تقارير تقارير خاصة

حراك الريف المغربي وأبعاده الاقتصادية والسياسية والتاريخية

112016218437281

لتحميل هذه المادة بهيئة ملف PDF: حراك الريف المغربي وأبعاده الاقتصادية والسياسية والتاريخية

المقدمة

لقي حتفه سحقاً داخل عربة آلية لتدوير القمامة، هكذا كان مصير الثلاثيني محسن فكري[1] ذلك الشاب البسيط الذي يعمل بائعاً متجولاً للأسماك، كان هذا المصير المفزع في انتظاره على إثر إيقاف الشرطة له ومصادرة ما بحوزته من بضاعة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2016م، وبغرض إتلاف الكمية المصادرَة قامت الشرطة من فورها بإلقائها في عربة آلية لتدوير القمامة، فاندفع فكري غاضباً، وقفز إلى داخل العربة طمعاً في إنقاذ أسماكه، غير أن القدر لم يكن رؤوفاً به فلقي حتفه بين تروس تلك الشاحنة.

كانت الحادثة بمنزلة شرارة اندلعت على إثرها احتجاجات عارمة في مدينة الحسيمة[2]، وكانت أبرز الوجوه التي قادت ذلك الحراك الناشط السياسي ناصر الزفزافي[3]، والذي تم اعتقاله يوم 29 مايو/أيار 2017 م، الذي عمل بشكل أو بآخر على نشر هذه القضية عبر وسائله المتاحة، فالتفت إليها قدر كبير من الجماهير واستجابوا لها باحتجاجات تصاعدت لاحقاً بشكل تلقائي.

حرص الزفزافي على المشاركة في احتجاجات سابقة بمنطقة الحسيمة المغربية، وعرف محلياً بكونه ناشطاً سياسياً في وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن نجمه لمع فيما عرف بحراك مدينة الحسيمة إثر مقتل بائع السمك محسن فكري.

تميز الزفزافي خلال المظاهرات بإلقائه خطباً حماسية باللغة الأمازيغية المحلية “تاريفيت” واللغة العربية، انتقد فيها بشدة ممارسات السلطات المغربية، وما وصفها بسياسة التهميش التي تعاني منها الحسيمة.

كما بث الزفزافي فيديوهات عدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وجه فيها انتقادات لاذعة للوزراء وللنخب المحلية والمنتخبين والعمال والولاة، مؤكداً أنهم فقدوا مصداقيتهم أمام الشارع الغاضب.

أسباب تعمق الاحتجاجات وتصاعدها

بعفوية شديدة وتلقائية مفرطة وعقب الحادث مباشرة، خرج عشرات المتظاهرين أمام مفوضية الأمن والمحكمة الابتدائية في مدينة الحسيمة، منددين بما يرونه جريمة “قتل متعمدة” من قبل السلطات الأمنية، وكانت هذه هي البادرة الأولى التي من نسيجها تتالت أشكال الاحتجاج وتصاعدت، لم يمر اليوم إلا وقد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات توثق وترصد تلك الحادثة المروعة وتروي تفاصيلها.

أثار نشر القصة موثقة بالصور والفيديوهات[4] على وسائل التواصل الاجتماعي حنقاً وضيقاً لدى قطاع كبير من الشباب؛ ما حدا بكثير منهم في اليوم التالي، خصوصاً من هم في الأماكن المجاورة لمدينة الحسيمة، إلى الانضمام إلى أقرانهم في تلك المدينة، والمشاركة معهم في احتجاجات التنديد بموت بائع السمك المطحون، مرددين شعارات من قبيل “قتلوهم طحنوهم.. أولاد الشعب يخلفوهوم (يعوضونهم)”[5]، كما شهد نفس اليوم جنازة مهيبة لتأبين روح محسن فكري، ولم يمر على سير الجنازة كثير من الوقت إلا وقد تحولت إلى مسيرة عفوية غاضبة.

