المرصد

كيف تلاعب جواسيس فرنسا وإسرائيل بمهندس سوري للحصول على معلومات حساسة عن الأسلحة الكيميائية السورية

لوموند

تاريخيا، اشتهر جواسيس وكالات الاستخبارات العالمية بخوضهم حروبا سريّة، يقومون خلالها بتوحيد مصالحهم، عبر إقامة تحالفات بينهم. وفي هذه الأثناء، تتنافس كل هذه الوكالات بهدف مكافحة انتشار واستخدام ، باعتبارها مسألة حياة أو موت. وفي هذا الصدد، تمكّنت صحيفة “” الفرنسية، في سبق صحفي نادر، من الولوج إلى تفاصيل عملية بالغة السرية أطلق عليها اسم “راتافيا”.

في واقع الأمر، تم إطلاق هذه العملية في فرنسا، من قبل ونظرائها من الموساد الإسرائيلي، ضد برنامج الأسلحة الكيميائية السري، الذي طوّره نظام بشار الأسد. نتيجة لذلك، تمكن رجال الاستخبارات، في خضم عملية “راتافيا”، من الحصول على معلومات بالغة الدقّة حول ترسانة الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها النظام السوري، وذلك أثناء وحتى قبل نشوب الحرب الأهلية في ، التي انطلقت منذ سنة 2011. وفي الأثناء، تمثّل العمل الطويل للمخابرات بالأساس في إيجاد مصدر سوري، ومن ثم التلاعب به. 

وفي هذا الإطار، حصلت صحيفة “لوموند”، من مصادر قضائية وأخرى تابعة للمخابرات الفرنسية، على معلومات مهمّة كشفت النقاب عن مدى إطّلاع القوى الغربية الفعلي حينذاك على البرنامج الكيميائي لنظام دمشق. يأتي هذا قبل ثلاث سنوات من إدانة هذه القوى للبرنامج الآنف ذكره في أعقاب المجازر المُرتكبة سنة 2013.

وتجدر الإشارة إلى أن التعاون بين الحلفاء المقرّبين؛ الفرنسيين والإسرائيليين، قد ساهم، منذ سنة 2011، في لفت انتباه المجتمع الدولي إلى الخطر الذي يشكّله النظام السوري، فضلا عن محاولة الضغط على المجتمع الدولي بهدف تفكيك ذلك النظام. وتجدر الإشارة إلى أن الصحيفة قد اختارت، عن دراية، التكتم على عدّة جوانب لعملية “راتافيا”، بهدف الحفاظ على سلامة العملاء الميدانيين، فضلا عن العمليات الأخرى المستمرّة.

ووفقا للمعلومات التي أرسلها الموساد، في سنة 2010، إلى المديرية المركزية للاستخبارات الداخلية (التي أصبحت تُدعى المديرية العامة للأمن الداخلي في سنة 2014)، بالإضافة إلى المديرية العامة للأمن الخارجي، فقد تم إطلاق العملية قبل سنتين من ذلك. وفي دمشق، تمحورت عملية “راتافيا” حول التقرّب طويل الأمد من سوري يعمل ضمن برنامج تطوير وتصنيع وتخزين أسلحة كيميائية وصواريخ مُوجّهة.

في الواقع، لطالما مثّلت مراقبة الوضع في سوريا إحدى أولويات الحكومة الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، اعتبِر برنامج نظام الأسد الكيميائي، الذي يضمّ قرابة 10 آلاف موظف، حسب الأرقام المتبادلة بين الحكومات الغربية الكبرى، على رأس أولويات الموساد الإسرائيلي. من جهة أخرى، عزّزت دمشق تدابيرها الأمنية والسريّة في أعقاب حادث شنيع، دارت الشكوك حول مسؤولية الموساد الإسرائيلي عنه، وفق ما صرّح به دبلوماسي فرنسي.

