المرصد

فورين أفيرز: مشاريع الطاقة الإيرانية في العراق

Copy-of-Bitmap-in-21

ما أن قامت السعودية بتنفيذ حكم الاعدام برجل الدين الشيعي نمر النمر وما لحقه من ردات فعل إيرانية بإلحاق الضرر بالسفارة السعودية في طهران، حتى سال طوفان من المقالات حول الأبعاد العسكرية والطائفية للصراع بين والسعودية، بل إن البعض ذهب إلى حد إعلان حرب باردة جديدة بين الدولتين.

وسابقاً استفادت الدولتان من الحرب الباردة والصراع الدائر بين واشنطن وموسكو، وهو ما أغدق الكثير من النعم الاقتصادية عليهما. ويبدو ان هذا النمط من الحرب الباردة بدأ بالعودة بشكل آخر، مع اختلاف المستفيدين.

أحد أبرز المستفيدين من هذا الصراع هو ، فالعراق تحتل أهمية خاصة بالنسبة لإيران، وفي سبيل سحب بغداد للمربع الإيراني، ركزت إيران دعمها المالي على مشاريع الطاقة وبناء محطات توليد الكهرباء في المناطق ذات الأغلبية الشيعية وخاصة في الجنوب.

هذه الاستراتيجية ساهمت بشكل كبير بجعل العراق عرضة للنفوذ الإيراني أكثر من ذي قبل، وتمثل خطة بناء محطات توليد الكهرباء الإيرانية في العراق جزءً من مشروع طويل الأجل تنفذه إيران لزيادة نفوذ المنطقة الشيعية من إيران إلى سوريا وسواحل البحر الأبيض مروراً بالعراق، لتشكل بذلك حصناً منيعاً لحماية إيران امام القوة السنية العظمي “السعودية”، وبشكل عام، تظهر هذه المشاريع أن علامات الحرب الباردة في الشرق ستبقى في الشرق الأوسط ولن تنتقل إلى أي مكان آخر.

انعدام الكهرباء

تضرر القطاع الكهربائي العراقي بشكل كبير إثر ضربات التحالف الجوية إبان حرب الخليج الأولى. وانخفض انتاجه الكلي من قرابة 10 آلاف ميغاواط في عام 1990 إلى قرابة 2500 ميغاواط عام 1991. ونتيجة لذلك، واجه العراق أزمة حادة في نقص الكهرباء لفترة طويلة، وهو ما يجعل مهمات إعادة بناء قطاع الطاقة صعبة بعض الشيء وحتى في سنوات الهدوء الأمني بعد الغزو الأمريكي في العراق أعرب الكثير من السكان عن ضيقهم لشدة انقطاع الكهرباء وتوالي الأمر.

تزداد مشاكل إمدادات الكهرباء في المناطق السنية من العراق، ووفق تقرير لوزارة الطاقة العراقية، فإن هناك قرابة 66 محطة توليد داخل مناطق سيطرة الحكومة المركزية في العراق ( يستثنى منها مناطق كردستان) وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت لتحسين كمية الطاقة المتولدة إلا أنها لم تتجاوز حاجز 7700 ميغاواط منذ عام 1991.

هذا بالإضافة إلى تعليق المشاريع التي كانت تنوي الحكومة تنفيذها في المناطق السنية التي يسيطر عليها الآن، حيث يتواجد هناك قرابة 7 محطات لتوليد الكهرباء، تولد ما يتراوح بين 1200 إلى 1700 ميغاواط من الكهرباء، وهو لا يعد رقماً كبيراً إذا ما قورن باحتياج سكان تلك المناطق والذي يتراوح ما بين 18700 إلى 22000 ميغاواط.

أما المناطق التابعة لسيطرة حكومة إقليم كردستان، فقد شهدت استثمارات أجنبية ضخمة، وهو ما أدى إلى توفير الكهرباء على مدار اليوم في المناطق الكردية، وقد شجع الاستقرار النسبي للمناطق الكردية في العراق للاستثمار في البنية التحتية بشكل أكبر كجزء من مشروع بناء حكومة مستقلة في إقليم كردستان.