بالتوازي مع ذلك، كانت حملات التضامن على مواقع التواصل الاجتماعي تتوسع سريعاً، وأطلق ناشطون دعوات للخروج في مظاهرات شعبية بمدن المغرب[6] المختلفة، تضامناً مع “شهيد السمك”. وقد لاقت تلك الدعوات كثيراً من الصدى والتشجيع، ليخرج في أعقابها آلاف المغاربة في مسيرات شعبية حاشدة يوم الأحد 30 تشرين الأول/أكتوبر 2016م اعتبرت في حينها الأقوى منذ الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في فبراير/شباط عام 2011م[7]، وذلك في أكثر من عشرين مدينة مغربية؛ منها الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة ووجدة وأكادير ومكناس وتطوان  والناظور والحسيمة، حيث ترددت بين الجموع هتافات كثيرة كلها حانقة غاضبة على النظام محملة إياه مسؤولية مقتل هذا البائع البسيط، فبرزت شعارات من قبيل “الشعب يريد إسقاط المخزن[8]، و”الجماهير ثوري ثوري على النظام الدكتاتوري”، و”حرية كرامة عدالة اجتماعية”، و”الشعب يريد قتلة الشهيد”، و”الشهيد مات مقتول والمخزن هو المسؤول”.

الدولة وردّ الفعل

عقب هذا الحادث المأساوي وفي محاولة فورية لتهدئة الموقف بادرت السلطات المغربية إلى إقالة مندوب وزارة الصيد[9]، لم يكن ذلك فقط بل التفتت دوائر صنع القرار في الحكومة المغربية إلى الأمر ووضعته في بؤرة اهتمامها، فأعلن وزير الداخلية محمد حصاد فتح تحقيق للوقوف على ملابسات الحادث، ومحاسبة المسؤولين، وامتد الأمر إلى تدخل غير مباشر من الملك من خلال وكيله وعامل الإقليم، حيث ألقى كل منهما كلمة أمام حشود المحتجين مهدئين ثورتهم، وواعدين بملاحقة المتورطين ومحاسبتهم.

في حين لم يغب عن السلطات المغربية تقديم واجب العزاء في أسرة الفقيد، وذلك ممثلة في وزير الداخلية محمد حصاد إلى جانب الوزير المنتدب الشرقي الضريس، حيث حل كلاهما بمنزل عائلة فكري بمدينة إمزورن معزين نيابة عن الملك محمد السادس، الذي تكفل بمصاريف العزاء.

 بدت الحكومة أكثر اتزاناً وتفهماً لمشاعر الغضب الكائنة لدى الجماهير، وهذا ما ترجم إلى حضور أمني متواضع خلال شتى المظاهرات التي اندلعت في المغرب في أعقاب هذا الحادث؛ وذلك حرصاً منها في الغالب على منع تطور هذا الوضع المقلق. باستثناء فيدرالية اليسار الديمقراطي[10] التي أعلنت انخراطها الكامل في شتى المظاهر الاحتجاجية المنددة بمقتل فكري[11]؛ واصفة ما حدث بـ “الحكرة والقمع المخزني، وتجبّر السلطات واستهتارها بحياة المواطن محسن فكري”، باستثناء ذلك غابت جل الأحزاب السياسية حتى عن إبداء موقفٍ ما منددٍ بما حدث، الصمت كان هو السمة البارزة.

أما جماعة العدل والإحسان فقد حملت “المخزن” مسؤولية مقتل بائع السمك، وأعلنت دعمها واستعدادها للمشاركة في “كافة الاحتجاجات السلمية والجادة للمطالبة بحق الشعب المغربي في العيش الكريم”. في حين دعا عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية، أتباعه في حزب العدالة والتنمية إلى عدم الخروج في المظاهرات الشعبية، محذراً ممَّا سماه “مساعي لاستغلال الحادث المأساوي”[12].