والجدير بالذكر أن موقع “السفير”، سنة 2007، قد اهتزّ إثر حادث خطير وقع أثناء تجميع صواريخ مُوجّهة تحتوي على غاز الأعصاب “في أكس”، أكثر الغازات المستخدمة في الحروب الكيميائية المعروفة سُميّة. في سنة 2010، اتّهم نيتسان نورييل، مدير هيئة مكافحة الإرهاب الإسرائيلي، خلال القمة العاشرة لمكافحة الإرهاب، دمشق بتقديمها أسلحة غير متّفق عليها إلى كل من حركة حماس، وحزب الله اللبناني.

 

ثغرات نفسية

في الحقيقة، لم يكن الهدف من العملية تصفية مسؤولين في البرنامج، بقدر ما تمثّل في إيجاد مصدر سوري مُطّلع على الأسلحة الكيميائية. بالإضافة إلى معرفة الروابط التي تجمع المسؤولين بالحلفاء الإيرانيين، والروس، والكوريين الشماليين، فضلا عن تحديد قنوات التزوّد في هذا المجال. وعلى مدى عامين كاملين، نجح الموساد الإسرائيلي في التواصل مع الشخص المستهدف من العملية، من خلال وسيط محلي في دمشق.

ومن هذا المنطلق، استطاعت جمع قدر كاف من المعلومات لخلق قصة متكاملة، بغية إقناع الهدف بضرورة الخروج من سوريا، ليتمكّن الموساد حينها من التقّرب إليه أكثر. وما زاد من اهتمام المخابرات، هي العلاقة الوثيقة التي جمعت الرجل، القاطن بدمشق، بابنة مسؤول رفيع المقام في النظام السوري. وبعد تحليل نقاط الضعف النفسية في شخصية المستهدف، اتضح أنه حالم ورومانسي، فضلا عن أن كان يرغب في التخلص من الإدارة السورية.

وفي هذا السياق، توصّل محاوره في دمشق إلى إقناعه من أن مصيرا آخر بانتظاره، كما أن بإمكانه القيام بمشاريعه الخاصة دون التخلّي عن خدمة بلده. نتيجة لذلك، بدأت ترتسم معالم السفر إلى الخارج، على وجه الخصوص إلى فرنسا، لخُلوّها من المخاطر، وباعتبارها صديقة سوريا، وذلك بهدف بدء العمل على شركة الاستيراد والتصدير التي يحلم بإنشائها. في المقابل، افتقد الرجل الحرية المطلقة في التنقّل، نظرا إلى أن النظام السوري كان متحفّظا على جواز سفره، لدواع أمنية، فضلا عن أن سفره إلى فرنسا كان يخضع لإذن من رؤسائه.

في هذه المرحلة، تدخّل جهاز المخابرات الفرنسي، من خلال فتح الأبواب وتسهيل حصول الشخص المستهدف على تأشيرة دخول، دون أن يتفطّن هذا الأخير إلى اللعبة التي تُحاك له. وخلال هذه العملية التي أطلق عليها اسم “راتافيا”، والتي استمرت لعدة سنوات، تم دمج فريق من المديرية المركزية للاستخبارات الداخلية وعملاء من المديرية العامة للأمن الخارجي داخل جهاز الموساد. علاوة على ذلك، شاركت كل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية في هذا المخطط.

 

أسلوب الحياة في فرنسا

عند وصول الشخص المستهدف إلى فرنسا، اقتاده رجل إلى فندق في الدائرة الثالثة عشرة بباريس، كما تمت طمأنته بأنه لن يكون مراقبا من قبل السفارة السورية في فرنسا. وفي الأثناء، تكفّل رجل أعمال “مزيّف” يحمل اسما إيطاليا بالاهتمام بالهدف، حيث أصبح كاتم أسراره وناصحه الأمين، الذي يمدّه بالمشورة ويضعه على اتصال بأشخاص آخرين.

