المرصد

صحيفة “تسايت”: لماذا تعيش منطقة الشرق الأوسط تحت وطأة الحروب؟

naher-osten-krieg-bild

نشرت صحيفة تسايت الألمانية دراسةً حول أسباب الصراعات المتواصلة في منطقة الشرق الأوسط، التي تعزى أساساً إلى الدور البارز الذي قامت به ثلاث شخصياتٍ بريطانية في عملية رسم حدود العالم. وقد كانت القرارات الصادرة عن هذه الشخصيات السبب المباشر في اندلاع مختلف الحروب في منطقة الشرق الأوسط منذ القرن الماضي.

في الوقت الراهن، تعيش منطقة الشرق الأوسط تحت وطأة حروبٍ حامية الوطيس في كل من اليمن وسوريا، فضلاً عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لتراق بذلك دماء الأبرياء وتزهق الأرواح. وتعود جذور هذه الصراعات إلى القرن الماضي، حيث حاول ثلاثة أشخاص مدفوعين بأطماعهم ورغباتهم تغيير العالم.
تعتبر الحدود من أهمّ ما يشغل بال الحكومات سواءً أكانت على شكل جدارٍ من الأسلاك الشائكة، أو سياجٍ عازل، أو جدارٍ رملي في الصحراء، أو مجرد خطٍّ وهميّ يظهر على الخريطة. وفي الوقت عينه تقوم الحدود بتوحيد الشعوب بمختلف أطيافها وأعراقها، فضلاً عن أنها تعدّ أداةً لتحقيق النظام، وفي أسوأ الحالات تؤدي إلى العنف.
تقع مدينة اللاذقية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وتتميز هذه المدينة السورية بشاطئها الجميل، حيث يتدفق عددٌ من المصطافين خلال فصل الصيف لتدخين النرجيلة. وفي المقابل نجد مدينة إدلب السورية، حيث يتعرض الأهالي للقصف اليومي بالبراميل المتفجرة. وخلال فصل الربيع الماضي راجت في جميع أنحاء العالم صور الأطفال المختنقين بالغاز في بلدة خان شيخون القريبة من هذه المدينة.
والجدير بالذكر أن مدينتي اللاذقية وإدلب تبعد كلٌّ منهما عن الأخرى مسافة 120كم، وتقعان تحت حكم بشار الأسد. في الواقع يساند أهالي اللاذقية المنتمون للطائفة العلوية الأسد، في حين يرغب مواطنو إدلب ذوو الأغلبية السنية في سقوط النظام السوري، علماً بأن أغلب الأهالي يحلمون بالفرار من جحيم الحرب. وعلى بعد 100كم من شرق سوريا، يقع موطن الأكراد، حيث نجد قمم الجبال الشامخة وتقاطع الأنهار والوديان.
أما في صحراء النقب فاتجه الفتى الفلسطيني “محمد ناصر طرايرة”، البالغ من العمر 17 سنة، خلال صيف 2016 إلى مستوطنة كريات أربع، حيث تسلل إلى منزلٍ وطعن طفلةً إسرائيلية تبلغ من العمر 13 سنة حتى الموت. وفي الحقيقة لا يحمل طرايرة أي ضغينة تجاه هذه الفتاة، بل أراد أن يوجّه رسالةً إلى الحكومة الإسرائيلية مفادها أن هذه الأرض فلسطينية.
تحيل كلمة الشرق الأوسط إلى مشاهد العمليات التفجيرية وحقول النفط المحترقة، والحروب الأهلية في سوريا والعراق، فضلاً عن الهجمات الإرهابية المنتشرة في كل مكان. وفي القرن الماضي شهدت منطقة الشرق الأوسط قرابة 80 حرباً وأزمة، خلفت ما يناهز 6.5 ملايين ضحية. لذلك لسائلٍ أن يسأل: ما هي أسباب اندلاع هذه الحروب؟ ولماذا يعتبر الشرق الأوسط دون سواه أرضاً خصبة لسفك الدماء ونشر الفوضى؟
تبدو الإجابة واضحة؛ إذ إن السبب الأساسي لهذه الحروب يعود إلى التناحر الديني بين مختلف الشعوب والطوائف في مجالٍ جغرافيٍّ ضيق. ومن يريد أن يطلع على السر الكامن وراء تواصل الحروب في منطقة الشرق الأوسط، عليه أن يعود إلى القرن الماضي، حيث كان الشرق الأوسط إمبراطوريةً واحدةً قويّة دون حدود.

