المرصد

فورين أفيرز: التواجد الروسي المتنامي في البحر الأسود

Russia Navy

قبل عامين فقط، وبعد أن ضمت  شبه جزيرة القرم إلى أراضيها، ظهرت للناتو نتائج فشل محاولاته الواهنة على مدى 25 عامًا لإقامة شراكة قوية مع الدول التي انحلت عن الاتحاد السوفيتي. ومنذ ذلك الحين، وكرد على المناخ الأمني الجديد الخطير في أوروبا، بدأ بالانتباه مجدداً إلى دول البلطيق. حيث رفعت هناك من إيقاع اللعبة بتوسيع غاراتها الجوية وتعبئة المزيد من قواتها هناك. ومع تركيز الناتو الحالي لجهوده في شمال شرق أوروبا، يعيش مديروه مخاطر فقدان الإشارة مطلقاً من منطقة ، وهو ما يضع المنطقة على حافة مزيد من الاعتداءات الروسية ومزيد من إخلال الاستقرار هناك خلال السنوات القادمة.

تجاهل صناع القرار في الناتو أهمية البحر الأسود كثيراً. لكنه، ومنذ فترة طويلة يمثل طريقًا حيوياً لأوروبا لأنابيب الطاقة الأوروبية عدا عن أهميته في الربط التجاري بين أوروبا وآسيا الوسطى وتركيا وروسيا.

وتشكل منطقة البحر الأسود منطقة جذب عالٍ لموسكو كونها تحتوي على العديد من الموانئ المطلة على المياه الدافئة. وقبل اندلاع النزاع في ، كانت روسيا تستأجر ميناء القرم “سيفاستوبول” من الحكومة الأوكرانية. وفي تلك الفترة، ضم الميناء سفناً من أسطول الحقبة السفيوتية الذي يمثل قيمة رمزية أكثر من كونه يمثل قيمة استراتيجية لروسيا. ويعد ميناء سيفاستويول القاعدة البحرية الوحيدة في البحر الأسود القادرة على تجهيز وإرسال سفن ومعدات عسكرية استراتيجية. وبالتالي فإن سيطرة روسيا على الميناء تساعدها في احتكار السيطرة على اقليم البحر الأسود المائي.

وبعد أن قامت موسكو بضم شبه الجزيرة القرم، سارعت إلى شحن شبه الجزيرة بالكثير من المعدات العسرية الثقيلة بما في ذلك المقاتلين وقاذفات القنابل بالإضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي المتطورة. تسبب هذا التراكم العسكري الروسي بإحداث شلل في قدرة الناتو وحلفائه على العمل في المنطقة، هذا عدا عن تمكن روسيا من فرض حظر يمنع جمع أي معلومات عن طريق الجو في المنطقة.

وكان الجنرال “فيليب برييدلف” قد عبر مراراً عن قلقه الشديد من هذا التهديد والذي سماه بـ” مكافحة الوصول لمنطقة مجهولة”. خاصة بعد أن بدأت روسيا بالاستثمار الكثيف لتحديث أسطولها البحري في سيفاستوبول بهدف تحويله إلى قوة قتالية حديثتة قادرة على مواجهة أي تهديد أو تحدي في منطقة البحر الأسود والبحر المتوسط.

و لاتقتصر الطموحات الروسية على البحر الأسود، بل تتعداه إلى مناطق البحر المتوسط. وهو ما بدأت روسيا فعلياً باختبار قدراتها فيه عبر إرسال سفن شحن وسفن حربية إضافية من إلى البحر المتوسط من أجل إجراء تدريبات بحرية متقدمة عدا عن دعم التدخل العسكري الروسي في سوريا.

ولولا استخدامها لستار محاربة داعش لما كانت روسيا لتحلم بدعم نظام الأسد في محادثات جنيف الثالثة التي اختتمت مؤخراً. وقد أثبتت روسيا كذلك نفوذها في البحر الأبيض المتوسط عبر إطلاقها صواريخ باليستية باتجاه سوريا عن طريق بعض الغواصات في البحر الأبيض المتوسط ومن بحر قزوين عدا عن إرسالها قاذفات للقنابل تتحرك عبر مضيق جبل طارق. وقد ساعد التدخل الروسي في سوريا بتأمين تواجد روسي في مناطق المياه الدافئة قرب طرطوس السورية وهو ما مكنها من بدء إنشاء منطقة أخرى شبيهة بتلك التي أنشأتها في البحر الأسود من حيث منع الوصول ومنع الحصول على أي معلومات عنها.

وعلى مدى العقود الماضية، كانت كل هذه المناطق تحت إشراف الجيش التركي بشكل اعتيادي. وما تزال تتحكم بالتنقلات بين البحرين الأسود والأبيض جغرافياً وقانونياً وفقاً لاتفاقية مونترو الموقعة عام 1936. وحتى الآن، لم تفعل أنقرة الكثير لمنع عبور السفن الحربية من هذه المنطقة، ومع إسقاط للطائرة الروسية في نوفمبر الماضي، يبدو أنها تحاول تخفيف حدة التوتر مع روسيا وتجنب أي صراع مباشر معها. وفي حال أصبحت روسيا قوة دائمة في المنطقة وحافظة على وجودها في سوريا، فإن ذلك قد يحفز بروز مواجهة أخرى مع . ومع ذلك، يبقى هذا الاحتمال في إطار غير المتوقع حتى الآن خاصة وأن روسيا تحاول أن لا تستثير قوى الناتو ضدها والتي تلتزم بحماية أعضائها وفق المادة الخامسة في حالة تعرض أي من أعضاء التحالف لهجوم من دولة أخرى.