السوشيال ميديا والحراك

“#طحن_مو”[13] كان هذا هو الهاشتاغ المتصدر لهذه الأزمة على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، تحت بنده خُطت آلاف المنشورات والتعليقات التي تندد بمقتل فكري، وتدعو إلى محاسبة المسؤولين في حدها الأدنى، أما ذروة التعبيرات فذهبت إلى حتمية إسقاط النظام كنتيجة لهذا الحدث المتعمد، من وجهة نظرهم، الذي تم في حق بائع السمك، لاقت القضية انتشاراً واسعاً خصوصاً مع اللقطات المروعة التي تم تداولها عن الحادثة.

يشير فحوى هذا الهاشتاغ السابق إلى معاناة فكري وطحنه من قبل أحد أفراد الأمن، الذي يحث سائق الشاحنة على تشغيل آلته وطحن هذا الشاب، هكذا ترى الرواية الشعبية الحادثة، وهكذا يتداول العامة الأمر، في حين نفت الحكومة رسمياً أن يكون أحد أفرادها أقدم على فعل هذا الأمر.

وتعددت في الإطار ذاته أشكال الشعارات والمنشورات التي كتبت تنديداً بالحادث، مثل “كلنا محسن فكري”، و”الشعب المطحون”، مطالبةً مضامينُها بشكل عام برد الاعتبار للضحية، والقضاء على “الحكرة (الاحتكار)” في البلاد. في حين تصاعدت أصوات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب الجميع بتوخي الحذر والتعقل أمام نوبات الغضب التي تجتاح الشارع المغربي، وتفويت الفرصة على المخربين الذين ينتظرون فرصة ما من الفوضى للانقضاض على المغرب وتحويله إلى ليبيا جديدة.

كما اعتبر آخرون مقتل بائع السمك بمنزلة “حلقة من حلقات القمع والتهميش الذي يعيشه الشعب المغربي“، مضيفين أن الحادث مثال حي يجسد قيمة المواطن المغربي لدى حكومته[14].

الشبه الواضح بين حادثة فكري الذي طُحنت عظامه في آلة تدوير قمامة بعد مشادات مع رجال أمن وبين حادثة “بوعزيزي” تونس الذي أضرم النيران في جسده بعد تلقيه إهانات من أفراد أمن، الحادثة التي دونت نفسها في التاريخ كشرارة بدء الثورات العربية ما زالت رياحها وتبعاتها ضارية عاصفة بكل أرجاء المنطقة[15]، الشبه الواضح بين الحادثتين مفزع ومستحضر لافتراضات كثيرة تؤجج المشاعر وتزيدها سخونة.

ليست حادثة الحسيمة الأولى من نوعها فقد عرف المغرب في السنوات القليلة الماضية عديداً من الحوادث المشابهة، كان أكثرها جدلاً قصة بائعة الحلوى “مي فتيحة“، تلك السيدة الخمسينية التي أقدمت على استنساخ تجربة بوعزيزي؛ فأضرمت في نفسها النيران وذلك على إثر إهانة تعرضت لها من قِبل السلطات الأمنية، بعد حجز بضاعتها أيضاً؛ الأمر الذي أودى بحياتها. غادرت “فتيحة” الحياة تاركة وراءها أسرة دون معيل، وربما أثارت قصتها استياء شعبياً وتنديدات، غير أن هذا الغضب لم يتحول أو بالأحرى لم يتطور إلى مظاهرات احتجاجية[16]. في حين حظيت حادثة بائع السمك بكثير من الاهتمام وكثير من ردات الفعل المنددة، التي تطورت إلى مظاهرات عارمة اجتاحت كل المدن المغربية.

ربما الاختلاف الكائن بين القصتين الذي جعل قصة “فكري” تحظى بكل ردات الفعل هذه؛ أنها جاءت بشكل عفوي ولم تكن استنساخاً حرفياً لما حدث البوعزيزي، وأيضاً لتسليم الظن الشعبي بأن أحد أفراد الأمن على علاقة مباشرة متعمدة بما حدث، وذلك عن طريق إيعازه أو أمره سائق الشاحنة أن يطحن البائع دون رحمة، وذلك طبقاً لما هو متداول بين العامة.

