تقارير تقارير خاصة

داعش في رمضان: الهجمات ومكونات التنظيم

1042454209

أطلق المتحدث باسم تنظيم دعوة علنية لجميع أنصار تنظيمه في أواخر شهر مايو الماضي يدعوهم فيها إلى شن سلسلة من الهجمات على مدار شهر المبارك. وبتفحص الأحداث التي شهدها الشهر الفضيل والذي امتد بين ٥ يونيو و٥ يوليو من هذا العام يظهر لنا أن دعوة لقت صداها بين أنصار داعش جاعلة شهر رمضان واحداً من بين الأشهر الأكثر دموية منذ إنشاء داعش.

الع
الع

ومقارنة بشهر رمضان العام الماضي، والذي شهد هجمات كبيرة على مجمع سياحي في مدينة سوسة الساحلية بتونس وهجوماً آخر على مركز عساكر احتياطيين في تشات نوغا بولاية تنيسي الأمريكية، إلا أن رمضان هذا العام كان أكثر دموية من العام الماضي على الرغم من حجم الخسائر التي باتت داعش تتكبدها في جوهر أراضيها في وسوريا.

ولمزيد من إلقاء الضوء على هذه الهجمات وفهم آثارها الحقيقية على ارض الواقع، بنبغي علينا تأكيد عدم مركزية تخطيط وتنفيذ هذه الأحداث، أي أنها لم تجر ولم يخطط لها من قبل كيان مركزي واحد فقط. وبدلاً من ذلك، لجأت داعش إلى الاعتماد على تكتيكات تشبه إلى حد ما تلك التي كان تنظيم القاعدة يعتمدها من قبل، وبهذا باتت داعش تضم بين ثناياها ثلاثة مستويات متميزة من الجهات الفاعلة مختصة بتنفيذ الأجندة أو التوجيهات حسب الظروف.

هذا الهرم المكون من ثلاثة مكونات رئيسية بحيث تتكون قاعدته من جوهر “داعش” ويضم مناطق والعراق. يعد هذا المكون إلى حد بعيد أكبر من مكونات التنظيم الثلاثة الأخرى، ويضم بين ثناياه آلاف من المقاتلين وكميات كبيرة من المعدات العسكرية بالإضافة إلى المساحات الشاسعة من الأرضي التي تسيطر عليها داعش. وفي قلب هذا المكون يتواجد عدد كبير من الكوادر المتشددة ذات الخبرة والقادرة على إدارة المعارك التقليدية وشن العمليات العسكرية والانخراط في الفعل الإرهابي، هذا الجوهر الداعشي يمكن اعتباره الجزء الأكثر براعة واتقاناً من الناحية العسكرية وعلى الرغم من خسائره الثقيلة في مناطق كالفلوجة في العراق وغيرها في فإنه لا يزال يمتلك قوى متمردة وقدرات كبيرة قادرة على إحداث تأثير وفارق في المناطق التي يصل إليها وهو ما حصل تماماً في تفجير شاحنة مفخخة في بغداد في ٣ يوليو الجاري.

يساهم هذا المكون أيضاً على اعتبار أنه الجوهر بالمشروعات والتكتيكات القتالية فيما وراء الحدود السورية والعراقية. ويساهم بذلك بشكل كبير عبر تدريب المقاتلين الأجانب وإرسالهم إلى الخارج لتنفيذ عمليات مختلفة. يمكن اعتبار شبكة منفذي هجمات باريس في نوفمبر ٢٠١٥ وبروكسل في ٢٢ مارس الماضي تجسيداً عملياً لهذه الاستراتيجية والمساهمة، والأمر نفسه ينطبق على منفذي هجمات مطار أتاتورك في إسطنبول الشهر الماضي.

وبشكل عام، تميل داعش في هذه الأعمال إلى الاعتماد على أفرادها المدربين – الجهاز العسكري الأساسي- دون الاعتماد على القواعد الشعبية أو المجموعات الموالية لها، ولعل هذا ينبع من أن معظم هذه الأعمال ينفذ في مناطق معادية وبعيدة عن الجوهر الأساسي لتنظيم داعش ما يؤدي إلى افتقار النشطاء إلى الموارد الأساسية. وكنتيجة طبيعة لهذا، تميل العناصر الخارجية إلى التركيز على الأهداف اللينة السهلة وحتى الآن لم تثبت داعش قدرتها على ضرب أهداف صعبة في المناطق التي استهدفتها. وبلا شك، كان من الممكن أن تفشل جميع العمليات الثلاثة المذكورة سابقاً في حال ما أخطأ المنفذون في أي تكتيك – حصل ذلك في مرآب سيارات مطار أتاتورك حيث اكتشف أفراد الشرطة أحد المنفذين قبل إكماله عملية تسلله إلى المطار.