ثلاثة رجال حاسمين

كان الشرق الأوسط فيما مضى إمبراطوريةً تسمى “الإمبراطورية العثمانية” وعاصمتها القسطنطينية، وهي إسطنبول حالياً، يحكمها السلطان. وطيلة سبعة قرون كانت مختلف الشعوب من أتراك وعرب وأكراد، على اختلاف أديانهم، يعيشون في رقعةٍ جغرافية واحدة في كنف السلام. وهذا لا ينفي أن المنطقة شهدت اندلاع بعض الحروب والصراعات، لكنها لم تكن بحدّة حروب العصر الحالي.
إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتحت أصوات المدافع، اختفت دولٌ وتشكلت أخرى، كما سقطت إمبراطوريات وظهرت أخرى. وقد شمل هذا التغيير القارة الأوروبية، وبصفة خاصة المشرق العربي.
وانطلاقاً من الإمبراطورية العثمانية ظهرت مجموعة من الدول التي بقيت قائمةً إلى حدّ الآن. وفي واقع الأمر حدثت هذه التحولات بفضل جهود عددٍ من السياسيين والقادة العسكريين والجنود، الذين أدّوا دوراً هاماً في هذه التغييرات عن طريق المدافع الحديثة تارةً، ووسائل بدائية على غرار السيوف والرماح تارةً أخرى.
وفي هذا السياق نذكر ثلاثة رجالٍ بريطانيين كانوا حاسمين في أغلب التغييرات. وكان أحدهم انتهازياً، أما الآخران فكانا مفكرين. وقد قدّم هؤلاء الأشخاص تصوّرات تتعلق بإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، لكن هذه التصورات لم تكن منسجمةً، لكن هذا لا ينفي أنها أدت دوراً بارزاً في تحديد معالم الشرق الأوسط الحديثة.
ومن بين هؤلاء الأشخاص نذكر الضابط إدوارد لورانس، الذي كتب أكثر القصص مأساوية سنة 1917، والأرستقراطي مارك سايكس، الذي قال عنه الكاتب الأمريكي “سكوت أندرسون”: “من الصعب أن تجد في القرن العشرين شخصاً تسبب في الدمار، دون نيةٍ خبيثة وبلا جيش، مثل مارك سايكس”. فضلاً عن الكيميائي حاييم وايزمان، الذي يعتبر الحلقة الأضعف في هذا الثلاثي، والذي لم يكن سياسياً ولا صاحب جاهٍ وأموال، وإنما تمكن من تحقيق نجاحٍ منقطع النظير. ولو كان تصرف هؤلاء الرجال مختلفاً فما كانت سوريا لتحترق، وما كان محمد ناصر طرايرة ليطعن الطفلة الإسرائيلية.
لم يبدأ تاريخ هؤلاء الأشخاص من منطقة الشرق الأوسط، بل انطلقت الحكاية من مدينة لندن، وبالتحديد من مقر إقامة رئيس الوزراء البريطاني “10 داونينغ ستريت”، حيث تجمع مجلس الوزراء في خريف 1915 لتدارس السبل الممكنة لهزم ألمانيا. في تلك الفترة كان الجنود الألمان من جهة والجنود الفرنسيون والبريطانيون من جهةٍ أخرى يتنافسون كالذئاب، ويحاولون الصمود في الحرب. باختصار شديد كانت الحكومة البريطانية تخشى في ذلك الوقت ألمانيا.
خلال الحرب العالمية الأولى كانت الإمبراطورية العثمانية تقف في صفّ ألمانيا، ودعت العالم الإسلامي إلى المشاركة في الحرب المقدّسة ضدّ الحلفاء، علماً بأن الملايين من المسلمين كانوا يعيشون آنذاك في المستعمرات البريطانية.
وفي ظلّ الحرب كانت بريطانيا في حاجةٍ لإيجاد استراتيجيةٍ تمكنّها من احتواء الخطر الألماني؛ لذلك قام المندوب السامي البريطاني في القاهرة بوضع خطةٍ تهدف لإخماد ثورةٍ مرتقبة للمسلمين وهزيمة الألمان في آن واحد.
في القاهرة كان يعيش “إدوارد لورانس”، وهو شاب بريطاني يبلغ من العمر 27 سنة، يعتبر أكثر الشخصيات إلماماً بشأن الشرق الأوسط وقدرةً على العمل لمصلحة الحكومة البريطانية.
وتجدر الإشارة إلى أن لورانس هاجر خلال مراهقته إلى الشرق الأوسط، حيث زار مختلف القلاع الصليبية. كما قام بعدد من الحفريات في المواقع السورية، ورسم خرائط صحراء جنوب فلسطين. فضلاً عن ذلك، أتقن الضابط اللغة العربية واطلع على الثقافة العربية؛ ممَّا شجع المخابرات البريطانية على انتدابه للعمل لمصلحتها بمجرد اندلاع الحرب العالمية الأولى.
من جانب آخر قام لورانس بتعليق خرائط عملاقة للإمبراطورية العثمانية في كلّ غرف الإدارة البريطانية، كما أمعن التفكير بشأن حدود هذه الإمبراطورية، التي تقع تحت حكم السلطان الذي يعد أكبر عدوٍّ بالنسبة لبريطانيا. وكان يجول بخاطره السؤال التالي؛ هل يسيطر هذا السلطان فعلياً على إمبراطوريته مترامية الأطراف؟