واصلت حركة الاحتجاج نموها إلى أن وصلت إلى ذروتها، متعدية خطوط القضية الأصلية ومنادية بما نادت به حركة 20 فبراير (2011م) من قبل، حيث الحرية والعدالة مطلبان رئيسيان يلوحان في شتى المظاهرات، بجوار شعارات أخرى ثورية ذهبت لأبعد من ذلك.

الأمر الذي يكشف بجلاء عن عمق المشكلة الاجتماعية والسياسية التي يمر بها المغرب، خصوصاً من حيث الحالة المعيشية الصعبة التي يرزح في قاعها كثير من أبناء الشعب مهمشين لا يجدون قوت يومهم[17].

الظروف الاقتصادية في الحسيمة

ألقت حادثة فكري الريف المغربي في بؤرة الضوء، وأثارت كثيراً من الأسئلة حول طبيعة الحياة والاقتصاديات التي يعتمد عليها أبناءه، كما أثارت كذلك أسئلة من قبيل لماذا الريف في التاريخ المغربي يسطع كنقطة انطلاق لكثير من التمرد والاحتجاج والتظاهر[18]؟

بقليل تفكر وتحليل يمكننا أن ندرك الأسباب؛ فعلى الصعيد الاجتماعي تعاني مناطق الريف من أعلى نسبة للبطالة في البلاد[19]، ففي الوقت الذي لا تتعدى فيه نسبة البطالة في معظم أرجاء المغرب 9%[20]، يرزح الريف المغربي تحت وطأة نسبة بطالة تصل إلى 19% في الجهة الشرقية و16.1% بجهة جنجة، و14.2 الحسيمة – تازة – تاونات، الأمر الذي يطلعنا على تفاوت بين الريف ومعظم أنحاء المغرب، ربما ساهم بشكل أو بآخر في وسم الريف بهذه الصفات سالفة الذكر.

تحت هذا الضغط المعيشي والاقتصادي الملاحظ في الأرقام الإحصائية السابقة، لم يجد الريف المغربي بداً إلا التعبير عن ذاته كلما سنحت له فرصة، ومن هنا كان له النصيب الأكبر في كونه شرارة تمرد تنطلق من حين لآخر، كذلك حدث الأوضاع المعيشية لسكان الريف[21] إلى التماس أرزاقهم عبر ميزة جوارهم لإسبانيا، التي تحتل مدينتين تابعتين جغرافياً للمنطقة هما سبتة ومليلية، فالبضائع المهربة من تلك المدينتين والتجارة بهما في الأوساط الريفية المغربية المجاورة صارا هما الأساس المعيشي الذي تبنى عليه حياة كثيرين ممَّن يعيشون في تلك المنطقة، بحيث يعبر 30 ألف شخص يومياً معبر سبتة، فضلاً عن 20 ألفاً ممَّن يعبرون معبر مليلية[22]، بهدف اقتناء عدد لا بأس به من المواد الاستهلاكية، ومن ثم يعودون بها إلى الأراضي المغربية لبيعها والاستفادة من الفوارق  في الأسعار نتيجة التهريب.

هكذا يعتبر التهريب هو المتنفس الأبرز الذي من خلاله يشتم الريف أنفاسه بعيداً[23] عن الأزمة الداخلية الطاحنة التي تعصف بالمعيشة في المغرب، لكن ليس التهريب وحده هو النشاط الاقتصادي غير القانوني الوحيد الذي يلجأ إليه سكان الريف، فقد أفاد أحد التقارير الصادرة عن “مكتب الأمم المتحدة حول المخدرات والجريمة”، بتراجع  زراعة القنب الهندي بالمغرب[24] من 134 ألف هكتار سنة 2003م، إلى 52 ألف هكتار سنة 2012م، ثم 47 ألف هكتار سنة 2013م؛ أي بنسبة 70% خلال 10 سنوات، في وقت كانت تدر هذه الزراعة أرباحاً سنوية تقدر بـ10 مليارات دولار[25]، أي ما يمثل قرابة 10% من الاقتصاد المغربي، بحسب جمعية محلية تنادي بالاستخدام الطبي والصناعي للقنب الهندي. ويعيش من هذه التجارة ما يقارب 800 ألف مغربي، معظمهم بمنطقة الريف المشتهرة بمزرعة “كتامة” (منطقة بالمغرب).