المكون الثاني الرئيسي لداعش يرتكز في الجماعات التابعة لها أو التي تشبه إلى حد ما أفرع التنظيم الأم، وتشمل الفصائل التي انشقت وتعهدت بالولاء لزعيم داعش أبو بكر البغدادي. وكثير من المجموعات بما فيها جماعة بوكوحرام في نيجريا وجماعة أنصار بيت المقدس في تم الاعتراف بها كولايات تابعة لداعش بشكل رسمي (بوكوحرام تعرف الآن باسم ولاية السودان الغربي فيما تعرف أنصار بيت المقدس بولاية سيناء). وعلى الرغم من وحدة انتمائهم إلا أن هناك عدد من الاختلافات المميزة بينهم.

هناك مجموعات أخرى ترتبط بشكل وثيق بداعش مثل ولاية برقة في سرت الليبية، في حين تمتاز فصائل أخرى بولائها لداعش مثل جماعة أبو سياف الفلبينية ومع ذلك لم يتم وصفها بالولاية بشكل رسمي من قبل التنظيم.

لا يمكن اعتبار تغيير اسم مجموعة ما تنازلاً منها عن دعمها أو علاقاتها السابقة. إلا أن تبعيتها لداعش بشكل أو بآخر تزيد من الدعم الذي تحظى به من التنظيم المركزي. فولاية برقة على سبيل المثال ثبت بالأدلة حصولها على امتيازات كبيرة من داعش وتلقيها لمساعدات عسكرية مباشرة وتدريبات من معقل داعش في سوريا والعراق. وعليه فإن الجماعات التي بايعت داعش حافظة على قدراتها الأصلية بشكل كبير، وإن كان لا يخلو الأمر من تعديل بعض هذه الجماعات لأهدافها بغية زيادة ارتباطها بأهداف جوهر التنظيم.

فعلى سبيل المثال يمكن اعتبار تفجيرات بنغلاديش في ٢ يوليو وتفجيرات المملكة العربية في ٤ يوليو الجاري على أنها نفذت من قبل مجموعات موالية لداعش وليس من قبل جهازها العسكري مباشرة. حيث لم تظهر في هذه العمليات اعتماد داعش على جهازها الإرهابي – العسكري- بشكل كبير، ويمكن القول أن التوسع الكردي على الحدود التركية السورية والضغط الذي تتعرض له داعش في معاقلها الأساسية تسبب في تعقيد سفر أي من الجهاديين الأجانب إلى خارج سوريا، وبالتالي بدأت الجماعات الموالية لداعش في النشاط بمناطق كإندونيسيا وبنغلاديش وغيرها، ويبدو أن الأيام القادمة ستشهد بروز أفرع جديدة في أماكن مختلفة حول العالم.

441

وفي ظل المحاولات الكثيفة لإحباط وتقويض داعش في مناطقه الجوهرية في سوريا والعراق، بدأ المكون الثالث من هرم داش – الجهاديون الشعبيون- بإحداث تهديد كبير في بلدانهم الأصلية. فهذه العناصر الشعبية تعمل لمبادئ معينة دون قيادة معينة للتوجيه وبالتالي فإنها تقوم بتنفيذ هجمات بشكل مستقل والتخطيط لها دون توجيه من مركز داعش الأساسي. وتسعى داعش عبر رسائلها إلى توجيه قاعدتها الشعبية إلى التفكير عالمياً والتنفيذ على مستوى محلي.

وبالفعل، كان الجهاد الشعبي هو هدف العدناني من رسالته التي أرسلها في ٢٢ مايو الماضي قبل رمضان بأيام. ونظراً لصلاته المباشرة والقوية مع مقاتلي داعش، فلم يكن العدناني بحاجة إلى إصدار تصريح علني للوصول إلى مقاتلي داعش الرئيسيين وإنما كان خطابه هذا لتحفيز المقاتلين الآخرين غير المرتبطين بشكل مباشر مع داعش. في خطابه أشار العدناني إلى أنه يريد من شهر رمضان أن يكون مصيبة على غير المؤمنين، وخص في حديثه المقاتلين وأنصار “الخلافة” في أوروبا وأمريكا وأكد على أن أصغر عمل ينفذونه هناك أفضل بكثير من تواجدهم مع داعش في معاقلها الأساسية. وبعد أسابيع قليلة من رسالته هذه نفذ حادث إطلاق النار في ١٢ يوليو في الملهى الليلي في أورلاندو الأمريكية ونفذت حادثة الطعن في ١٣ يونيو في باريس.