تقارير تقارير خاصة

السياسة الخارجية الكويتية وفرصها في رأب الصدع الخليجي

181936-مواد-و-نصوص-قانون-إقامة-الأجانب-في-دولة-الكويت

لتحميل هذه المادة بهيئة ملف PDF : السياسة الخارجية الكويتية وفرصها في رأب الصدع الخليجي

مقدمة

لم تمر على الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات، أكثر من سنتين حتى بدأ “صدّام حسين” في دق طبول حرب جديدة، فحقل الرميلة الحدودي المشترك بين العراق والكويت، والذي يبعُد نحو 40 ميلاً عن البصرة، كان من ضمن الأسباب التي ساقها “صدّام” مبرراً لغزوه اللاحق الكويت.

في مزاعم عراقية لم يتم إثباتها اتَهم صدام حسين الجانب الكويتي باتباع أساليب حفر مائلة تجاه العراق في هذا الحقل الحدودي، أساليب تستنزف هذا الحقل وتضيع على بلاده ثرواتها وحقوقها، لم ينشأ هذا الاتهام من فراغ وإنما جاء كنُقطة في خط توتري صاعد بين البلدين، قادته أزمة اقتصادية طاحنة نشبت في العراق على إثر حربه الضروس مع إيران، فتكاليف الحرب لم تتوقف عند الخسائر البشرية التي تجاوزت مليون إنسان، بل امتدت كذلك إلى الجانب المالي حيث بلغت مديونية العراق بعد هذه الحرب نحو 37 مليار دولار لدول الخليج فقط، وذلك بعد أن تقدمت الأخيرة أوائل الدول الداعمة للعراق في هذه الحرب، بعد أن رفع فيها صدام حسين رايات القومية العربية ومحاربة التوسع والنفوذ الإيراني في المنطقة، فما كان من دول الخليج إلا أن دعمته بمليارات الدولارات، كان نصيب الكويت منها فقط نحو 10 مليارات دولار على هيئة قروض من عائدات النفط.

أمِل “صدام” أن تعينه لاحقاً موارده النفطية في السداد؛ غير أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط أعجزه عن ردّ تلك القروض، أو بالأحرى الشروع في ردّها. واتهم “صدّام” مباشرةً دول الخليج، والكويت خاصة، بزيادة الإنتاج والتسبب في انخفاض الأسعار، وتحدّث العراق بشكل صريح عن ضرورة تحمل دول الخليج فاتورة مالية ما تجاه ما قامت به بغداد بالنيابة عنهم ضد طهران، وقال تحديداً: “إن الكويت والإمارات العربية المتحدة ينبغي أن تدفع غرامات إلى العراق لحماية شبه الجزيرة العربية من التوسع الإيراني”. ثم لم يلبث الأمر أن تطور إلى إثارة صدام للمشكلة التاريخية بين دولته ودولة الكويت، والتي يعتَبر فيها العراق الكويت جزءاً أو إقليماً من دولته التاريخية، وأن الشكل الحالي للكويت ما هو إلا “اختراع إمبريالي بريطاني”[1].

يعود بنا هذا التصريح إلى القرن السابع عشر الميلادي، حيث القرين هو الاسم الشائع لمدينة الكويت، والقْرين في اللغة هي تصغير لـ “قرْن”، وتعني من ضمن مفرداتها التل أو المكان المرتفع من الأرض، في حين أن الكويت في اللغة هي تصغير لـ”كوت”، أي الحصن أو البيت المبني على هيئة حِصن بجوار ماء، مدينة مسورة تبرز في قلب الصحراء وعلى ساحل شطّ العرب كمحطةٍ تجاريةٍ هامة، اعتادت رقعتها الصغيرة منذ أمد تاريخي طويل الاستقلالية والبعد عن التبعية لأي من الدول أو الإمبراطوريات المجاورة، اللهم إلا إن كانت تبعيةً صوريةً لا ترقى للكمال. يتنافس للسيطرة عليها وإخضاعها “مدحت باشا” والي العراق بما تمثله تبعيته للدولة العثمانية من نفوذ، وكذلك بريطانيا بما تمثله حينئذ من إمبراطورية عظمى تسيطر على أجزاء كبرى في الشرق.

 لكن سير أمراء الكويت الوئيد ومُبارزتِهم هذا بذاك أتاح لها المُضي قدماً في ساحة التاريخ دون تذبذب أو انقطاع[2]، لكن تحديداً في عام 1896م ومع تولي الشيخ مبارك الصباح مقاليد حكم الإمارة بعد منازعات على الحكم مع أخويه أدت لقتلِه إياهما[3]، تشدد خِناق الدولة العثمانية على الكويت، وأرادت الأخيرة النفاذ مباشرة إلى هذه الإمارة والسيطرة التامة عليها وإخضاعها لحكمها.

 استمر هذا التشديد حتى عام 1899م حين وافقت الإمبراطورية البريطانية على طلب مُسبق من الأمير مبارك الصباح أن تحظى إمارته الصغيرة بحمايةٍ بريطانية، تضمن لها نصراً ما على الدولة العثمانية في نزاعهما بشأن وجوب خضوع الكويت لها بشكل كامل. ووقعت الدولتان في 23 كانون الثاني/يناير 1899م على معاهدة أنجلو- كويتية، أعطت إنجلترا وصايةً شبه كاملةٍ على الإمارة وامتيازات أخرى كثيرة، وذلك مقابل أن تنعم الكويت بحماية الإمبراطورية البريطانية، والوقوف في وجه تطلعات الدولة العثمانية[4].