اتفاق الحسين

خلال صائفة 2015 وصلت رسالة من الشريف الحسين إلى القاهرة أثارت اهتمام البريطانيين. وتجدر الإشارة إلى أن الحسين كان زعيماً قبلياً من مكة المكرمة، وأقوى رجلٍ في شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت. وكان الحسين يرغب في إضعاف الإمبراطورية العثمانية، ويحلم ببناء الإمبراطورية العربية التي تمتد إلى مستوى الحدود التركية السورية الحالية.
كان السلطان يسعى إلى الحفاظ على نفوذه في المنطقة الشمالية، في حين يرغب الحسين في السيطرة على المنطقة الجنوبية التي يتحدث أهاليها اللغة العربية. عموماً كانت ستتشكل إمبراطوريةٌ ضخمة تضمّ سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، فضلاً عن شبه الجزيرة العربية بأسرها. طلب الحسين في رسالته من بريطانيا أن تساعده على تحقيق حلمه بتأسيس الإمبراطورية المنشودة، مقابل تقديم يد المساعدة للبريطانيين حتى يتمكنوا من الانتصار خلال الحرب العالمية الأولى. وفي الأثناء دعا الحسين العرب للثورة على الإمبراطورية العثمانية.
إثر ذلك حمل لورانس رسالة الحسين إلى لندن، مشيراً إلى أن العرض الذي قدمه الشريف الحسين كان مغرياً نوعاً ما. وبناءً عليه رسمت الحكومة البريطانية الخطوط الأولى للمخطط الذي دعا له الشريف الحسين، المتمثّل في تدمير الإمبراطورية العثمانية من طرف العرب. عموماً قد يؤدي هذا المخطط إلى إعلان حرب. وفي هذا السياق يطرح التساؤل التالي؛ هل يمكن بناء دولةٍ عربيّة بعد نهاية الحرب؟ والإجابة الممكنة عن هذا السؤال هي أن كل السيناريوهات واردة.