أدت تلك الأوضاع الصعبة في الريف المغربي بالمحتجين في فبراير/شباط 2016م إلى تقديم عريضة مطلبية في مقابل تنفيذها يتوقف حراكهم الاحتجاجي، وقد تضمنت تلك العريضة جملة مطالب تنوعت بين اجتماعية وسياسية وثقافية وغير ذلك، حيث جاء على رأسها إنشاء مؤسسة تعليمية بجامعة، وكذلك مستشفى جامعي، وربط إقليم الحسيمة بخطوط السكة الحديدية بباقي المناطق المجاورة، ومنح تسهيلات ضريبية على إنشاء معامل بالمنطقة، ثم إلغاء ظهير قانوني يحمل رقم 1.58.381، يعتبر إقليم الحسيمة منطقة عسكرية[26].

نبذة عن تاريخ الحراك الريفي

“نحنُ حكومة جمهورية الريف، نعلن ونُشعر الدول المشتركة في معاهدة الجزيرة الخضراء عام 1906 م، بأن المطامح العليا التي أدت إلى تلك المعاهدة لا يمكن أن تتحقق أبداً، الأمر الذي أثبته تاريخ الأيام الماضية، وذلك بسبب الخطيئة البدئية القائلة إن بلادنا، الريف، تشكل جزءاً من المغرب، إن بلادنا تشكل جغرافياً جزءاً من أفريقيا… كذلك تختلف لغتنا بصورة بينة عن اللغات الأخرى، المغربية أو الأفريقية أو سواها. فنحن، الريفيين، لسنا مغاربة البتة”.

هكذا كان البيان التأسيسي للجمهورية الريفية الذي صدر في تموز/يوليو 1921م، كأول محاولة فعلية لاستقلال إحدى المدن المغربية عن الاحتلال الأوربي حينئذ[27].

لفهم أعمق للحالة الاحتجاجية التي يموج بها الريف المغربي، وجب علينا أن نعود أدراجنا صوب الماضي البعيد مفتشين وباحثين عن السمات الرئيسة التي امتاز بها سكان هذه المنطقة، واضعين أيدينا بلطف على المرتكزات التاريخية والأحداث المؤثرة التي امتازت بها هذه المنطقة وأورثتها سخونتها الحاضرة[28].

أول تلك الأحداث كما أسلفنا هو إعلان الريف استقلاله عن الاحتلال الأوربي وإنشاءه جمهوريته المستقلة، جاءت تلك المحاولة عقب الهزيمة التي ألحقها الريفيون بالقوات الإسبانية في معركة “أنوال” بقيادة أميرهم حينئذ محمد بن عبد الكريم[29] الخطابي، ومن حيث تفاصيل تلك المرحلة نلمح الإصرار الكبير في نفوس سكان هذه المناطق الذي حدا بهم إلى قتال الإسبان بل والفوز عليهم، ثم الجرأة والثقة التي دعتهم لإعلان الاستقلال[30].

كما يفسر هذا النص الإعلاني عن استقلالهم تلك النزعات الانفصالية الموروثة فيهم منذ القدم، والتي أرجعوها بأنفسهم في البيان ذاته إلى اختلافات كائنة بينهم وبين بقية القطر المغربي من حيث اللغة والمكان والتاريخ ربما، ذلك البعد الانفصالي التاريخي ارتكزت عليه الحكومة المغربية في تبرير موقفها الرافض لتلك الاحتجاجات.

استمرت الجمهورية الريفية نحو خمس سنوات، ولم ينقطع وجودها الانفصالي إلا بعد تحالف القوات الإسبانية والفرنسية ضدها، فقامتا معاً بهجمات منظمة استهدفت تلك البقعة الانفصالية الناشئة، وعصفت قوتهما بمقاتلي الريف، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، وإنما قصفت المناطق الريفية بأسلحة كيماوية سامة، دفعت الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى إعلان استسلامه.