اما المناطق الشيعية فيوجد بها قرابة 45 محطة كهرباء توفر ما يزيد على 6500 ميغاواط وتعمل بإشراف مباشر من الحكومة المركزية العراقية. ومع ذلك فإن هناك عجزاً يصل إلى قرابة 13500 ميغاواط، وهو ما فتح المجال أمام الشركات الإيرانية الخاصة للاستثمار في هذا المجال وإنشاء منطقة تجارة حرة تكون قناة للصادرات الإيرانية ومركزاً لتوفير الطاقة والكهرباء ومصانع المعادن والحديد.

وكلما زادت مدة تواجد داعش في مناطق السنة فإن هذا سيخلق مزيداً من الفجوات في قطاع الطاقة وتطويره بين المناطق المختلفة. وهو ما لا يبشر بخير لبلد يعاني من انقسامات طائفية كبيرة. والواقع يقول أن القرارات الحالية تبشر بمستقبل خطير للغاية.

وفي يونيو الماضي وقعت شركة إنشائية إيرانية تدعى “مبنى” اتفاقاً بقيمة 2.5 مليار دولار -وهو أكبر عقد شهدته طهران حتى الآن-، لبناء منشأة لتوليد الكهرباء في البصرة تصل طاقتها الانتاجية إلى قرابة 3000 ميغاواط، وستعمل هذه المحطة على زيادة الطاقة الانتاجية في العراق بما نسبته 20%. وفي مؤشر على زيادة الاعتماد على إيران،وقع الطرفان اتفاقاً على تغذية المحطة بالغاز الطبيعي الإيراني لتشغيل محركاتها وهو ما من سيسبقه إنشاء خط أنابيب لإيصال الغاز الإيراني إلى العراق والذي قد تصل تكلفته إلى قرابة 2.3 مليار دولار وفق ما صرح حميد رضا أراغي العضو المنتدب لشركة الغاز الإيرانية.

ولا يعد هذا الاتفاق التعاون الأول بين العراق وإيران، إذ ساهمت إيران سابقاً في توفير قرابة 1400 ميغاواط من الكهرباء لمحافظة واسط شرق العراق. وشيدت “مبنى” منشآت خاصة بتوليد الكهرباء في بغداد والنجف والمنصورية، وهي المنشآت التي ستستفيد من خط أنابيب الغاز المزمع إنشاؤه قريباً، هذه المشاريع كلها مركزة في المناطق الشيعية حصراً وهو ما جعل المناطق السنية غارقة في الظلام حرفياً.

حالياً، تفتقر الحكومة العراقية للقدرة الكافية للسيطرة على مناطق داعش، ناهيك عن متابعة مشاريع بناء وتطوير البنى التحتية هناك داخل هذه المناطق. أما المناطق الكردية فلها رعاتها واحتياجاتها من الطاقة موفرة بشكل كبير، وهو ما يساعد على رسم مستقبل العراق في الطاقة على أساس طائفي كذلك. وإن لم تتمكن بغداد من توفير بنية تحتية جيدة في المناطق السنية، فإنه من المستحيل أن تفوز بقلوب السنة حتى لو تمكنت لاحقاً من استعادة السيطرة على تلك الأراضي. وهو ما سيترك الباب مفتوحاً أمام أي دعوات متعصبة للخروج عن الحكومة العراقية المركزية.

تكمن وراء النزاعات الإيرانية السعودية فترات من التشكيك وعدم اليقين، ومن المنطق الاستراتيجي لطهران في هذا الصراع أن تستخدم العنصر الاقتصادي من خلال الاستثمار في المناطق الشيعية في العراق، تماماً كما تفعل السعودية مع النفط ورعايتها لبعض الفصائل السنية المقاتلة هنا وهناك. ولكن السعودية لا تملك في مخططاتها بناء منشآت في العراق مثلاً، بينما تستمر إيران في ذلك، وهو ما قد يكون جيد الآن لكنه لا يحمل أي بشائر خير في المستقبل.

الخطة الإيرانية هذه عمقت من نفوذها بالعراق وزادت من تصلب الحكومة العراقية في سياستها وهو ما دفع إلى مزيد من الانقسامات في العراق، وما لم تعمل طهران وبغداد والرياض سوياً على وضع خطة شاملة لطرد داعش من أماكن سيطرتها وإعادة استقطاب الأكراد إلى الحضن العراقي، وهو ما يتطلب مساواة عادلة بين جميع الفئات، فإنه من المستبعد أن نرى عراقاً واحداً وموحداً يعود للظهور مجدداً كما كنا نعرفه سابقاً.

iraq_power_plant_map

جريج إيفيريت و جوردان جيمسون