروسيا”. وكتب ظريف أن هذا التعاون سيجلب الأمن والاستقرار ليس فقط في الشرق الأوسط بل أيضاً في آسيا الوسطى والقوقاز. وفي رسالة بعث بها سيرغى لافروف أعرب عن أمله فى “أن يصبح التعاون الثنائي تعاوناً استراتيجياً”، ولا يمكن أن تكون هناك بيانات أوضح عن طبيعة العلاقات التي تسببت بها الحرب في سوريا بين إيران وروسيا. كما أن هذا التعاون له أيضاً جوانب اقتصادية مهمة، مثل بناء خط أنابيب من إيران إلى الهند عبر باكستان، والاستثمارات في البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك بناء محطات الطاقة النووية التي ستنقل إلى الشركات الروسية.

الإيرانيون لن يغادروا:

وقد نجحت علاقات روسيا مع إيران في التأثير على القيادة الإيرانية لإبقاء القوات الإيرانية في المنطقة الأمنية الجنوبية قليلاً إلى الشمال والشرق، وأوضحت هذه العلاقات لإيران أنه من الأفضل عدم إعطاء إسرائيل ذريعة لمهاجمة سوريا. لكن مدى الوجود العسكري الإيراني في البلاد لم يتغير. وفقاً للتقارير الواردة من المعارضة الإيرانية ومصادرها في الميليشيات المتمردة، يقدر العدد الإجمالي للقوات الإيرانية بـ70.000. وهي مقسمة بين الحرس الثوري والجيش الإيراني (8000 إلى 10.000 من أفراد الحرس الثوري، و5000 إلى 6000 من الأفراد العسكريين)، ونحو 20.000 من الميليشيات الشيعية من العراق، ونحو 12-15 ألف فرد من ميليشيات أفغانية جندتهم إيران، و7000- 10.000 مقاتل من حزب الله، و5000 إلى 7000 مقاتل باكستاني وفلسطيني.

 قواعد إيرانية في سوريا: اللاذقية وطرطوس: نحو 1000 مقاتل من الحرس الثوري. حمص المطار العسكري تي 4: نحو 1000 جندي. دمشق وضواحيها: المقر المشترك لسوريا وإيران+قيادة المنطقة الجنوبية+مقر الصورايخ
قواعد إيرانية في سوريا:
اللاذقية وطرطوس: نحو 1000 مقاتل من الحرس الثوري.
حمص المطار العسكري تي 4: نحو 1000 جندي.
دمشق وضواحيها: المقر المشترك لسوريا وإيران+قيادة المنطقة الجنوبية+مقر الصورايخ

ويرأس هذه القوات الجنرال جعفر الأسدي الذي عين في منصبه بعد أن قتل القائد السابق حسين حمدان في عام 2015. وتعمل القوات الإيرانية تحت قيادة مشتركة تتولى مراقبة وتنسيق أنشطتها مع الجيش السوري على أربع جبهات. ويقع المقر الرئيسي بالقرب من مطار دمشق الذي يقوده سيد رضا الموسوي، المسؤول أيضاً عن التنسيق اللوجستي لقوات القدس تحت قيادة قاسم السليماني. وفي منطقة الزبداني، شمال غرب دمشق، قاعدة الشباني التي استخدمها الحرس السوري ونقلت إلى الإيرانيين. ويقدر أن نحو 3 آلاف جندي يعملون في الجزء الأوسط من سوريا، فضلاً عن حزب الله والميليشيات الأفغانية.

وتسيطر القيادة الجنوبية على مناطق درعا والسويداء والقنيطرة، وتقع قاعدتها الرئيسية في المنشأة رقم 18000 على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب دمشق على الطريق المؤدي إلى درعا، ليس بعيداً عن قاعدة اليرموك التي تستخدمها قوات حزب الله، في حين أن القاعدة التي بالقرب من مدينة الشيخ مسكين  قاعدة لوحدة صواريخ سام-1.

وعلى الجبهة الشمالية الشرقية يقوم الإيرانيون بتشغيل قواتهم في مناطق الحسكة، والرقة والقامشلي، ومطار عسكري بالقرب من حمص. ولهذه القوات أيضاً مطار تي- 4، على بعد نحو 50 كيلومتراً جنوب شرق تدمر، حيث يوجد ما يقرب من 1000 جندي وفقاً لتقديرات عناصر المعارضة الإيرانية. كما يوجد نحو 1000 مقاتل من الحرس الثوري في منطقة اللاذقية وطرطوس التي يسيطر عليها الجيش السوري. ونشرت بي بي سي مؤخراً صوراً لمعسكر عسكري آخر بني في ضواحي دمشق يمكن أن يستوعب عدة آلاف من الجنود.