لندن تهاجم

يعتبر الاتفاق مع الحسين بالنسبة للبريطانيين أمراً إيجابياً للغاية، حيث سيمكنهم هذا الاتفاق من تحقيق أهدافهم المنشودة. ومن جهة أخرى بادر العرب بإعداد العدّة للتمرد. أما في القاهرة فكان لورانس متحمّساً لهذه الخطة، في حين وعدت الحكومة البريطانية العرب بمساعدتهم على بناء الإمبراطورية المنشودة لدوافع استراتيجية.
في الحقيقة عبّر لورانس عن إعجابه بالعرب، فعندما كان في سنّ المراهقة كان يتجوّل في الصحراء ممسكاً بخريطتين وكاميرا ومسدس من طراز “ماوزر”؛ ممَّا مكّنه من ربط علاقات صداقةٍ مع عدد من العرب. وعندما كان يشرف على أعمال الحفريّات، كان مهتماً بطريقة عيش أقرانه، ومن بينهم شابٌّ سوري أصبح في البداية مساعده ثم صديقه المفضل.
وسنة 1912 بعث لورانس رسالةً لعائلته جاء فيها “إن هذا البلد رائعٌ جداً بالنسبة للأجانب”. وبعد ثلاث سنوات عمل لورانس جاهداً على ضمان الوعد البريطاني بإنشاء دولةٍ عربيّةٍ مستقلة. في المقابل شكّلت الرسالة التي أرسلها الشريف الحسين صدمةً بالنسبة لأطراف أخرى. ففي تشرين الثاني/نوفمبر من سنة 1915، اجتمع دبلوماسيون بريطانيون مع ملحق السفارة الفرنسية بلندن “فرانسوا جورج بيكو” وأخبروه بالوعد البريطاني فكانت ردة فعله عنيفة.
بعد مقتل عددٍ كبير من الفرنسيين أثناء الحرب، أكد بيكو أنه لا يمكن التخلي عن الغنائم في منطقة الشرق الأوسط. و في هذا الصدد، أفاد أحد المشاركين خلال الاجتماع أن “بيكو يعتقد أن سوريا وفلسطين تابعتان لفرنسا على غرار النورماندي”.
في السابق كانت فرنسا وبريطانيا تنتهجان سياسةً استعمارية، حيث اقتسمت كل من لندن وباريس العالم، ليسيطر الفرنسيون على غرب أفريقيا، في حين تمتد الإمبراطورية البريطانية من شرق أفريقيا إلى الهند وتصل إلى حدود أوقيانوسيا. ومن الملاحظ أن فرنسا تريد استغلال هذه الحرب لتوسيع مجال نفوذها. في الحقيقة، أراد بيكو إبلاغ رسالةٍ مفادها أن فرنسا ترغب في احتلال سوريا وفلسطين. وفي المقابل، يرى هذا الدبلوماسي الفرنسي أن فكرة إنشاء إمبراطوريةٍ عربية عظمى فكرةٌ مضحكة.
في سياقٍ متصل شعر البريطانيون بالخطر، لكنهم في الآن نفسه لا يرغبون في خوض صراعٍ ضدّ الفرنسيين. وفي نهاية المطاف مثّل المحور الفرنسي البريطاني العمود الفقري للحرب ضدّ ألمانيا. ومن جهتهم يرغب الدبلوماسيون في لندن في إنهاء الصراع، ولكن هل يملك هذا البرلماني الشاب المسمى سايكس فكرةً عن الشرق الأوسط؟
عند دخوله إلى مكتب رئيس الوزراء البريطاني في وقتٍ متأخر بتاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر من سنة 1915، كان بيكو يحمل خريطةً. وتجدر الإشارة إلى أن سايكس كان في ذلك الوقت برلمانياً شاباً يبلغ من العمر 36 سنة، كما أنه سافر إلى منطقة الشرق الأوسط ونشر كتاباً بشأنها، علماً بأن هذا الكتاب تضمّن العديد من المعطيات الخاطئة بشأن الشرق الأوسط. والتقى سايكس بأهم السياسيين وكله ثقة في نفسه، باعتباره ينحدر من طبقة النبلاء الإنجليز.
وضع خريطته على الطاولة، وقال ممرّراً يده على الخريطة: “أقترح رسم خط يمتد من عكا إلى كركوك”، ممَّا يعني أن كل الدول والمناطق التي تقع فوق الخط ستكون من نصيب فرنسا، مثل سوريا ولبنان وجنوب تركيا وشمال العراق؛ في حين تتحصل بريطانيا على الدول الواقعة تحت هذا الخط، على غرار فلسطين والأردن والجزء الأكبر من العراق وشبه الجزيرة العربية. وبهذا الخط سيتم تقسيم مختلف الشعوب والقبائل في الشرق الأوسط.