ظهور سياسي مبكر للكويت كوسيط

 

في ظل الحماية البريطانية للكويت انتقلت الأوضاع إلى هدوءٍ حذر بين الكويت والدولة العثمانية، حيث مارس الشيخ مبارك الصباح دوراً سياسياً مهماً في وصول الأمور إلى هذا الشكل، وقد توّج هذا الجهد الدؤوب بتلك الوساطة المهمة التي تصدر لها بين الدولة العثمانية وسلطان نجد، وذلك بعد أن دبّت بينهما كثيرٌ من المنازعات، فدعا أمير الكويت كلا الجانبين إلى مؤتمر “الصبيحية”، الذي عقد في جنوبي الكويت عام 1914م، وذلك من أجل حسم القضايا الخلافية وتقريب وجهات النظر[5].

وقد كان هذا المؤتمر وما سبقه من تحضيرات نقطة ارتكاز في انطلاقٍ حقيقي للكويت نحو الاستقلال بمفهومٍ أكثر واقعية، حيث لوحظ أن المراسلات في ذلك الوقت بين الشيخ مبارك والدولة العثمانية كانت تمهر في نهايتها بلقب “حاكم الكويت ورئيس قبائلها”، عوضاً عن اللقب المستخدم سابقاً وهو “قائم مقام”، ومن هذه النقطة شديدة الرمزية ابتدأ الشيخ مبارك طريقه نحو كتابة تاريخ جديد للكويت، حيث لم يمض هذا العام إلا وقد رفع، لأول مرة، علم للكويت.

وبذلك الموقف التصالحي الذي تصدّر له مؤسس الدولة الحديثة في الكويت الشيخ مبارك الصباح، صاغت هذه الإمارة الصغيرة بداية حقيقية لتاريخها التصالحي في المنطقة، الذي نراه متجسداً في سلوك أسرة الكويت الحاكمة، فالبديل الحقيقي لسعة الأرض وترامي أطراف البلدان هو تلك السياسة الحاذقة التي تميل في الغالب إلى رفع رايات التقارب، وشل حركات العبث، والاجتهاد نحو إرساء دعائم الهدوء لا في حدودها الجغرافية الصغيرة فقط بل في محيطها الإقليمي عامة، وبذلك يتم لها كدولة صغيرة جغرافياً أثر ما فاعل على الساحة السياسية، مقترن بتقدير دائم وامتنان مستطيل من قبل كل الدول الكبيرة منها قبل الصغيرة.

ربما ما دفع الكويت تجاه التصالحية منذ نشوئها كما نرى هو كونها دولة صغيرة، والدول الصغيرة التي توجد في محيط بدائي مضطرب بالصراعات عادة ما تميل إلى تحسين علاقاتها بمن حولها من الدول، وتركن في العادة إلى تجنيب سياستها أي صدامية؛ وذلك بالتأكيد خشية أن تبتلعها أي من القوى الكبيرة الموجودة حولها.

 

الكويت والديمقراطية

 

إذا أمعنا النظر في أهم الفروق التي يمكن أن تُميز الكويت عمَّا حولها من دول؛ سنجد الفرق الأساس هو مسألة إشراك الشعب في السلطة عن طريق الدستورية الملكية كنظام حكم، والتي تضمن تمثيلاً فاعلاً للشعب في إدارة أمور البلاد، ومن ثم الحؤول دون الانفراد بالسلطة الذي ربما يدافع كثيراً من الدول، ولا سيما الاستبدادية منها، إلى أطراف المواجهة والتشاحن وربما خوض الحروب؛ وهو ما لا نلحظه في الكويت التي تتمتع بتجربة برلمانية تشريعية فريدة تميزها عن كل الدول الموجودة حولها، وهي تجربة لم تبدأ اليوم بل بدأت منذ عشرينيات القرن المنصرم، وتساهم تلك التجربة وهذه الحالة بشكل أو بآخر في إذكاء حالة ما من التمهل والتصالحية.

“الحياة الديمقراطية هي سبيل الشعب الذي يحترم إرادته في الحياة الحرة، ولا كرامة من غير حرية، ولا حرية من غير كرامة”[6]. الناظر في هذه الكلمات ربما يعتقد أنها صدرت عن أحد الساسة المتأخرين في الغرب، أو أحد الثائرين الأوائل، أو حتى أحد معارضي الأنظمة العربية حالياً، لكنها حقيقة قيلت في وقت مبكرٍ جداً، تحديداً في شباط/فبراير من عام 1959م على لسان أمير الكويت حينئذ الشيخ عبد الله السالم الصباح.

ولم يكن هذا التصريح أمراً عارضاً على سياسة الكويت على حين غرة، وإنما كان خطوة بارزة في سلسلة صاعدة من الخُطى والمحاولات التاريخية الدؤوبة لإنزال هذه الكلمات محلها من الواقع، فمنذ بدايات تأسيس دولة الكويت الحديثة ونتيجة عدد من العوامل ترسخ في فهم القيادة أن الشعب يملي إرادته، ولا بد له دوماً من مكان يمثله في خريطة السياسة العليا لإمارة الكويت، كانت الخطوات دؤوبة من قبل الحكام الأوائل للكويت في هذا الشأن.

ورغم العثرات والاضطرابات التي أحاطت تلك الدولة منذ بدايتها، لم يتخل حكامها قط عن فكرة تمثيل الشعب وتحديد السلطات ورسمها على أتم وجه. فكانت البداية عام 1921م الذي شهد أول حدث سياسي منظم يلتقط فيه الشعب أطراف مسار سياسي له، يعبر من خلاله عن رأيه ويشارك القائمين إقرار الأوضاع وتوجيه السياسات، فكان مجلس الشورى الكويتي تجربة فريدة في المنطقة حينئذ، لكنه لم يكتب له النجاح، فبعد شهرين تعطلت جلساته وانفرط عقده؛ نتيجة انشغال القائمين عليه بأمور حياتهم. ولكن كان ذلك المجلس الشرارة الأولى التي أضاءت الفكرة وألهبتها، حتى صاغتها في شكلها النهائي المستمر إلى الآن.

