آراء

حسان عمران: آخر العلاج (الثورة)

473525_183420905106196_1630999181_o

قديماً قالت العرب “آخر العلاج الكي”، فالكيّ لم يكن يوماً حلّاً مثالياً خالياً من الآلام والآثار المستديمة على جسد المريض، وكذا كان البتر حلّا أخيراً للحفاظ على ما تبقى من حياة المريض. كذلك هي الثورات!

فالثورة كما عرّفتها الخبيرة الألمانية “حنة أرنت”: “هي عمل عنيف منظم مسبقاً لتغيير نظام الحكم”، فالعنف شرط أساسي للثورة ومنهج مخطط له لتحقيق مآربها، وهي ليست مجرد عمل احتجاجي على سياسة ما أو مطالبة صاخبة بحق من الحقوق، وإنما هي منهج مخطط له وواع بالمآلات لتغيير نظام الحكم كلياً أو جزئياً، ويتسم بالعنف شرطاً بل والجفاف في حاسّة الرحمة.

والثورات موضوع شائك معقد لكثرة العوامل الداخلية والخارجية وتأثيرها الضخم على المحصلة السياسية والإجتماعية الداخلية والدولية. ومما يزيد من تعقيد الثورات أنها في حال النجاح أو الفشل تؤذن بظهور منظومة جديدة مختلفة عما سبقها، سلباً أو ايجاباً. وبالتالي فإن حدوث تغيير في المنظومة القائمة نتيجة الثورة عليها أمر حتمي والذي يجب أن يتم التركيز عليه فعلياً هو إيجابية هذا التغيير.

وللثورات أنماط مختلفة من حيث  المبنى والأهداف. فمنها ما يحركه الشعب، ومنها ما يكون ثورة من احدى مكونات الحكم، ومنها ما يكون مزيجاً بينهما:

  • فمن الثورات ما يكون مظاهرات شعبية سلمية تشكل غطاء لعمل عسكري منظم كما حصل في ايران.
  • ومنها ما يبدأ بأعمال شغب شعبية عامّة تمهد لثورة مسلحة سريعة الحسم كما حصل في فرنسا عام 1789 وفي ثورة أكتوبر في روسيا.
  • ومنها ما يكون على شكل ثورات مسلحة طويلة الأمد، تتموضع في إقليم ما لتتوسع وتسيطر على بقية الأقاليم مثل ثورة العبيد (سبارتاكوس) ضد روما، وثورة المرابطين في المغرب العربي، والثورتان الكوبية والفيتنامية مؤخراً.
  • ومنها الحروب الشعبية طويلة الأمد التي تمر بمراحل مد وجزر وتصبح نوعاً من الحروب الأهلية حتى ينتصر أحد الأطراف، مثل الثورة الصينية الممتدة بين 1929-1949.
  • ومنها حركات التحرر الوطني التي شنّت ثورات مسلحة ضد استعمار أجنبي ثم استولت على الحكم وأنشأت نظاماً ثوري البنية كالجزائر وفيتنام.
  • ومنها الإنقلابات العسكرية التي تأتي استجابة لمطالب الجماهير مثل انقلاب الضباط الأحرار في مصر وانقلاب الجيش الإندونيسي على الرئيس سوهارتو استجابة لمطالب جموع المتظاهرين.
  • ومن الثورات أيضاً ما ينطلق من داخل مؤسسات الدولة كالثورة الأمريكية حيث تم تعيين واشنطن قائداً عاماً للجيوش الثورية في الكونغرس، وثورة كرومويل المجيدة في بريطانيا التي بدأت من البرلمان.

وللثورات مآلات عديدة حسب العوامل الذاتية والخارجية المؤثر فيها، إلا أن المشترك الثابت الوحيد هو غياب أي معنى من معاني الرومانسية السياسية أو الوردية في مرحلة الثورة والفترة التي تليها.

ففي مرحلة الثورة يتركز الإستعمال الممنهج للعنف ضد العدو الأوحد وهو قيادة النظام المرغوب تغييره، أما في مرحلة ما بعد الثورة فإنها غالباً ما تدخل مرحلة أكثر تعقيداً من الانقسام الداخلي والتصفية التي تبدأ فور انتهاء الأعمال أو الحروب الثورية. فتبدأ طبقات المصالح المتضاربة بحبك خيوطها، وتلجأ لاستمالة الأطراف القادرة على توظيف العنف لمصلحتها فتنشأ الثورات المضادة ويصبح سفك الدماء أمراً روتينياً بل وربما مبرراً بشكل قانوني أو أخلاقي حتى.

ومن العوامل المشتركة أيضا التدخل الخارجي الفعّال في الثورات والثورات المضادّة لتوظيفها فيما يخدم مصلحة الجهة المتدخلة، فتصبح الثورة في مواجهة أزمات مركبة من الداخل والخارج.

وعدا عن سلعة الدم، فإن العجز المالي والإقتصادي هو من السمات الأساسية لدول ما بعد الثورات حيث تتقلص ميزانية الدولة بسبب الإنفاق العسكري وتعطل الإنتاج. ولعل من مفارقات التاريخ أن الأزمة المالية التي سرّعت اندلاع شرارة الثورة الفرنسية كان سببها دعم الملك لويس للثورة الأمريكية نكاية ببريطانيا. فألهمت الثورة الأمريكية أختها الفرنسية!

ومن مشتركات الثورات أن ما قبل الثورة ليس كما بعدها. فحتى وإن هزمت الثورة فإنها تؤذن بميلاد مرحلة جديدة سواء سلباً أم إيجاباً. فثورة العبيد بقيادة سبارتيكوس التي وصلت أعتاب  روما، رغم هزيمتها، أثبتت لكل من عارض روما بأن روما قد تقهر.

ومن أبرز الأمثلة على التجارب الثورية الناجحة هي الثورة الفرنسية التي امتدت آثارها إلى القارات الثلاث. فقد دخلت البلاد في فوضى مطبقة قرابة العشر سنين، فما أن حل عام 1795 إلا وقد أفنى الثوار بعضهم على المقصلة ليقدر عدد الذين حصدت مقصلة غالوتين رؤسهم بين 16 – 40 الف فرنسي من ضمنهم تقريبا جميع من قاد الشرارة الأولى للثورة ، ودخلت البلاد وقتها في أزمات مالية هائلة. وعادت الملكية بعد انتهاء الثورة بخمس عشرة سنة.  فكانت الثورة الفرنسية مثالاً واضحاً على المخاض الثوري العسير الذي تمر به الثورات. إلا أنها أثبتت أن الكي قد يفلح في النهاية مهما اشتد ايلامه. فأصبحت فرنسا امبراطورية مترامية الأطراف وممتلئة الخزينة بعد تأسيس نظام حديث يمثل الشعب الذي أطلق الثورة ليقطف ثمارها بعد مخاضات عسيرة.

وكانت ثورات روسيا ضد القيصرية مثالا على أهمية التوقيت على العوامل الداخلية والخارجية، فسقطت الموجة الأولى عام 1905 لتنطلق الثانية عام 1917 ليقول لينين مقولته بأن: “البارحة كان مبكراً، غداً سيكون متأخراً… اليوم!”.

ومما أثبتته التجارب أن من يرفع السلاح “للدفاع عن النفس” فقط مصيره الهلاك، ففي الثورات إما أن تخطط للنصر أو تخطط للقبر!

*حسان عمران: باحث في مركز إدراك للدراسات والإستشارات