لورانس العرب

يعتبر مقترح سايكس استعمارياً، إلا أنه أثار إعجاب رئيس الوزراء البريطاني، فهو يرضي فرنسا وبريطانيا على حدٍّ سواء. في الواقع يعي رئيس الوزراء البريطاني جيداً أن هذا الحل يتعارض مع الوعد الذي قطعه مع الشريف بن الحسين. وفي هذه الحالة، ما الذي عليه فعله؟ فإذا وقف في صف العرب وعارض الفرنسيين، فإن ذلك سيهدّد تحالفه مع فرنسا ضدّ إيطاليا. وإذا عمل بمقترح الفرنسيين فقد يصطف العرب خلف العدوّ.
في واقع الأمر يرغب وزير الخارجية البريطاني في العمل بالمقترحين؛ لذلك التجأ إلى العمل في كنف السرية حتى لا يتفطّن العرب إلى اتفاقه مع فرنسا، التي تعتبر الطرف الأهم في ذلك الوقت؛ نظراً لأن رئيس الوزراء البريطاني يفكّر في الانتصار في الحرب.
وعندما غادر سايكس “10 داونينغ ستريت”، كان قد أقنع مجلس الوزراء البريطاني باتباع مقترحه نظراً لأن الوزراء البريطانيين يعتقدون أن بيكو يتقن اللغتين العربية والتركية، إلا أن الحقيقة عكس ذلك تماماً. عموماً يجيد سايكس أساليب المناورة والمراوغة، كما أنه متقلب المزاج لا همّ له سوى النجاح السريع.
وبعد خمسة أيام التقى سايكس بالفرنسي بيكو للمرة الأولى. وفي غضون أيامٍ معدودة تمكّنا من إبرام اتفاقٍ مؤثّرٍ بشكل كارثي، تضمن 13 صفحة وخريطةً الشرق الأوسط بما في ذلك الخطّ الذي اقترحه سايكس خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء البريطاني.
كان “لويد جورج” يحتاج للأسيتون لتصنيع القذائف المعدنية، ومن جهته كان “وايزمان” يعمل ليلاً نهاراً لإنتاج كمياتٍ كبيرة من الأسيتون في وقتٍ قصير، وفي الوقت نفسه يحاول إقناع “لويد جورج” بفوائد بناء دولةٍ يهوديّةٍ في فلسطين بالنسبة لبريطانيا.
وفي هذا الإطار تُطرح التساؤلات التالية: هل يمكن أن تكون هذه الدولة اليهودية الجسر الرابط بين مصر والهند؟ وهل تتأقلم فكرة فلسطين اليهودية مع وجهة نظر لويد جورج تجاه اليهود؟ وهل من العدل أن يستوطن اليهود في فلسطين؟ وهل يستحق وايزمان مكافأةً مقابل مساهمته في صنع الذخيرة؟
يعتبر لويد جورج صاحب الفكرة الصهيونية. وفي كانون الأول/ديسمبر من سنة 1916، اكتشف وايزمان أنه اختار الرجل المناسب، حيث أصبح “لويد جورج” رئيس وزراء. وعندما انطلق لورانس في مهمة تخريب اتفاق سايكس بيكو، التقى بقائد الثوار العرب فيصل، وهو نجل الحسين، ومنذ ذلك الوقت أصبح لورانس مستشار فيصل وقائد الجيش العربي.
وفي شهر كانون الثاني/يناير من سنة 1917، ذهب كل من فيصل ولورانس إلى الشمال، حيث كان فيصل في المقدمة مرتدياً زياً أبيض اللون، في حين كان لورانس بجانبه مرتدياً زياً أبيض وأحمر، وخلفهما ثلاث راياتٍ من الحرير، بالإضافة إلى ثلاثة طبالين مرفوقين بنحو 1200 جمل يمتطيها عددٌ من الفرسان حاملين خناجر ذهبية.
وفي الأثناء أخبر لورانس صديقه فيصل باتفاق سايكس بيكو، ووضع خطةً جديدة تفضي إلى تحقيق الأهداف المرجوّة. وفي ذلك الوقت، راج في كل أنحاء العالم الاعتقاد السائد بأن الدولة المحتلّة تسيطر على الدولة التي تحتلها. وقد أراد لورانس الحصول على مدينة العقبة التي تعتبر الحامية العثمانية الأخيرة في البحر الأحمر، والمحميّة من كل الجهات البحرية. وبات الوصول إلى المناطق النائية أمراً صعباً نظراً لانتشار العديد من الجبال الوعرة، لكن يوجد الوادي الذي يمكن للجيش عبوره لشن هجوم.
وبتاريخ 7 شباط/ فبراير 1917، استقبل 7 صهاينة من بينهم وايزمان مارك سايكس، الذي عينه رئيس الوزراء البريطاني الجديد “جورج لويد” كاتب حكومة مكلفاً بالشرق الأوسط.
والجدير بالذكر أن سايكس يعلم جيداً أن لويد متعاطفٌ مع الكيان الصهيوني. وقد أخبره وايزمان وبقية الحاضرين بأنهم يطمحون إلى إنشاء دولةٍ يهودية، والتقليص من النفوذ الفرنسي في فلسطين. وفي 3 نيسان/أبريل من سنة 1917، اتجه سايكس إلى الشرق الأوسط. وقبل سفره أوصاه لويد بعدم قطع الوعود للزعيم العربي الحسين خاصةً فيما يتعلق بفلسطين، كما أخبره بأن الصهيونية جزءٌ من السياسة الخارجية البريطانية.