تعاقبت بعد ذلك محاولات عدة لتحديد السلطات وإزكاء النظام الملكي في هذه الإمارة بصِبغة دستورية شعبية، تدفعه قُدماً إلى مسارات مطمئنة من المواقف والسياسات، فتتالت محاولات أمراء الكويت لإنشاء تجارب أخرى من المجالس الشعبية. وكانت المحاولة الأبرز لأمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح، بإنشائه أول مجلس تشريعي مُنتخب في تاريخ الكويت عام 1938م[7]. تتابعت بعد ذلك خطى الأمراء نحو تدعيم مرتكزات دولتهم؛ فتم في عهد الأمير عبد الله السالم الصباح كتابة دستور للبلاد، وتسارعت خطى هذا الأمير نحو استقلال بلاده التام، فتم له ذلك في حزيران/يونيو عام 1961م، وذلك عبر إلغاء معاهدة الحماية البريطانية التي وقعت عام 1899م[8].

لقد رأى حكام الكويت في الديمقراطية بجانب أعرافِهم وتقاليدهم ملاذاً راسخاً إليه يرتكزون، فقوة كل حكم تنبض بالقوة والأصالة من ذلك الظهير الشعبي الذي يساند ويدعم ويقوّم.

ما بعد الاستقلال

عمّت الكويت بعد استقلالها حركة سياسية دؤوبة متزنة تستطلع مستقبلاً مشرقاً تتمناه، لذا فقد عمد أميرها حينئذ الشيخ عبد الله السالم الصباح إلى إعادة تشكيل وصياغة النظم التي تحكم بلاده؛ بدءاً من الدستور الذي شكّل لأجله لجنة تأسيسية منتخبة، مروراً بأول انتخابات برلمانية حقيقية، وذلك من أجل اختيار أعضاء مجلس الأمة، وانتهاء بأمر رمزي وهو قانون من أجل استحداث علم جديد للدولة. إعادة الصياغة والتشكيل هذه كانت قاصدة في النهاية إحراز تقدم ما باتجاه الديمقراطية، والتي كانت كما أشرنا حجر زاوية بالنسبة للأسرة الحاكمة في كل مراحل الكويت التاريخية.

سارت الكويت بخطى وئيدة تجاه ما تتطلع إليه من عصر جديد يوفر لها وجوداً إقليمياً وعربياً، غير أنها ارتطمت بعد أسبوع واحد فقط من إعلان استقلالها بمشكلة كبيرة؛ تمثلت في عقد الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم مؤتمراً صحفياً في بغداد يطالب فيه بالكويت، ومهدداً باستخدام القوة. لتندلع بذلك أزمة سياسية بين البلدين عُرفت بأزمة عبد الكريم قاسم، على إثر ذلك تدخلت الجامعة العربية لمواجهة تهديدات قاسم، فأرسلت قوات عربية مشتركة إلى الكويت، وفي 4 تشرين الأول/أكتوبر 1963م اعترف العراق رسمياً باستقلال الكويت[9].

 

مجلس التعاون الخليجي كفكرة كويتية

برعاية أميركية وفي منتجع كامب ديفيد وقعت مصر مع إسرائيل اتفاقيةً للسلام عام 1978م، تقضي بعودة كثيرٍ من أراضيها المحتلة عام 1967م إليها، على أن تلتزم في المقابل بعديد من الشروط جاء على رأسها الاعتراف بإسرائيل عبر إقامة علاقات دبلوماسية معها[10]؛ الأمر الذي كان له أثر بالغ في طبيعة التقسيمات السياسية في المنطقة، حيث طرأ تغير كبير في سياسات معظم الدول العربية تجاه مصر، وتبع ذلك تجميد عضويتها في جامعة الدول العربية عام 1979م.

على صعيد متصلٍ ظهر خطر داهم تهَدد دول الخليج خاصة والدول العربية عامة، وهو قيام الثورة الإسلامية، حيث نجحت الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني في استبدال النظام الملكي هناك بنظام جمهوري “إسلامي”، ولم تكتفِ هذه الثورة بالنجاح بل عمَدت إلى تصدير المد الثوري إلى محيطها، وهو ما أدى إلى تعقيد الأمور وإثارة القلق والتوترات.

 وعلى إثر ذلك، بالإضافة إلى أسباب أخرى بينية، اندلعت الحرب الإيرانية العراقية، والتي دعمت فيها دول الخليج العراق بشكل كبير. وقد تسببت هذه الحرب من لحظاتها الأولى في استنزاف القوى العربية، وارتفاع أسعار النفط، وتسببت كذلك في تدخل خارجي مباشر في شؤون منطقة الخليج ودولها، وابتعاد الاهتمام العربي عن القضية الفلسطينية القضية المركزية للعرب، واشتعال التوتر مع دول الجوار لا سيما مع إيران، وعجز جامعة الدول العربية عن القيام بأي عمل يدافع عن وجود العرب ومستقبلهم. كل هذه العوامل دفعت دول الخليج إلى إنشاء مجلس خاص بها، مكوّن من ست دول، للبحث عن أداة تحمي أمن هذه الدول فقط، دون الاهتمام بحماية أمن الأمة والمنطقة عموماً.

وقد استندت فكرة هذا المجلس إلى اقتراح مفصل ومخطط له، تم عرضه من قبل أمير الكويت الشيخ جابر الصباح عام 1976م، أثناء زيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، واجتماعه الثنائي مع الشيخ زايد آل نهيان. وقد دفع الأميرَ الكويتي إلى اقتراحه حينئذ محاولتُه سد النقص والفراغ الذي تسبب فيه انسحاب بريطانيا السياسي والعسكري من منطقة الخليج. وقد نمّ هذا الاقتراح عن رؤية شاملة للأوضاع، ودور توحيدي تعهدت به الكويت منذ تأسيسها، وهو ما يفسر لنا جزئياً حرصها حالياً وسابقاً، في خضم كثير من الأزمات الخليجية، على تجميع الفرقاء وتوحيد الصفوف[11].

