آراء

إبراهيم كالن: سوريا.. ما التالي؟

ibrahim kalen

تستمر الحرب السورية في عامها السادس في كونها مركز التجاذب وألعاب القوى الجيوسياسية. ويفترض أن تتبع الهزيمة المرتقبة لداعش وباقي الجماعات الإرهابية بحلٍ سياسيٍ ينهي الحرب، ويقود إلى تأسيس حكومةٍ شاملةٍ وديمقراطية. السؤال الحاسم في هذه المرحلة هو: هل بإمكان عمليتي جنيف و/ أو الأستانة أن تُنفّذا، وكيف؟

أصبح جميع أصحاب المصالح الإقليميين والدوليين جزءاً من الأزمة السورية بطريقة أو بأخرى على مدى العامين الماضيين. وبينما فشلت الإدارة الأمريكية في اتخاذ أي إجراءٍ حازمٍ حتى بعد استخدام الأسلحة الكيميائية (التي كانت تعتبر خطاً أحمر) في الغوطة، وجد الحلف الروسي الإيراني فرصةً جيوسياسيةً للانتقال إلى الأراضي السورية. ولم تكن النتيجة هي توسيع الأزمة السورية فحسب، بل وامتداد الدمار بأعمالٍ وحشيةٍ غير مسبوقةٍ في التاريخ الحديث. ولا يمكن النظر إلى الصعود الصارخ لداعش في الأراضي السورية بمعزل عن هذا الفشل الهائل في وقف المذابح التي ارتكبها نظام الأسد.

ويبدو الحل الراهن على الشكل التالي: تُركز أمريكا على القتال ضد داعش وتُسلح فرع PKK في سورية (حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ووحدات حماية الشعب YPG)، من أجل القتال. ولأنهم قد تغلبوا إلى حدٍ كبير حالياً على داعش في الرقة وفي أماكن أخرى بواسطة وعبر ما يسمى بـ”السر القذر”، فإنهم يبحثون عن أعذارٍ جديدة للمضي في سياستهم الحالية رغم التأكيدات التي منحوها لتركيا بأن علاقتهم بالـPYD-YPG  مؤقتةٌ فقط وانتقالية. وتُظهر تفاصيلُ الصفقة التي أبرموها للسماح لمئات من إرهابيي داعش بالخروج من الرقة مرةً أخرى الفقرَ المطلق لسياسةٍ تقوم فيها منظمةٌ إرهابيةٌ بمحاربة أخرى. والسؤال المثير للقلق الذي لا يريد أحد في واشنطن أن يطرحه هو: من سيمنع هؤلاء الإرهابيين الطلقاء من أن يصبحوا الانتحاريين المقبلين في إحدى العواصم العالمية الكبرى؟

علاوةً على ذلك، هناك تخمين متزايد بأن الولايات المتحدة تستخدم كلاً من داعش وPYD-YPG ذريعةً للبقاء في شرقي سورية كقوة موازنةٍ محتملةٍ ضد الوجود الروسي الإيراني. ويشير بعض المحللين إلى الكميات الضخمة من المعدات العسكرية المرسلة إلى شرقي سورية، والعدد الكبير من المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة. وكان الاستنتاج الذي توصلوا إليه هو أن الولايات المتحدة تسعى للبقاء في شرقي سوريا على المدى الطويل. ومهما كانت النيات والخطط الأمريكية، فإن السياسة المضللة لدعم فرع PKK في سورية لن تؤدي إلا إلى إضعاف وحدة أراضي سورية ووحدتها السياسية التي من المتوقع أن تتحقق في نهاية عمليتي جنيف وأستانة الحاليتين، كما أنها لا تزال تشكل تهديداً للأمن القومي للبلدان المجاورة. وما زلنا نتطلع إلى أن تفي الولايات المتحدة بوعودها بقطع العلاقات مع PYD-YPG بعد تطهير الرقة من داعش.

ويقاتل كل من الروس والإيرانيين داعش، لكن بهدف إبقاء نظام الأسد في السلطة. فمن وجهة نظرهم فإنهم هم المنتصرون في الحرب على مدى العامين الماضيين؛ لأنهم حافظوا على نظام الأسد من الانهيار، وتخلصوا من التهديد الإرهابي لداعش، وأضعفوا المعارضة ضد الأسد، وحققوا مكاسب جيوسياسية عظيمةً ضد الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة.

كان الموقف التركي واضحاً طوال الوقت ويمكن تلخيصه بالتالي: يجب الحفاظ على وحدة الأراضي السورية في أي حلٍ سياسيٍ كبير. ويجب تطهير الأراضي السورية من كل عناصر الإرهاب. وفي الوقت نفسه يجب على جميع القوات الأجنبية مغادرة سوريا سواءً أكانت تقاتل بجانب النظام أو الـPYD-YPG وغيرهم. وينبغي إنشاء حكومة انتقالية لتشمل جميع الأطراف من السوريين وتمهد الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. كما يجب صياغة دستور جديد يعكس إرادة جميع السوريين وآمالهم من أجل الديمقراطية والحرية وسيادة القانون والمساواة للجميع.

ولا تزال مسألة PYD-YPG  خطاً أحمر بالنسبة لتركيا. ولا يمكن أن يكونوا جزءاً من أي حلٍ سياسيٍ لأنهم فرع PKK في سورية، وهي منظمة إرهابية كما صنفتها تركيا والولايات المتحدة وأوروبا وغيرها. ومن غير الصواب، على أقل تقدير، أن يقدمهم الشعب السوري كممثلين عن الأكراد السوريين. هناك العديد من الأكراد الذين لا ينتمون إلى PKK ويعارضون أيديولوجيتهم وقمعهم السياسي، وقد عانوا كثيراً من PKK وأجنحته في سوريا. ولكن لا يكاد يكون لهم صوت في المناخ السياسي الحالي، وينبغي أن يعطوا المجال الذي يستحقونه في سورية المستقبل.

يبقى مصير بشار الأسد في نهاية المطاف قضيةً متنازعاً عليها، ولكن من الواضح أنه ليس الشخص الذي سيقود سورية إلى حكمٍ ديمقراطيٍ وشامل للجميع. وبالنظر إلى جرائمه ضد الشعب السوري، فإنه لا يمكن أن يُعهد إليه بجمع كل السوريين معاً. يجب أن لا يكون هناك مكانٌ للأسد في سوريا المستقبل. وفيما يتعلق بالروس والإيرانيين فيجب عليهم أن يدركوا أن إبقاء الأسد في السلطة ليس هو السبيل لحماية مصالحهم في سورية.

ستعالج القمة الثلاثية للرؤساء رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين وحسن روحاني يوم، 22 تشرين الثاني/نوفمبر في سوتشي، هذه القضايا الرئيسية. وهي امتدادٌ لعملية أستانة وتكمل عملية جنيف بدلاً من أن تحل محلها. يجب على كلا المنبرين أن يحققا نتائج ملموسةً ومستدامة. ومع ذلك، يجب على جميع الأطراف المساهمة أن تهدف إلى حماية سلامة أراضي سورية، وتوفير الحرية والسلامة لجميع السوريين ضمن معايير قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 2254. لقد مر الشعب السوري بمعاناةٍ لا توصف على مدى السنوات الست الماضية، ولا ينبغي لهذه الملحمة البشرية أن تُنسى أبداً في مواجهة التنافس الجيوسياسي.

المصدر: دايلي صباح

الكاتب: إبراهيم كالن

الرابط: https://www.dailysabah.com/columns/ibrahim-kalin/2017/11/18/syria-what-is-next