لم تخفت النزعات الانفصالية في نفوس الريفيين، بل استمرت كامنة فيهم تنتظر لحظة أخرى تنقض فيها على الفرصة معلنة ما تنشد إليه. ومجدداً انتفض الريفيون لكن هذه المرة على الملك محمد الخامس، وذلك بعد أعوام قليلة من إعلان المغرب الاستقلال، حيث جابت انتفاضتهم الآفاق وزخرت بكثير من التفاصيل نظراً لطول المدة التي وقعت فيها، حيث استمرت متقدة منذ العام 1957م إلى 1959م، وقابلتها حكومة الرباط حينئذ بحسم شديد وقمع بيّن أرداها منطفئة خامدة بعد اتقاد.

لم تتوقف الحكومة المغربية عند ذلك الحد من احتواء الانتفاضة، وإنما ذهبت لأبعد من هذا حين أعلنت مدينة الحسيمة منطقة عسكرية، كما كانت السياسات المغربية بعد تلك الحادثة سائرة في اتجاه تهميش تلك المناطق تهميشاً ممنهجاً، بحسب مراقبين، مستمراً إلى الآن، في المقابل من الواضح أن بذور الاحتجاج والغضب ما تزال كامنة في أوساط هؤلاء الريفيين، خصوصاً مع ما لاقوه خلال تاريخهم من قمع وعنف فضلاً عن التهميش.

الأمازيغ والحراك الريفي

“إنَّ الاستعمار الإسباني كان أرحم من الاستعمار العروبي المغربي” هكذا صرح ناصر الزفزافي[31] أحد الوجوه البارزة في الحراك الريفي، الأمر الذي أثار نقاشاً حاداً في أوساط المغاربة حول طبيعة تلك الاحتجاجات، ومدى تماهيها مع المطالب المشروعة التي ربما يصدر عنها الشعب المغربي. ذلك النقاش وجد ما يبرره لا بتصريحات الزفزافي فقط، وإنما بالتصفيق الحاد الذي اشتعل في جموع المستمعين له بعد هذا التصريح. غير أن الريفيين يدفعون عنهم تلك الشبهة بوجوه كثيرة من الإقناع، عبر لافتات كثيرة ظهرت في احتجاجاتهم تنفي عنهم شبهة الانفصال، وتعلن عن أنهم جزء من الوطن، بالإضافة إلى عريضة مطالبهم التي تبلورت في نقاط جاءت معظمها متماشية مع ما يطمح إليه أكثر المغربيين.

لم يكن تصريح الزفزافي مفاجئاً، خصوصاً إن عرفنا منبعه الفكري الذي يصدر عنه، فهو منتمٍ إلى ما يعرف بـ “الحركة الأمازيغية”[32]، تلك الحركة القومية الثقافية التي ما لبثت أن تحولت إلى حركة سياسية، تتبنى عدة محاور لعملها الذي يتركز معظمه في الدفاع عن الهوية الأمازيغية ضد ما يسمونه “الطمس والتعريب”، وقد عبر أكثر من ناشط من تلك المنظمة من قبل عن نفس الفكرة التي ساقها الزفزافي في تصريحه، كما يتبدى من منتسبي تلك الحركة كثير من التطرف والكراهية إزاء كل ما هو عربي، وقد عزز تلك الصورة المتبناة عنهم ظهور العلم الأمازيغي أو بالأحرى استدعاءه في الاحتجاجات الأخيرة، وفي المقابل منه غاب كل ما يمت بصلة للمغرب من علم أو غيره من دلائل وطنية.