وحيدة في ساحة المعركة:

إن توزيع القوات الإيرانية وهيكل قيادتها وعدد المقاتلين يثير تساؤلات حول قدرة إسرائيل على منع أي وجود إيراني في سوريا، كما قال رئيس الأركان غادي ايزنكوت في مقابلة مع الموقع السعودي إيلاف. لكن الانتشار يشير بشكل رئيسي إلى ضعف الجيش السوري الذي يحتاج إلى المساعدات الإيرانية. حتى الآن، تم الإعراب عن هذه المساعدات في معارك محلية، بما في ذلك السيطرة على حلب، لكنها لا تزال لا تشير إلى نيات للسيطرة على الأراضي السورية من أجل بناء الجيوب الإيرانية. يقول مسؤولو المعارضة السورية إن الجنود والمدنيين الإيرانيين ليسوا مشغولين فقط في القتال ولكن أيضاً في شراء العقارات، وخاصة في المدن الكبرى، ولكن حتى هذه ليست كافية لإحداث تغيير ديموغرافي استراتيجي من شأنه أن يغير الطابع السوري.

إن مخاوف إسرائيل بشأن تمركز القوات الإيرانية وحمايتها في الجزء السوري من مرتفعات الجولان لم يتم دحضها، ولكنها تتطلب فحص ما إذا كانت إيران وسوريا وروسيا لها مصلحة في فتح جبهة ضد إسرائيل في سوريا. كل من إيران وروسيا تريدان إكمال العملية السياسية من أجل استقرار نظام الأسد وإنهاء الحرب. ومن الواضح لإيران وروسيا، أنه إذا قررت إسرائيل الهجوم كما يهدد وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، فيمكن أن تمتد الهجمات إلى قصر الرئيس السوري والأهداف الاستراتيجية الأخرى، فضلاً عن امتدادها إلى  لبنان ضد حزب الله، بدلاً من مهاجمة الأهداف الإيرانية. وهكذا يوجد توازن للردع بين إسرائيل وسوريا وإيران، حيث قد يكون التهديد الإسرائيلي لإيران أكثر واقعية في مرتفعات الجولان من التهديد الإيراني لإسرائيل.

قد تنشأ نقطة التحول في هذا التوازن إذا قرر الإيرانيون إنشاء نظام صواريخ متوسطة وطويلة المدى في مرتفعات الجولان الجنوبية. لكن هذا الاحتمال ليس مطروحاً؛ وذلك أساساً بسبب معارضة روسيا لخطوة استراتيجية إيرانية قد تؤدي إلى نتائج عكسية لمصالح روسيا. وفي الوقت نفسه، ترى إسرائيل أن الصواريخ البعيدة المدى في إيران تشكل تهديداً استراتيجياً أكثر من الصواريخ التي يمكن نشرها في سوريا؛ لذلك  فإن حرب الصواريخ، إذا اندلعت، ليس لها مسافة جغرافية كبيرة ما دام  البلدان، إسرائيل وإيران، يمكن أن يهاجم كل منهما الآخر عن بعد.

المشكلة الأكثر خطورة التي تواجه إسرائيل هي التحالف بين واشنطن وموسكو على الساحة السورية، بحيث لا تستطيع إسرائيل أن تتوقع الدعم الأمريكي إذا قررت مهاجمة سوريا. فلا يزال ترامب يبدي لامبالاة تجاه التحركات العسكرية والسياسية التي لا علاقة لها بداعش، وعند هزيمة المنظمة، قد تعلن الولايات المتحدة أن أهدافَ حربها في سوريا والعراق قد تحققت بالكامل وسحبَ قواتها. وإذا حدث ذلك ستجد إسرائيل نفسها في عزلة سياسية، في ساحة حرب حاولت منذ البداية عدم التدخل فيها.

الكاتب: تسفي برئيل

 المصدر: هآرتس

الرابط: https://www.haaretz.co.il/news/world/middle-east/.premium-1.4607943?=&ts=_1510923005517