غزو الكويت

 

كل الأمور في طريق صاعد إلى شيءٍ ما كبير قادم، صيف ملتهب يعم الأرجاء معنون بعام 1990م، صحارى الربع الخالي تنفث النار، ويقدم صدام بجيش مجهد متصدع مالياً على غزو الكويت. صغر الدولة وقلة حشدها البشري أتاح لجيشه المُنهك حينئذ أن يمر إلى النجاح، وتحديداً في صباح 2 من آب/أغسطس عام 1990م بدأت القوات العراقية حركةً مُنسقة أدت في النهاية إلى احتلال الكويت.

 كان ذلك من وجهة نظر عراقية أمراً مبرراً ومشفوعاً بكثير من الأسباب؛ بداية من الأسباب التاريخية التي ترجح نسبة الكويت وتبعيتها إلى العراق، مروراً بالخلافات النفطية التي يتهم فيها العراق الكويت بالحفر المائل المهدر لحقوقه، وانتهاء بالخلافات حول الديون المستحقة للكويت على العراق. في حين رأت الكويت الأمر برمته نوعاً من أنواع الاحتلال والتعدي السافر على حدودها كدولة معترف بها ولها كامل السيادة.

في أثناء الإنزال الجوي الذي قام به العراق من أجل احتلال الكويت، وفي غمرة تقدم القوات العراقية وانتشارها للسيطرة على كل المدن والبلدات، غادر الشيخ جابر الصباح أمير الكويت حينئذ قصر دسمان إثر نصيحة ولي عهده الشيخ سعد العبد الله الصباح مُتجهاً إلى الطائف بالسعودية، ليكوّن هناك لاحقاً حكومة المنفى الكويتية، والتي ستؤدي دوراً بارزاً في استمالة دول العالم لاستعادة أراضيها، بعد يومين من معارك راح ضحيتها الآلاف سيطرت القوات العراقية على كامل أرض الكويت، وألغت السفارات الخارجية لها وأعلنتها محافظة تابعة لها.

 كانت مفاجأة مدوية لدول الخليج بعمومها، وذلك بناء على الثقة التي افترضتها تلك الدول في العراق خصوصاً في أثناء حرب الأخير مع إيران، وكذلك فإن التفاهمات السياسية الكبيرة التي ميزت العلاقات بينهم حينئذ لم تكن لتشير البتة إلى ذلك القادم المخيف، وبين ليلة وضحاها تبعثر أمراء الكويت بعيداً عن دولتهم، وصاروا في كابوس مخيف يؤذن أن بالقضاء على دولتهم ودورهم السياسي فيها[12].

 تفاعلت دول الخليج مع الحدث بشكل مهيب، وراحت تتدافع نحو مجلس الأمن والجامعة العربية لاستصدار قرارات حاسمة منهما، كما اندفعت في جهد سياسي ضخم نحو تجييش دول العالم باتجاه التدخل وإنهاء هذا الوضع الحرج. وبالفعل استطاعت السعودية والأمير جابر الصباح إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة التدخل، وارتأت الولايات المتحدة من زاوية أخرى ضرورة هذا التدخل؛ وذلك لما تمثله تلك الأزمة من تأثير اقتصادي مباشر عليها من جراء النقص الحاد في إمدادات النفط إليها وإلى الغرب.

في اليوم نفسه الذي أعلن فيه العراق ضمه الكويت واعتبارها المحافظة التاسعة عشرة لبلاده، وصل عدد الحشود العسكرية في السعودية إلى نحو 500 ألف جندي، وبدأ التنسيق ما بين السعودية وكثير من الدول العربية والأجنبية، وذلك -بحسب مسؤولين سعوديين حينها- من أجل اتخاذ خطوات فعلية لكبح جماح الخطر العراقي المتصاعد، والذي لا يهدد أمن السعودية وحدها وإنما أمن المنطقة والسلام العالمي برمته.

بالتوازي مع هذا الجهد العسكري ومع تلك الحشود الهائلة الممهدة لحرب ما، بلغت الجهود الدبلوماسية أقصى درجاتها حين أصدر مجلس الأمن قراره رقم 678، والذي صدر بتاريخ 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1990م، والذي يعطي العراق فرصة حتى 15 كانون الثاني/يناير 1991م لسحب قواته من الكويت، وإلا فإن للمجتمع الدولي كل الحق في اتخاذ خطوات من شأنها أن تسفر عن تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، بما في ذلك الخطوات العسكرية. وعلى إثر ذلك تشكل ائتلاف دولي مكون من 34 دولة على رأسها أمريكا والسعودية وبريطانيا ومصر، وذلك من أجل تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وبدأت بالفعل الحشود تتوالى إلى السعودية استعداداً لنفاد المهلة المحددة للانسحاب.

لم يكن واضحاً أن العراق سوف يستجيب لمثل هذه التهديدات، حيث بدأ فعلياً التجهيز لمعركته عبر حرب إعلامية ونفسية ضروس، حاول فيها لفت الانتباه واستمالة قطاعات كبيرة من الشارع العربي؛ وذلك عبر أشياء رمزية من قبيل وضع “الله أكبر” في منتصف علم البلاد، طمعاً في صبغ الحالة بصبغة دينية، واستمالة أطراف ذات مرجعية دينية إسلامية، كما بدأ بربط قضية بلاده بقضايا عربية قومية؛

فأعلن استعداده للانسحاب من الكويت بشرط أن يُصاحب انسحابه هذا انسحاب آخر موازٍ لسوريا من لبنان، ولإسرائيل من الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة[13].