واعتبر عدد من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين[33] أن الحراك يدعو الى العداء؛ ممَّا أدى إلى التنبيه لوجود مخطط خطير يهدف لتقسيم المغرب إلى عدة دويلات[34]، ونقل حلبة “الفوضى الخلاقة” من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا. على رأس هؤلاء يأتي الباحث ورئيس المرصد المغربي لمكافحة التطبيع أحمد ويحمان[35]، الذي تحدث لأسبوعية الأيام المغربية قائلاً إن خمس دويلات، ثلاث منها ستقوم على أساس “الهوية الأمازيغية”، ستظهر بالمغرب؛ هي “جمهورية أسامر”، والتي تمتد على الجنوب الشرقي المغربي الناطق في أغلبه بالأمازيغية، و”جمهورية سوس” الممتدة على سهل سوس وسط المملكة، فضلاً عن “جمهورية الريف” في الشمال، و”الجمهورية الصحراوية” بالأقاليم الجنوبية، وتبقى “المملكة المغربية” مقتصرة، بعد نجاح المخطط، على المناطق الناطقة بإحدى اللهجات العربية.

تدخل الملك هل سيحل الأزمة؟

أعلنت الحكومة المغربية، الخميس 29 يونيو/حزيران 2017 م، تلقيها تعليمات من العاهل المغربي، الملك محمد السادس، بشأن “تسريع مشاريع التنمية” في إقليم الريف، وضمان محاكمة عادلة لجميع الموقوفين من نشطاء الحراك.

وحتى اللحظة لم يتضح إلامَ يرمي المغرب في تعامله مع “حراك الريف”، وما هي الأهداف التي يسعى للتوصل إليها حياله. غير أن التعويل على قادم أكبر مجهول أو الإبقاء على الزخم على ما هو عليه، كلها أمور ما تزال مرهونة برد فعل الحكومة المغربية وتعاطي المحتجين معه، برأي محللين.

وتبقى مسألة توقف الحراك بيد الملك، مع تجاوز تراكم الأخطاء وعدم الاعتماد على القمع الأمني، ويبقى مستقبل الحراك، على ما يبدو، مرهوناً بقدرة النشطاء على تنظيم أنفسهم واختيار قياداتهم، وتحديد أهدافهم وسبل الوصول إليها.

[1]  Morocco arrests leader of Rif protest movement,Al Jazeera,29/5/2017, الرابط:  https://goo.gl/rKB7SS

[2] المصدر السابق.

[3]  عن حراك الريف في المغرب: يحيى اليحياوي، الجزيرة، نت، الرابط: https://goo.gl/4Fnqg8

[4]  فيديو لحظة طحن محسن فكري وهروب المارة، الرابط: https://goo.gl/nNmmJw

[5]  مسيرة برأسين في طنجة تضامناً مع بائع السمك، اليوم 2، 30/10/2016، الرابط: https://goo.gl/nizzNG

[6] هل يوقف قمع التظاهرات في المغرب؟.. تعرَّف على تاريخ الحراك الريفي الذي يعود إلى عشرينيات القرن الماضي، هاف بوست، 29/6/2017، الرابط: https://goo.gl/N37PxZ

[7]  احتجاجات المغرب.. استنكار لحظي أم حراك جديد؟: الحسن أبو يحيى، الجزيرة نت، الرابط: https://goo.gl/ax1dYx

[8]  الدولة العميقة في مواجهة إصلاحات العدالة والتنمية: ماذا تعرف عن المخزن المغربي، نون بوست، 30/10/2016، الرابط: https://goo.gl/HPm1vi

[9] New protests shake Morocco’s north, AL MONITOR,31/5/2017, الرابط: https://goo.gl/nf5BsP

[10] فيدرالية اليسار الديمقراطي تدعو إلى الانخراط الفعال في المسيرات الليلية بالشموع، الحزب الاشتراكي الموحد، 16/6/2017، الرابط: https://goo.gl/2bEQvP

[11] بيان اللجنة الوطنية لدعم الحراك الريف، النهج الديمقراطي، 28/5/2017، الرابط:
http://www.annahjaddimocrati.org/ar/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A/