ميناء غير آمن

التزم حلف شمال الأطلسي موقفاً دفاعياً في التعامل مع كل هذه الأحداث في البحر الأسود ويبدو أنه سيكرر نفس الأمر في البحر الأبيض. عسكرياً، لم يقم الناتو بدعم تعزيزاته العسكرية في شرق أوروبا أو سوريا أو أفغانستان، وهو ما يعني أن النفوذ العسكري الروسي المتزايد في البحر الأسود تم تجاهله عمداً، طالما بقيت المنطقة بعيدة عن صراع مفتوح. وعلى سبيل المثال، تم التخطيط لإجراء 12 تدريباً عسكرياً فقط في المنطقة من قبل الناتو وحلفائه خلال العام الحالي 2016. ولكن الصراع قادم بلا شك لهذه المنطقة، والجميع بات يدرك الآن آثار العدوان الروسي. ولحسن الحظ، فما يزال بإمكان الناتو اتخاذ تدابير ذات تكلفة قليلة وفعالية عالية لزيادة وجودها العسكري في مناطق البحر الأسود وبالتالي تعزيز قدراته على ردع روسيا وحبسها في  الخليج المحتل من اوكرانيا وعدم السماح لها بالتمدد.

بإمكان الناتو أيضاً تصميم نموذج خاص بالحماية الجوية في البحر الأسود يشبه بشكل كبير برنامج التحكم الهوائي ببحر البلطيق، وهو الذي يعتمد على توفير مراقبة فعالة على مدار 24 ساعة في سماء استونيا ولتوانيا ولاتفيا كإجراء مضاد للتواجد العسكري الروسي في المنطقة. وتدعو بعثة البلطق لمراقبة أجواء البلطيق جميع أعضاء الناتو للقيام بدوريات مراقبة في سماء المنطقة، مع التأكيد على التزام جميع الدول بذلك وعدم اقتصار الدور على دولة دون أخرى. وبإمكان بعثة جوية أخرى شبيهة في سماء البحر الأسود تحمي المجالات الجوية لكل من بلغاريا ورمانيا وتركيا. وعلى الرغم من امتلاك أعضاء الناتو في منطقة البحر الأسود لقواتهم الجوية الخاصة إلا أن مشاركة قوات الناتو الأخرى ستساعد في طمأنة الحلفاء وستساعد بلا شك في تجاوز أزمة تسليح بعض الدول وافتقارها لقوات فاعلة عدا عن توفير معلومات استخباراتية ستفيد تحالف الناتو في أي مواجهة مع روسيا وهو ما سيردع النشاط العسكري الروسي في البحر الأسود.

من ناحية أخرى، يجب على الناتو أن يتجه إلى تأسيس وجود عسكري دائم له في البحر الأسود. وعلى الرغم من نشر الولايات المتحدة وحلف الناتو لبعض دوريات المراقبة في المنطقة بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلا أن هذه الجهود تفتقد للبعد الاستراتيجي بعيد الأمد. ويمكن لحلف شمال الأطلس أن يصمم نموذج من برنامج عمل دائم ومتواصل يمكنه من توسيع نشاطاته في المنطقة باتجاه البحر الأبيض المتوسط. وستتطلب هذه القوات تواجد سفن أمريكية للتصدي لهجمات الصواريخ الباليستية وهو ما سيمثل رسالة ردع قوية ضد البرنامج الصاروخي الروسي التي تملكه موسكو في شبه جزيرة القرم. هذا بالإضافة إلى الفوائد التي ستوفرها إعادة الانتشار هذه للحالة الدفاعية لمنظومات الناتو والتي تتواجد بعضها في الآن.

ترددت تركيا كثيراً سابقاً في الموافقة على تواجد قوة لحلف شمال الأطلسي في البحر الأسود، لأن ذلك من شأنه إضعاف السيطرة التركية في القوة البحرية الإقليمية. ولكن النشاط الروسي في المنطقة تطلب استجابة جديدة من نوع مختلف، هذا بالإضافة إلى الاشتباكات التلي حصلت نتيجة تكرار اختراق الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي وهو ما دفع أنقرة لتغيير نظرتها نحو تواجد الناتو في مناطق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. وهو ما كان واضحاً في تصريحات رئيس الوزراء التركي “أحمد داوود أوغلو” خلال اجتماعه بالأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي “ينس شتولتنبرج” بعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية في نوفمبر الماضي. حيث شعر الطرفان بالخطر الحقيقي الذي بات يمثله التدخل العسكري الروسي في سوريا، وهو ما يضع الناتو على أهبة الاستعداد للدفاع عن تركيا في حال حدوث أي اعتداء عليها.

من جانبهم، طالب زعماء دول أوروبا الشرقية من تحالف الناتو تعزيز قواته على طول حدود هذه الدول. وكانت قوات الناتو قد قامت باستعراض لقوتها العسكرية في سابقاً، لكنها لم تقم بأي شيء يذكر في مناطق البحر الأسود حتى الآن.

تسبب هذا التناقض بإثارة الشكوك لدى الحلفاء الإقليمين للناتو، خاصة وأن منطقة البحر الأسود هي المنطقة الأكثر تعرضاً للتهديد الروسي حالياً. وبلا شك فإن أن أي تواجد لقوات رادعه من الناتو على طول البحر الأسود سيكون له ثمن سياسي باهظ، عدا عن عدم جاهزية جيوش المنطقة وامتلاكها الكثير من مشاكل التمويل. هذا سيضطر الناتو للقيام باستثمارات كبيرة هناك يمكن القول أنها صعبة، لكن بكل تأكيد لن تكون هذه الاستثمارات أكثر تكلفة من ترك البحر الأسود للسيطرة الروسية دون إزعاج موسكو هنا.