في 27 شباط/فبراير من العام نفسه أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تحرير الكويت، وذلك بعد حرب ضروس شهدت أقصى حالات المواجهة البشرية بين طرفين منذ الحرب العالمية الثانية، حيث احتشد الجيش العراقي بكامل عدته البشرية البالغة حينئذ 545 ألف جندي، وفي المقابل احتشد التحالف الدولي بعدد جنود بلغ 959.600 ألف جندي من 34 دولة، كان لأمريكا النصيب الأكبر منها بعدد جنود بلغ 697 ألفاً، تلتها السعودية فبريطانيا فمصر[14].

التحرير كنقطة انطلاق لسياسات الكويت

 

مثّل التحرير الذي قام به تحالف دولي مكون من أربع وثلاثين دولة فيما يعرف بحرب الخليج الثانية، نقطةَ ارتكاز جديدة للسياسة الكويتية، مهدت بل ساهمت في كثير ممَّا وصلت إليه حالياً تلك السياسة من اتسام بالحياد، وسعي دؤوب تجاه التصالحية وتجميع الفرقاء، نرى ذلك بارزاً فيما خطته تلك السياسة من مواقف متوالية تجاه الدول المحيطة، حيث أثبت ذلك التحرير عِظم الارتباط الكويتي بدول الخليج، وأن لا استمرارية لنهوضها وحداثتها واستقرارها دون تلك الحاضنة الخليجية القوية. لذا فمع كل انتكاسة بينية بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي نرى الكويت على الحياد، وكأنها توفر نفسها إلى تلك اللحظة التي تجمع فيها الفرقاء وتزيل الخلاف وتتم التصالح، وذلك نابع من إحساسها بالمسؤولية والامتنان تجاه محيطها الخليجي، الذي أنقذها يوماً ما بجهوده ودعمه من الوقوع في براثن الزوال.

كما نرى أن التحرير كذلك أدى دوراً مهماً في تحديد علاقاتها مع كثير من الدول التي أيدت غزو العراق للكويت، وساندت جهود صدام في ذلك، فاليمن والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، على سبيل المثال، اتخذت مواقف داعمة أو شبه داعمة لصدام؛ لذا فإنه ورغم وجود علاقات دبلوماسية بين الكويت وهذه الدول، إلا أن العلاقات في معظمها تتسم بالفتور، والزيارات الثنائية تكاد تكون شحيحة. وهذا ما يبين المدى والأثر الذي أحدثته حرب الخليج في صياغة السياسة الكويتية، والتي جعلتها في النهاية تُبدي سياسات الحياد والوئام تجاه الدول التي ساعدتها في محنتها، في حين تُبدي سياسات الفتور والجمود تجاه الدول التي وقفت موقفاً ما معادياً لها في أثناء أزمتها.

صِيغت هذه السياسة كأوضح ما يكون في السنوات الأولى التي تلت تحريرها مباشرة، حيث وجهت الكويت جل جهودها الدبلوماسية والتعاونية تجاه الدول التي شاركت في التحالف متعدد الجنسيات. والجدير بالذكر أنها أعطت الكثير من هذه الدول دوراً رئيساً في إعادة إعمارها؛ وذلك كنوع من الامتنان لما فعلته تلك الدول حيال أزمتها[15].

هل للتركيبة الطائفية للمجتمع الكويتي أثرٌ في سياسة الحياد؟

في 2 حزيران/يونيو 2016م داهم ضباط جهاز الأمن الكويتي بيوتاً ومزارع بالقرب من الحدود العراقية، ومن خلال تمزيق السجاد وتحطيم الأرضيات الخرسانية تم العثور على مخزن للأسلحة مخبأ في حاويات بلاستيكية كبيرة، وهو أكبر اكتشاف من نوعه في تاريخ الكويت.

وعرض وزير الداخلية الكويتي، وهو أحد كبار أفراد الأسرة الحاكمة، عبر تلفزيون الدولة، نتائج العملية رسمياً، والتي اتهمت فيها الكويت 25 من مواطنيها، جميعهم من الشيعة، وإيرانياً بالتجسس لإيران والجماعة الشيعية اللبنانية “حزب الله”.

جاء هذا الحدث ليكشف عن وجود البذرة الطائفية بين أركان البيت الكويتي، فبينما توجد أغلبية كويتية من السنة وأقلية من الشيعة، إلا أنهم يحصلون على حقوق أفضل ممَّا هو عليه الحال مثلاً في المملكة العربية السعودية المجاورة، إلا أن التوترات لا تزال موجودة، ويقول أقارب بعض الرجال المتهمين: “إنهم ضحايا أبرياء، ومتهمون بسبب السياسة الإقليمية”.

ومن هذا المنطلق فإن الكويت تدرك جيداً مدى الخطورة التي تحتويها تقسيماتها المذهبية؛ لذا فإنها تعمل جاهدة من خلال سياساتها الداخلية والخارجية على تجنب الوقوع -قدر الإمكان- فيما يمكن أن يؤجج الوضع المذهبي؛ داخلياً من خلال اعتماد حسن المعاملة للشيعة، وإتاحة المجال لهم كي يحوزوا كامل حقوقهم، وخارجياً من خلال تمثل سياسة الحياد والبحث دوماً عن التصالحية.