[12]  بيان جماعة العدل والإحسان بالحسيمة حول الحراك الشعبي في الريف، الجماعة، 17/5/2017، الرابط: https://goo.gl/DHhwKs

[13]  What’s behind Morocco’s Rif protests? Middle east observer, 28/5/2017, الرابط: https://goo.gl/UndS1e

[14]  Morocco protests: Four things you need to know, BBC, 9/6/2017, الرابط: https://goo.gl/k4SBSA

[15]  محمد البوعزيزي.. شرارة أطلقت الربيع العربي، موسوعة الجزيرة، 17/2/2017، الرابط: https://goo.gl/jvchGq

[16] مي فتيحة لم تقتل نفسها.. فيديو جديد يوضح، هبة بريس، 23/4/2016، الرابط:  https://goo.gl/a2u2b7

[17]  Thousands rally for release of protest leader Zefzafi, Al Jazeera, 30/5/2017, الرابط: https://goo.gl/rypgc2

[18]  المصدر السابق.

[19] Morocco’s protesters show no sign of letting up. Will their movement spread ?  Merouan Mekouar, The Washington post, 5/6/2017, الرابط : https://goo.gl/rgAoi5

[20] Los-inmigrantes marroques en andaluca y las polticas de cooperacin hispanomarroques,Maria Carella،

1990, pp. 22-24.

[21] Morocco’s Escalating Protests Call for a Careful Response, Sarah Feuer, The Washington Institute, 6/6/2017, الرابط : https://goo.gl/a28brx

[22]  Los-inmigrantes marroques en andaluca y las polticas de cooperacin hispanomarroques,Maria Carella،

1990, pp. 22-24.

[23]  تهريب الحشيش من الريف.. طائرات خفيفة وزود ياكات وسيارات خاصة، مهدي عزاوي، ناظور سيتي، الرابط: https://goo.gl/dez4Ec

[24] زراعة الحشيش بالمغرب.. بين واقع مؤلم للفلاحين وإصرار حكومي على رفض التقنين، CNN، 12/7/2015، الرابط: https://goo.gl/MJFXNW

[25]   القنب الهندي بالمغرب.. حقول أقل وحشيش أكثر: أبو المعالي منيـر، ناظور سيتي، الرابط: https://goo.gl/qMVR1K

[26]  مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان: عريضة استنكار ومطالبة، آفاز، 8/6/2017، الرابط: https://goo.gl/sV2V6P

[27]  From Western Sahara to Rif Protests, Pro-Polisario Inner City Press Pursues False Causes, Morocco World News, 8/6/2017, الرابط: https://goo.gl/E5jaiU

[28]  Scores arrested in connection with Morocco Rif protests, Aljazeera, 30/5/207, الرابط:

https://goo.gl/Y1ufVZ

[29] عبد الكريم الخطابي، موسوعة الجزيرة، 23/10/2014 الرابط: https://goo.gl/8YV6YZ

[30]  A History of Modern Morocco, page 127,128 by Susan Gilson Miller, Apr 15, 2013, Susan Gilson Miller,the Muslim Mediterranean City (2010) and Berbers and Others: Beyond Tribe and Nation in the Maghrib

https://goo.gl/o6SwL1

[31] Berber nationalist protests break out in al-Hoceima, north Morocco, Robert Cusack, The New Arab, 17/2/2017, الرابط : https://goo.gl/SXBoeY

[32]  Mass protests over Moroccan fish vendor’s death echo Tunisian Arab Spring uprising, The Telegraph, 30/10/2016, الرابط : https://goo.gl/jkvsfo

[33]  Documental 2 de la serie Azahar Marruecos, el Rif más olvidado, rtve, 30/9/2008, الرابط : https://goo.gl/yRtPgd

[34] Morocco : Rif protesters punished with wave of mass arrests, emnesty, 2/6/2017, الرابط :  https://goo.gl/dgsSNZ

[35]  أحمد ويحمان: حراك الشعب أقوى وعلى الدولة تحكيم العقل، يوتيوب، 11/6/2017، الرابط: https://goo.gl/vEknM8