خدعة عظيمة

في مطلع شهر أيار/مايو 1917، التقى سايكس ولورانس في ميناءٍ بشبه الجزيرة العربية. ورغم شح المعلومات بشأن فحوى هذا اللقاء، أدرك لورانس أن لندن تخلت أخيراً عن وعودها تجاه العرب، ومن الممكن أن يكون سايكس قد أخبر لورانس بشأن وايزمان. وفجأةً علّق لورانس ومقاتلوه المعركة، ثم عبروا الصحراء في اتجاه مدينة العقبة؛ نظراً لأنه شعر بالصدمة بعد أن تفطن إلى أن حكومة بلاده خانته، وذلك وفق ما ورد في مذكراته. وفي هذا الصدد، أورد لورانس أنه “كان عليّ أن أنصح العرب بمغادرة أرض المعركة وعدم المخاطرة بحياتهم؛ نظراً لأنني مستشارٌ موثوقٌ به بالنسبة لهم”.
وفي شهر تموز/يوليو 1917، واجه الجيش العربي في مدينة العقبة فرقةً مكونة من 500 جنديٍّ عثماني قتل منهم نحو 300. وقد كانت المعركة شرسة إلى درجة أن لورانس أطلق النار عن طريق الخطأ على جمله. وإثر ذلك واصل الجيش العربي طريقه في اتجاه العقبة عن طريق الوادي، ليتمكن من احتلال المدينة دون إطلاق رصاصاتٍ أخرى، وليصبح لورانس بطل حربٍ بين عشية وضحاها. وتبعاً لذلك أصبح لورانس يتحدث مع الجنرالات البريطانيين مرفوع الرأس، في الوقت الذي يستعدّ فيه الجيش البريطاني لخوض المعركة في فلسطين، علماً بأن لورانس قدّم يد المساعدة في وضع مخطط هذه المعركة.
من جهةٍ أخرى، أحس سايكس بأن لورانس قد يشكل خطراً عليه، فبادر بكتابة رسالةٍ لأحد أصدقائه في الشرق الأوسط جاء فيها أن “مخطط لورانس عظيم. أخبره بأنني أرغب في منحه لقب فارس نظراً لأنه رجل عظيم. أصبح العرب أمةً واحدة بعد عشر سنوات من المعارك تحت قيادتنا. إن الاستقلال الفوري يؤدي إلى الفقر والفوضى”.
في أعقاب ذلك، كتب لورانس رسالةً في سبع صفحات بدا فيها في قمة الغضب، إلى درجة أن أحد الجنرالات رفض إرسال هذه الرسالة إلى سايكس. توقف لورانس عن القتال وقرر خوض حرب عصاباتٍ ضدّ الجيش العثماني ونسف الجسور وتخريب السكك الحديدية. في حين كان وايزمان أيضاً على عجلة من أمره، فلم يكتف بالمطالبة بإنشاء دولةٍ يهودية، بل أصبح يطالب ببيانٍ علنيّ من طرف الحكومة البريطانية يمكن أن يستند عليه اليهود فيما بعد.
وفي هذه الحالة، لم يتبق أمام بريطانيا سوى حلّين: إما مواصلة روسيا الحرب أو دخول الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب في صف الحلفاء. وعد وايزمان بالتدخل في الحرب، حيث اقترح إقناع يهود روسيا بالتأثير على الحكومة الروسية لمواصلة الحرب، كما يمكن إقناع يهود الولايات المتحدة الأمريكية بالتأثير على الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” للدخول في الحرب.
وفي هذا الصدد أفاد المؤرخ الإسرائيلي “موتي غولاني”: “أن وايزمان أقنع البريطانيين بفكرته عن طريق التطرق إلى ظاهرة معاداة السامية”. كما أشار وايزمان إلى استعداد ألمانيا للتعاون مع الصهاينة في حال رفض البريطانيين ذلك. في الحقيقة خدع وايزمان الحكومة البريطانية؛ إذ إن وعوده لا يمكن أن تتحقق فلا يمكن ليهود روسيا التأثير على الحكومة الروسية، كما لا يمكن ليهود الولايات المتحدة الأمريكية التأثير على ويلسون، وكذلك لم يعرب الألمان عن استعدادهم للتعاون مع الصهاينة. وفي 31 تشرين الأول/أكتوبر من سنة 1917، انعقد مجلس الوزراء البريطاني بقاعة المؤتمرات بوزارة الخارجية البريطانية. وفي الخارج كان وايزمان واقفاً أمام الباب إلى حين ظهور مارك سايكس.