في هذا الإطار صرح دبلوماسي شرق أوسطي بأن الكويت، التي تضم قواعد عسكرية أمريكية، وأحد المنتجين الرئيسيين للنفط بـ “أوبك”، في وضع حرج؛ فهي نقطة صغيرة في مثلث كبير جداً، مثلث محتدم في صراع تاريخي تقليدي ممتد بين السعودية من جهة وإيران من جهة أخرى، حول النفوذ والطاقة والتسليح، مضيفاً في إشارة إلى الكويتيين: “إنهم يقتلون أنفسهم ليكونوا على الحياد”[16].

من هذا العرض نرى مدى التوازي والارتباط بين تعميم الحياد واتخاذه منهاجاً للسياسة وبين هدوء الأوضاع في الداخل الكويتي، فالحياد دائماً يحرم المتشددين من الحجج الداعية إلى الانزعاج وإعلان الغضب؛ ممّا يسهم من ثم بقسط وافر في ديمومة الاستقرار، في حين أن الانحياز إلى جهة ما يستخدم مبرراً في الغالب لتأزيم الأوضاع وتفجيرها.

أزمة سحب السفراء والدور الكويتي

في أوج مراحل ما عرف بالربيع العربي، وتحديداً في آذار/مارس من عام  2014م، ظهر على السطح ذروة خلافٍ خليجي أدى إلى سحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من دولة قطر؛ وذلك لما اعتبره الثلاثة حينذاك عدم التزام الأخيرة بما تم التوافق عليه في مجلس التعاون الخليجي، وقد جاء في بيان مشترك من الدول الثلاثة حينها أن القرار اتخذ بعد فشل كل الجهود في إقناع قطر بضرورة الالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد، سواءً عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم دعم الإعلام المعادي.

وبحسب مراقبين فإن الأسباب الصريحة التي ألمح إليها البيان، تتمثل في دعم قطر بعض الثورات العربية بما لا يتوافق مع رؤية المجموعة الخليجية، ودعمها كذلك جماعة الإخوان المسلمين بشكل مباشر، ولا سيما بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكمها في مصر عام 2013م، عبر إيواء شخصيات وقيادات مهمة منتمية لتلك الجماعة على أراضيها، وتوفير أدوات إعلامية تدعم بشكل مباشر مسارات تلك الجماعة في معارضة نظام الحكم في مصر[17].

وقد اختارت الكويت كما عُمان اتخاذ مواقف محايدة تجاه القضية برمتها، فنأتا بنفسيهما عن ذلك الخلاف واختارتا موضعاً وسطاً يعمل على تدوير الزوايا وتقريب الرؤى؛ وذلك -كما ألمحت إليه بياناتهما- من أجل دعم استقرار الخليج والحفاظ على مجلس التعاون من التصدع.

ففي تصريح حينها لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأمة الكويتي، النائب على الراشد، لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية قال: “الموقف الكويتي الذي يسعى له وزير الخارجية، بتوجيهات أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، هو تحقيق رغبة وتطلعات الشعب الكويتي بتقارب وجهات النظر الخليجية ولم الشمل”[18].

وعبر هذا التصريح نرى مدى اتفاق سياسة الكويت مع تطلعات شعبها ممثلاً في مجلس الأمة الكويتي على ضرورة رأب الصدع الخليجي، وإحداث تقارب ما في وجهات نظر الفرقاء، وهنا تتجلى السمة الرئيسة للسياسة الكويتية والتي حافظت عليها دوماً؛ وهي الحياد والسعي الدائم إلى دعم استقرار المنطقة، والعمل الدؤوب على تجنيب مجلس التعاون الخليجي أي انفكاك أو تباعد.

وقد تُوجت جهود إمارة الكويت وسلطنة عمان بعودة سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى قطر بعد تسعة أشهر من سحبهم، وأوضح بيان مشترك صدر عن قمة خليجية تشاورية أقيمت في الرياض، منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2014م، إلى أن الاتفاق بعودة السفراء “يعد إيذاناً بفتح صفحة جديدة ستكون بإذن الله مرتكزاً قوياً لدفع مسيرة العمل المشترك، والانطلاق بها نحو كيان خليجي قوي ومتماسك، خاصة في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة، وتتطلب مضاعفة الجهود والتكاتف لحماية الأمن والاستقرار فيها”[19].

هل توجد استثناءات في تصالحية الكويت؟

سياسة الكويت ممتنة جداً للدول التي أولتها دعماً ما في حرب تحريرها عام 1991م، وهذا من أهم مرتكزات سياسة الكويت الخارجية كما أسلفنا، ونرى ذلك متمثلاً، بجانب أسباب أخرى، في اهتمامها بالشأن المصري وتطوراته، فعلى مدار السنوات الأخيرة المضطربة في مصر، لم تنفك الكويت تدعم القاهرة اقتصادياً وسياسياً، وذلك اعترافاً بالجميل لمصر؛ إحدى كبرى الدول التي شاركت في حرب الخليج الثانية، حيث جاء ترتيبها، من حيث عدد القوات المشاركة، الرابعة بعد الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وبريطانيا[20].

لكن الدعم المباشر لدور الرئيس الحالي لمصر عبد الفتاح السيسي في حركته العسكرية التي انقلبت على حكم الإخوان المسلمين في مصر عام 2013م أخرجها قليلاً من دائرة دورها المعهود والمتوقع منها، وهو الحياد، والمثابرة في لم شمل الفرقاء. وربما يبرز هذا الاستثناء ليواجهنا بسؤال مهم يحتاج منا لإجابة؛ هل تتأثر سياسة الكويت التصالحية بتغيّر الدوائر الإقليمية محل الأزمات؟ أم أن هذا الاستثناء بالنسبة للحالة المصرية مرتبط بتفسير معين أو خصوصية ما؟

ربما تقل حدة اهتمام السياسة الخارجية الكويتية في الأزمات التي تتم خارج دائرتها الإقليمية الأهم وهي دائرة دول مجلس التعاون الخليجي؛ لذا فمواقفها بالنسبة للحالة المصرية كانت قلقة مضطربة في بدايات الربيع العربي كغيرها من دول الخليج؛ وذلك خوفاً من امتداد الاضطرابات إلى محيطها الجغرافي. وبدأت الأمور تسير نحو الهدوء قليلاً حينما أشادت الخارجية الكويتية بدور الجيش المصري في الانتقال السلمي للسلطة، ثم بلغت حالة الاستثناء أقصاها مع الاستقطاب السياسي الكبير الذي منيت به الدولة المصرية في أثناء حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، حيث عبرت عن دعمها الكامل لما أحدثه الفريق أول عبد الفتاح السيسي حينها من انقلاب على حكم الإخوان المسلمين.