والجدير بالذكر أن عددا كبيرا من محاوري الهدف الذين كانوا في الظاهر رجال أعمال، وسائقين أو وسطاء، لم يكونوا في الواقع سوى عملاء من الموساد. أما المديرية المركزية للاستخبارات الداخلية فقد اهتمّت بحماية الهدف، فضلا عن الخدمات اللوجستية المتعلقة بالمراقبة التقنية، على غرار زرع أنظمة الصوت داخل السيارات وغرف الفندق، أو تفتيش أجهزة الحاسوب.

في واقع الأمر، تم عقد اللقاء الأول بباريس في فندق كبير اسمه “جورج الخامس”. ومنذ بداية الأحداث، نجح عملاء الاستخبارات في إحكام قبضتهم على الشخص المستهدف من الناحية النفسية على أكمل وجه، خاصة وأن صديقه النّصوح قد مكّنه من سيارة وسائق وأسلوب حياة مترف. من ناحية أخرى، نجح الموساد، في التحايل على الهدف، الذي غمره الحماس ونفاد الصبر، من خلال إقناعه بهذه الحكاية الخرافية على أنها نقطة التحول الحاسمة في حياته الشخصية والمهنية.

وفي هذا الإطار، أفضى الموساد إلى شركائه الفرنسيين أن الشخص المستهدف لا يرى نفسه على أنه خائن، كما أنه لن يمنح المعلومات بسهولة تامة. ونظرا لجدّية المستهدف، وعلى الرغم من روح الدعابة التي يُظهرها أحيانا، عجز مضيّفوه عن إقناعه بالذهاب إلى ملهى “الحصان المجنون” الباريسي.

خلافاً لذلك، نجح المرافقون في جرّه إلى عرض “ماما ميا” الموسيقي، الذي اعتبره الرجل مخالفا، نوعا ما، للفكرة التي يحملها عن الترفيه. كما لاقى هؤلاء نجاحا أكبر حين قاموا بجلب “نرجيلة” إلى غرفته بالفندق. وتجدر الإشارة إلى أنه من بين عشرات العملاء من الموساد الناشطين في الجزء الفرنسي من العملية، ساوى عدد علماء النفس، أو ربّما فاق، عدد الفنيين وقدامى القوات الخاصة.

 

وأُطبق الفخّ    

خلال إقامة الهدف السوري في فرنسا، اقترح عليه زملاء صديقه الإيطالي بيعه معدّات، أو وضعه على اتصال مع المزوّدين. وبمعرفة الموساد لما يبحث عنه الرجل، أثرت المخابرات الإسرائيلية معرفتها بالبرامج السورية الكيميائية. وفي غمرة العملية، نجح جهاز الموساد، بالإضافة إلى المديرية المركزية للاستخبارات الداخلية والمديرية العامة للأمن الخارجي، في الكشف عن المصادر الفرعية، والوسطاء، والمصنّعين الفرنسيين والأوروبيين، الذين يسعون إلى الاستفادة من انتشار الأسلحة الكيميائية.

وفي خضم كل ذلك، اعتاد الهدف السوري على تلقّي الأموال نقداً، فضلاً عن الهدايا. وعلى الرغم من أنه نصح بضرورة محافظته على السرية تجاه المحيطين به، إلا أن الرجل السوري شرع في تسريب المعلومات شيئاً فشيئاً، في ظل استمرار شعوره بالولاء لدمشق. ونظراً للتأثير النفسي الذي مارسه علماء النفس التابعون للموساد على الهدف، استأنف الرجل فكرة مساعدة ابنة المسؤول السوري رفيع المقام، في سبيل تحقيق مشاريعه الشخصية. من جهة أخرى، تمثّل أسلوب المخابرات في إشراك الشخص المستهدف  في الحوارات واتخاذ القرارات، من البسيطة وغير الضارة إلى تلك المتعلقة بالشراء والبحث عن المعدات.