ولادة إسرائيل

خلال اجتماعهم، اعتمد الوزراء على وثيقة وايزمان. وبعد يومين أصدر المجلس بيان بلفور الذي ينص على الآتي “تأمل الحكومة البريطانية في تأسيس دولةٍ يهودية في فلسطين، وستبذل بريطانيا قصارى جهدها من أجل تحقيق ذلك”.
وفي الوقت نفسه كان لورانس برفقة جنوده بصدد قتل الجنود الأتراك، وبذلك مهدوا الطريق أمام الجيش البريطاني لشنّ هجومٍ على القدس. وفي 11 كانون الأول/ديسمبر، تمكن الجيش البريطاني من احتلال القدس، ليكون بذلك أول جيش أوروبيّ يحتل هذه المدينة المقدسة. وفي هذا الصدد أظهرت تسجيلات مصورة (فيديو) مشاهد احتلال المدينة العتيقة من قبل قائد الجيش البريطاني، معلنةً بذلك عن تحقق الحلم البريطاني المنشود.
وفي مساء اليوم نفسه التقى بيكو بقائد الجيش البريطاني وقال له: “سيدي الجنرال سأبادر منذ الغد باتخاذ الإجراءات اللازمة لتشكيل حكومةٍ مدنية في دولة اليهود”. ومن جهته يريد لورانس أن يستغل الوقت لمواصلة الحرب في الشمال وسط تشجيع العرب، وعند وصول الجيش العربي إلى مدينة دمشق، هلّل أهالي المدينة فرحاً ورمت النسوة الورود على الجنود من الشرفات.
خسر العثمانيون الحرب، ولكن ما قيمة ذلك؟ هل سيحقق لويد جورج وعده؟ عندما التقى لورانس بوايزمان بمدينة رام الله الفلسطينية، اعتقد لورانس أن جهوده ذهبت سدى، إذ إن وايزمان لم يتحدث عن دولةٍ يهوديةٍ بصريح العبارة، بل أكد أن الهجرة اليهودية ستفيد الشعب العربي. وبعد اللقاء، كتب لورانس أن “الدكتور وايزمان يأمل في فلسطين يهودية بالكامل خلال 50 سنة “.
بهذه الكلمات وصف لورانس المستقبل، لكنّه أخطأ فيما يتعلق بالمدة، حيث تحققت الدولة اليهودية خلال 30 سنة وتمكنت من حمل اسم إسرائيل، وكان حاييم وايزمان أول رئيس لهذه الدولة. اتصل لويد جورج في مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر 1919 بنظيره الفرنسي، “جورج كليمانصو”. وخلال هذا اللقاء أعرب لويد عن رغبته في احتلال مدينتي الموصل والقدس.
بذلك نقضت الحكومة البريطانية وعودها تجاه العرب، وخلال مؤتمر السلام قال لويد جورج: “إن صداقتنا مع فرنسا أهمّ من سوريا بعشر مرات”. ومن ثم أعطى لويد جورج الضوء الأخضر لاحتلال كلٍّ من سوريا ولبنان. وفي نهاية المطاف استمر الاحتلال الفرنسي لسوريا قرابة 30 سنة. وفي الوقت نفسه كان العرب منشغلين بطرد الاحتلال الفرنسي من سوريا متغاضين بذلك عن قضية الحدود. ومن جانبٍ آخر أنشأ البريطانيون دولتين مصطنعتين وهما العراق والأردن. وفي بغداد نصب البريطانيون الزعيم فيصل ملكاً كمكافأةٍ له على مشاركته في الحرب. وفي عمان نصبوا أخاه عبد الله ملكاً. وهو ما يخدم مصالح أبناء الحسين الذين يسعون للحفاظ على مناطق نفوذهم.
تقع فلسطين تحت حكم البريطانيين الذين شجعوا الهجرة اليهودية. وطيلة 30 سنة من الاحتلال البريطاني، توافد نحو نصف مليون يهوديّ على فلسطين؛ من بينهم عددٌ كبير من اليهود الذين فروا من الاضطهاد النازي. على خلفية ذلك ثار الفلسطينيون ضدّ اليهود، وفي سنة 1948 انسحب البريطانيون من فلسطين ليتولّى اليهود دواليب الحكم في البلاد، حيث أنشأوا البنية التحتية التي لم يستفد منها العرب، معلنين بذلك عن ولادة إسرائيل.