وربما كان هذا استثناء في السياسة الكويتية مالت به بشكل كامل تجاه طرف على حساب طرف، وهذا يعبر لدى البعض عن أن الحياد أو التصالحية التي تتمتع بها سياسة الكويت الخارجية تنصب في الغالب في اتجاه محيطها الخليجي فقط، ثم تبدأ هذه التصالحية في الانخفاض تبعاً للدول محل الأزمات، وهي في هذا كله تسير في اتجاه دعم قرار خليجي موحد.

التفسير الثاني للاستثناء الخليجي تجاه الحالة المصرية يتمثل في خصوصية ما للملف المصري الشائك، فكما أسلفنا اعتمدت الكويت في سياستها على الامتنان لتلك الدول التي ساعدتها في محنتها، وقد أدت القاهرة دوراً محورياً في هذا الصدد، وبناء على ذلك فالامتنان هنا حين توجه من الكويت لطرف على حساب آخر، والمقصود هنا هو وزير الدفاع حينئذ الفريق أول عبد الفتاح السيسي، على حساب محمد مرسي الرئيس المصري الأسبق المنتمي للإخوان، كان بناء على أن المساعدة التي توجهت بها مصر للكويت أثناء أزمتها مع العراق تمت عن طريق الجيش المصري، ممثلاً في قائده الأعلى حينئذ وهو الرئيس حسني مبارك ذو الخلفية العسكرية؛ لذا ربما كان الدعم الكويتي للجيش المصري، أو بمعنى أدق لقياداته، مُبرراً على هذا الأساس.

 

أزمة مقاطعة قطر

 

“إيران تمثل ثقلاً إقليمياً وإسلامياً لا يمكن تجاهله، وليس من الحكمة التصعيد معها”. هكذا كانت تصريحات أمير قطر التي نقلتها عنه وكالة الأنباء القطرية الرسمية، قبل أن تنفي قطر هذه التصريحات وتؤكد في بيان رسمي أن وكالة الأنباء القطرية وعدداً من النوافذ الإعلامية الأخرى تم قرصنتها، ووضع هذه التصريحات الزائفة والمغلوطة عليها، وأكدت السلطات القطرية أنها شرعت على الفور في إجراء تحقيق مستقل يشارك فيه مكتب التحقيقات الاتحادي FBI لمعرفة ملابسات هذا الاختراق والجهة التي قامت به.[21]

 غير أنه ورغم هذا التكذيب والنفي استمرت وكالات أنباء تابعة للسعودية والإمارات في الترويج لتلك التصريحات، دون إيلاء أي أهمية لما صدر من تكذيب لها أو نفي[22]، وكان هذا الأمر خطوة على طريق منزلق من التوترات، حيث تم بعد ذلك بعدة أيام اختراق البريد الإلكتروني الشخصي ليوسف العتيبة سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وتم نشر ما عليه من معلومات[23]، وسبق ذلك اختراق حساب تويتر الخاص بوزير الخارجية البحريني.

وصل هذا التوتر ذروته في 5 حزيران/يونيو 2017م حين أعلنت عدة دول عربية عبر بيانات مُنفصلة؛ وهي السعودية والبحرين والإمارات ومصر واليمن، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة قطر. وجاءت صيغ البيانات جميعها متحدثة عن نقاط رئيسة أدت لذلك الأمر؛ وهي: تأجيج الصراعات الداخلية، ودعم تنظيمات إرهابية، وإيواء مطلوبين، ودعم سياسات إيران في المنطقة[24].

ومن الملاحظ في هذه الأزمة، كما في أزمة سحب السفراء عام 2014م، وقوف الكويت وعُمان على الحياد، حيث لم تصدر عن دولة الكويت أو سلطنة عمان أي تصريحات مفادها دعم طرف على حساب آخر، بل من اللحظة الأولى للخلاف عملت الدبلوماسية الكويتية وأمير الكويت نفسه على تهدئة الموقف وإعلان التوسط لحل الأمور؛ فطلب أمير الكويت من أمير قطر عدم التصعيد والتمهل، وإعطاء فرص الحوار حقها[25]

 فقام الأخير بتأجيل خطاب له كان مزمعاً إلقاءه على إثر هذه الأحداث، كما قام أمير الكويت بالتوجه إلى السعودية ملتقياً الملك سلمان، وتوجه منها إلى الإمارات. غير أنه لم تصدر أي بيانات بخصوص هاتين الزيارتين، هذا وما زالت جهود الكويت مستمرة لحل الأزمة[26].