نتيجة لذلك، اكتشف الرجل بنفسه، وفق تأكيدات علماء النفس في الموساد، أنه قد تجاوز خطاً أصفر. بالتالي، أُطبق الفخ عليه، ولم يعد بإمكانه العودة إلى الوراء، فبدأ بالكشف عن المزيد من المعلومات، خاصة تلك المتعلقة بالترسانة السورية للأسلحة الكيميائية، على غرار أطنان من “غاز الخردل” وغاز الأعصاب من نوع “في أكس”. علاوة على ذلك، وقع أمر مقلق أكثر من ذلك كلّه، حيث حصلت الموساد على معلومات متعلقة بمشروع اقتناء شاحنات راجمة للصواريخ، تمكّن فيما بعد من إجهاضه، دون أن نعلم إلى اليوم هدف الموساد من ذلك.

 

مصدر انتشار للأسلحة، في غاية الخطورة

في سنة 2011، بدأت الغيوم تنجلي، حين أعلن الهدف السوري بصوت عال عن شكوكه حول حقيقة الهوية التي يحملها حاميه الإيطالي، إلا أن ذلك كان بعد فوات الأوان. في الحقيقة، عجز الرجل عن العودة إلى الوراء، نظراً للأموال التي تلقّاها. في المقابل، ومن جهته، حصل الموساد على معلومات قيّمة، مكّنته من دعم ملفّه الذي قدّمه ضد سوريا للأمريكيين المتردّدين في العودة إلى ساحة الشرق الأوسط والأدنى.

وفي السياق ذاته، أدّت المعلومات التي قدّمها الإسرائيليون إلى الفرنسيين والألمان في سنة 2011، إلى تجميد أصول “المركز السوري للدراسات والبحوث العلمية”، عمود البرنامج الكيميائي السوري، من قبل الاتحاد الأوروبي. فقد اعتبر هذا الأخير أن المركز يوفر للجيش السوري وسائل مراقبة وقمع للمتظاهرين.

فضلاً عن ذلك، تم اتخاذ إجراءات مماثلة، نهاية سنة 2011، ضد مؤسسات وهمية استخدمها المركز الآنف ذكره لشراء معدات حساسة من الخارج، من قبيل “الشركة العربية السورية للصناعات الإلكترونية”، وأخرى تحت اسم “منظمة الصناعات الهندسية”، وثالثة تتستر باسم “شركة الحلول الصناعية”، إضافة إلى “معمل الإنشاءات الميكانيكية”.

في واقع الأمر، سبق للرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، في سنة 2005، أن صنّف “المركز السوري للدراسات والبحوث العلمية” كمصدر انتشار للأسلحة بالغة الخطورة. أما في سنة 2012، فقد أعلن باراك أوباما بدوره عن أن أي استخدام أو نقل للأسلحة الكيميائية من قبل نظام الأسد سيكون بمثابة تجاوز “للخط الأحمر”.

خلافا لذلك، وفي أعقاب الهجمات الكيميائية التي قام بها النظام السوري في ربيع وصيف سنة 2013، أُجبر المجتمع الدولي على الرد. والجدير بالذكر أن كلا من فرنسا والولايات المتحدة، وبمساندة من الموساد، قد قامتا بإعداد عملية، تم إيقافها في اللحظة الأخيرة أواخر سنة 2013 من طرف أوباما.

وفي الثاني من أيلول/سبتمبر سنة 2013، نشرت فرنسا معلوماتها الاستخباراتية الخاصة للعموم، حول استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية، مشيرة إلى الدور المحوري الذي يلعبه “المركز السوري للدراسات والبحوث العلمية” في إنتاجها.

 

الكاتب: جاك فولورو – الصحيفة: لوموند

هذه المادة مترجمة عن موقع صحيفة لوموند الفرنسية يمكنكم الاطلاع على المادة الأصلية من هنا