الحدود المشكوك فيها

شرّعت الحدود التي رسمها “جورج كليمانصو” للإمبريالية. وفي هذا الصدد كتب المؤرخ الأمريكي “دافيد فرومكين”: “أن الشرق الأوسط اتّبع مساراً أدى إلى اندلاع حروبٍ لا تنتهي وإلى تفاقم الإرهاب”. بقيت الحدود القديمة على حالها. وفي هذا السياق، نطرح الأسئلة التالية: ماذا كان سيحدث لو تمكن الحسين من تحقيق حلمه وتمكن من تأسيس الإمبراطورية العربية؟ هل كان السلام سيعمّ في المنطقة؟ هل كانت الشعوب العربية ستعيش في كنف السلام؟
ربما كانت الإمبراطورية العربية شبيهةً بالإمبراطورية العثمانية؛ أي بلدٌ شاسع لا حدود له تحت حكم سلطةٍ مركزيّةٍ ضعيفة. ومن المؤكد أن هذه الإمبراطورية كانت ستشهد عدداً من الحروب. وفي هذا الصدد أورد الكاتب سكوت أندرسون أنه “من الصعب أن نتصور أن العالم سيعيش قصةً أكثر حزناً من تلك التي حدثت في الواقع خلال القرن الماضي”. ربما كانت فرضية وجود حكومةٍ مركزيّةٍ ضعيفة وبعيدة أفضل من حاكمٍ قويّ وقريب. وفي إمبراطورية مترامية الأطراف، حيث تحكم المجموعة العرقية نفسها، لا يعني أي موقفٍ شعبيٍّ رافضٍ انتفاضة يجب إخمادها.
وفي العديد من الأراضي، يعيش العديد من الأشخاص الذين لا يرغبون في العيش معاً ويكنّ بعضهم العداء لبعض. فعلى سبيل المثال تعيش في العراق المجموعات السنية والشيعية والكردية. وأما في سوريا فنجد السنة والعلويين والأكراد، إلى جانب المسيحيين. وعموماً يعتبر العراق وسوريا دولتين قوميتين.
لم يعبّر أي طرف عن رضاه بالحدود المرسومة باستثناء الدول الاستعمارية والحكام المعينين من قبل الحكومات الاستعمارية، على غرار “فيصل بن عبد الله” وصدام والأسد. وبذلك نصّب البريطانيون فئةً جديدةً من الفاعلين السياسيين، وقد دافع هؤلاء الحكّام عن الحدود المرسومة بكل ضراوة.
نظراً لأن هذه المناطق مأهولة بسكانٍ متناقضين خاصةً على مستوى العقلية، تسنت للحكام العرب فرصة ممارسة السياسة الاستبدادية، في حين واجه الحكام الضعفاء مشاكل جمة. فقد شهدت سوريا 20 محاولة انقلابية خلال 21 سنة، وقد كللت بعض هذه المحاولات بالنجاح، في حين باءت أخرى بالفشل. وفي أثناء ذلك تمكن الرئيس السوري السابق “حافظ الأسد” من إرساء نظامٍ ديكتاتوري وضمان الاستقرار داخل البلاد.
في الوقت الراهن، يمكن إلقاء اللوم على القوى الاستعمارية، ولكن كان من الممكن أن تسنح العديد من الفرص خلال القرن الماضي لتغيير هذه الحدود. في هذه الحالة قد يضطر الحكام إلى التنازل عن السلطة، علماً بأن ذلك أمرٌ نادر الحدوث سواءً في الأنظمة الديمقراطية أو الديكتاتورية. وفي حال قرر ديكتاتور ما الاستقالة أو التنحي جانباً، فسيبقى متخوّفاً بشأن مصيره ومستقبله.
بالإضافة إلى ذلك، لم تكن دول الشرق الأوسط قادرة على الحكم بعد انسحاب الفرنسيين والبريطانيين خلال الأربعينات منها. ونظراً لأن المنطقة غنية بالثروات النفطية بالإضافة إلى أهميتها الاستراتيجية، عادت الأطماع الاستعمارية والهواجس لمختلف القوى العالمية.
كان الأمريكيون والروس يدعمون بقاء كل الحكام المتحالفين معهم. وإذا كان الحاكم لا يحظى بدعم شعبه فإنهم يدعمونه بالمال والسلاح؛ وذلك لإخماد صوت المعارضين من المواطنين. ومن خلال دراسة تاريخ الشرق الأوسط طيلة القرن الماضي، من الصعب جداً أن نجد حاكماً عمل على اتخاذ قرارٍ للحيلولة دون سقوط ضحايا خلال الحروب. فماذا علينا فعله لوضع حدٍّ للحروب؟ هل من السهل طرد المواطنين من أراضيهم؟
في الواقع يتخاصم الروس والأمريكيون بشأن هذه المسائل في سوريا، ولكن صراعهم يخفي أصل المشكلة، فلا يكفي سقوط الأسد لإنهاء الحرب السورية على غرار ما حصل في عهد الرئيس العراقي الأسبق “صدام حسين” حيث لم يعمّ الأمن والاستقرار البلد بعد سقوط صدام. وما دام سكان الشرق الأوسط يتعاملون فيما بينهم على أساسٍ عرقيٍّ، فإنهم غير قادرين على العيش معاً في سلام.
تقريباً تلت كل حروب الشرق الأوسط مؤتمراتٌ سلمية لم تفض إلى أي نتيجةٍ تذكر؛ نظراً لأن معظم هذه المؤتمرات تطرقت إلى نقاط هامشية وأهملت أصل المشكل؛ إذ إن أغلب هذه المؤتمرات لم تراجع الحدود المشكوك فيها والمرسومة منذ قرن. وفي نهاية المطاف، يمكن وضع حدٍّ لمختلف الحروب باستثناء الصراع العربي الإسرائيلي.

المصدر: تسايت
الرابط: http://www.zeit.de/2017/26/naher-osten-krieg-geschichte-sykes-picot-abkommen