هل يمكن لسياسة الكويت أن تتغير؟

بهذا الموقف الأخير وبذلك الحياد الذي تنتهجه تؤكد الكويت، كما في مرات عديدة ماضية، سياستَها الخارجية الوسيطة دوماً، وغير الجانحة نحو التسرع أو إبداء آراء ومواقف بسهولة، كما تُبين عن إدراكها أهمية الوحدة الخليجية وتماسك الصف الخليجي، في مواجهة التهديدات الخارجية المحيطة به، لكن هل هذا الإدراك يكفي للثبات على سياسة الحياد؟

الكويت لا تمتلك الإدراك والوعي اللذين يعفيانها من الوقوع في حمأة الصراع والانحياز فحسب، وإنما تمتلك بجوارهما كذلك تجربة سياسية عميقة جديرة بالتوقف عندها، تميزت بالمحافظة على إسهاماتها التوافقية التي تسعى من خلالها لرأب الصدع، وتَمثُل دور المنقذ الذي يفكك الأزمات بالحلول. لكن الأزمة هذه المرة عنيفة ومتلاحقة الفصول، والتغيرات التي تحدث على الساحة الخليجية ليست أبداً بالعابرة، كان آخرها عزل الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز عن ولاية العهد في السعودية، وتولي الأمير محمد بن سلمان بدلاً منه، كل هذا يدل على مدى الصعوبة التي تكتنف مهمة الوساطة التي تضطلع بها الكويت.

التوترات الحالية التي تموج بها المنطقة هي توترات غاية في العنف والدراماتيكية، والتوقع المنهجي المبني على معطيات التاريخ والمواقف السابقة، لا يمكنه أن يفي بمصداقيته إلى النهاية؛ ذلك أن هناك لحظة حرجة يصير بعدها كل شيء ظنناه يوماً مستحيلاً ممكناً.

الهوامش

[1] وفاء بسيوني: 26 عاماً على غزو العراق للكويت.. ذكرى لم تمحها السنين، شبكة الإعلام العربية محيط، 2016/8/2، الرابط:

http://www.moheet.com/2016/08/02/2456873/26-عاماً-على-غزو-العراق-للكويت-ذكرى-لم-تم.html

[2] عبد العزيز الرشيد: تاريخ الكويت، منشورات دار الحياة، طبعة ١٩٧٨، ص 18.

[3]عماد فواز: عزرائيل الطريق الوحيد لتداول السلطة في تاريخ الوطن العربي، الحوار المتمدن، العدد 1541، 2006/5/5،
الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid =63922

[4] بدر الدين الخصوصي: دراسات في تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، منشورات ذات السلاسل، الكويت، ط 1، 1988، 75/2.

[5] يعقوب يوسف الغنيم: ملامح من تاريخ الكويت، 1999، ص 37.

[6] عبد المحسن الشاري: بيان أبو الدستور للشعب، الشاهد، 2012/11/14، الرابط: https://goo.gl/FuUxtA

[7] المرجع السابق.

[8] Abdullatif AlOmar:Kuwait’s Double National Day Celebrations, global voices, 4/3/2008

 الرابط: https://goo.gl/iTLgto

[9] The legal status of the Arabian Gulf States : a study of their treaty relations and their international problems Manchester University Press ND,1968, P.25

[10] معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.. أولى المعاهدات، الجزيرة نت، الرابط: https://goo.gl/hysMLQ

[11]Turki al-Hamad: Will the Gulf Monarchies Work Together?,Middle East Quarterly, March 1997, pp. 47-53, الرابط:http://www.meforum.org/340/will-the-gulf-monarchies-work-together

[12] Iraq invades Kuwait, الرابط: http://www.history.com/this-day-in-history/iraq-invades-kuwait

[13] حمد المشاط: كنت سفيراً للعراق في واشنطن: حكايتي مع صدام في غزو الكويت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2008.

[14] Desert Storm-Ground Attack Day 4 The End, History Central, الرابط: https://goo.gl/iAC37H

[15] Expelled from Saudi Arabia, down and out, irin, 31/8/2008
الرابط: http://www.irinnews.org/report/80088/yemen-expelled-saudi-arabia-down-and-out

[16] Sylvia Westall: Terror case opens up Kuwait’s sectarian divisions, Reuters, 2/6/2016
الرابط:  http://www.reuters.com/article/us-kuwait-security-iran-insight-idUSKCN0YO0VH

[17]لماذا سحبت دول الخليج الثلاث سفراءها من قطر؟، العربية نت، 2014/3/5، الرابط:  https://goo.gl/mP7kNG

[18] الشرق الأوسط: جهود كويتية لحل أزمة سحب السفراء القطريين من الخليج، مصراوي، 2014/3/19
الرابط: https://goo.gl/mdDJZK

[19] اتفاق على عودة سفراء السعودية والإمارات والبحرين للدوحة، الجزيرة نت، الرابط: https://goo.gl/oezPWo

[20]Ancient Man and His First Civilizations/Egypt-10,
الرابط: http://realhistoryww.com/world_history/ancient/Egypt_4a.htm

[21] وكالة الأنباء القطرية تنفي نشرها تصريحات منسوبة لأمير الدولة وتقول إن موقعها تعرض للاختراق، روسيا اليوم، 2017/5/24
الرابط: https://goo.gl/iAQyGr

[22] Saudi Arabia, UAE, Egypt, Bahrain cut ties to Qatar, Aljazeera, 2017/6/5
:الرابط https://goo.gl/56SoRV

[23] Akbar Shahid Ahmed: Someone Is Using These Leaked Emails To Embrass Washington’s Most Powerful Ambassador, Huffpost, 3/6/2017, الرابط: https://goo.gl/KczMXe

[24] دول عربية تقطع العلاقات مع قطر لـ”دعمها الإرهاب” وقطر تأسف للقرار، بي بي سي عربي، 2017/6/5،
الرابط: https://goo.gl/XRN

[25] سمو أمير البلاد يجري اتصالاً هاتفياً مع أمير قطر، وكالة الأنباء الكويتية، 2017/6/5/ الرابط: https://goo.gl/au71tB

[26] أمير الكويت يصل السعودية لاحتواء الخلاف الخليجي، الجزيرة نت، 2017/6/6، الرابط: https://goo.gl/uNqrjv