المرصد

لوكلي دو موان أوريون: دروز إسرائيل بين الهوية العربية والدعم التاريخي لتل أبيب

F080425KG07

نشر موقع “لوكلي دو موان أوريون” الفرنسي دراسةً للكاتبة “يناس جيل” تحت عنوان “دروز إسرائيل بين الهوية العربية والدعم التاريخي لتل أبيب”. تطرّقت الكاتبة في هذه الدراسة، التي نُشرت بتاريخ 17 أيار/ مايو من سنة 2017، إلى تاريخ العلاقات التي تربط إسرائيل بالدروز، وبالدور الذي لعبه أبناء هذه الطائفة في قيام الدولة العبرية، وعن المكانة التي يحظون بها صلب المؤسسات الإسرائيلية.

منذ سنة 1948، تعيش إسرائيل والطائفة الدرزية في ظلّ علاقةٍ مبنيةٍ على التعاون الثنائي المتميز، حيث أطلق على هذا التعاون اسم “حلف الدم”. وفي الوقت الذي يدافع فيه دروز كل من سوريا ولبنان على القومية العربية، أعلن دروز إسرائيل البالغ عددهم 100 ألف، ولاءهم التامّ للدولة العبرية من خلال انضمام عددٍ هام منهم إلى صفوف الجيش الإسرائيلي.

من جانبٍ آخر، يعتبر البعض أن الدرزية مذهب إسلامي، بينما يعتقد البعض الآخر أنها عقيدةٌ خاصة. لكن المعروف عن الدرزية أنها امتدادٌ للحركة الفاطمية الإسماعيلية التي ظهرت خلال القرن الحادي عشر، والتي لم تتفاهم تاريخياً مع الطائفة السنية. وعلى مرّ التاريخ، نجح الدروز في بناء علاقات جيدة مع الدولة العبرية نظراً لخصوصيتها التي تميزها عن الطائفة السنية المسلمة، ولم تقف هويتها العربية عائقاً أمام تعاطف الإسرائيليين معها.

يطلق على الدروز أيضا اسم “الموحدون الدروز” أو بنو معروف. وقد أطلق عليهم اسم “الدروز” اقتداءً باسم مؤسسها “محمد بن إسماعيل نشتكين الدرزي” الذي عاش خلال فترة الخلافة الفاطمية السادسة في مصر، الممتدة بين سنتي 996 و1021 ميلادي. وكما ذكرنا سابقاً، يعيش في إسرائيل قرابة 100 ألف درزي تحديداً في مدينة الخليل وجبل الكرمل. ويعيش بعضهم في تجمعات سكنية درزية في مدينة حيفا، ويكثر عددهم أكثر في هضبة الجولان التي ضمتها الدولة العبرية من سوريا.

وبالعودة إلى التاريخ المعاصر، ساهم الانتداب البريطاني في فلسطين، الذي امتد بين سنتي 1923 و1948، في تركيز ما يسمّى بدولة إسرائيل. وخلال تلك الحقبة، كانت الطائفة الدرزية ممزقةً بين القومية العربية والوعي العرقي، حيث وجد الدروز أنفسهم بين انتشار كبير للصهيونية  وموجات التحرير المنادية باستقلال الدول العربية عن محتليها.

ويُذكر أن موقف الدروز لم يكن واضحاً من القضايا المطروحة في المنطقة، خلال فترة الانتداب البريطاني في فلسطين. لكن مع حلول سنة 1929، وقّعت بعض العشائر الدرزية في فلسطين اتفاقاً مع شخصيات صهيونية، في حين قرر البعض الآخر الالتحاق بكتائب المقاومة المسلحة والحفاظ في نفس الوقت على القومية العربية. أما أغلب العشائر الدرزية فقد قررت عدم الانحياز لأي طرف من أطراف النزاع.

وفي سياق مغاير، انضم جزءٌ من الدروز إلى صفوف قوات جيش التحرير العربي خلال حرب سنتي 1947 و1948 قبل أن يغيروا وجهتهم ويلتحقوا بصفوف منظمة “الهاجاناه” اليهودية، وهي عبارة عن تكتّلٍ عسكريًّ في الانتداب البريطاني على فلسطين في الفترة السّابقة لإعلان دولة إسرائيل. وفي وقت قياسي، سرعان ما أضحى أغلب العشائر الدروز جزءاً من الحركة اليهودية الصهيونية. وقد نجح هذا التحالف نظراً لقنوات الاتصال التي كانت تربط الدروز “باليشوڤ”، وهو مصطلح عبري يشير إلى هيئة السكان اليهود في فلسطين قبل قيام الكيان الإسرائيلي.

ومع إعلان قيام ما يسمى بدولة إسرائيل سنة 1948، لم ينس الوزير الأول اليهودي في ذلك الوقت “دافيد بن غوريون” الجميل الذي قدمته الطائفة الدرزية في سبيل قيام الدولة العبرية. لكنّ المساعدة التي قدمها الدروز إلى الإسرائيليين اعتبرها العرب خيانةً لهم ولقيمهم وقضيتهم. ومن هنا، تفطّن الدروز إلى وجود أعداءٍ لهم لذلك وطّدوا علاقتهم   باليهود للاحتماء بالدولة العبرية.

من جانبٍ آخر، يعدّ واجب الخدمة العسكرية تأكيداً على ولاء الدروز للدولة اليهودية. فمع حلول سنة 1948، وقع دمج الطائفة الدرزية تدريجياً في صفوف الجيش الإسرائيلي. وعلى عكس السنة والمسيحيين العرب من سكان إسرائيل، فإن أداء الخدمة العسكرية إجباري للذكور من الطائفة الدرزية، حيث بدأ العمل بقانون الخدمة الإجبارية للدروز تحديداً منذ سنة 1956. ونظراً لمشاركتهم الفعالة في المجهود الحربي الإسرائيلي، حظيت الطائفة الدرزية باعترافٍ رسميٍّ كجزءٍ لا يتجزأ من إسرائيل، صادق عليه  الكنيست خلال سنة 1963، الذي أطلق عليه بعد ذلك اسم “ميثاق الدم”.

حسب مصادر منبثقة عن وزارة الدفاع الإسرائيلي، تم تركيز أول وحدة عسكرية ضمن الجيش الإسرائيلي متكونةً أساساً من الدروز سنة 1948، أطلق عليها اسم “الوحدة 300”. وبحلول سنة 1974، شكل الجيش الإسرائيلي كتيبة “هاريف” المختصة في إيواء الجنود الدروز. وخلال شهر أيار/ مايو من سنة 2015، أعلن الجيش الإسرائيلي عن حلّه لهذه الكتيبة، بعد قبول مطلب قرابة 99 بالمائة من الجنود الدروز الدّمج مع باقي وحدات الجيش العبري بدلاً من البقاء في وحدة منفصلة. ومع مرور الوقت، تنامى إحساس دروز إسرائيل بالولاء للصهيونية والانتماء لإسرائيل، حيث أسس “أمل نصر الدين” _وهو عضو في الكنيست الإسرائيلي_ ما يسمى بالدائرة الصهيونية الدرزية لنشر الفكر الصهيوني بين جلّ العشائر الدرزية.

وتجدر الإشارة إلى أن “أمل نصر الدين” قد تقلّد مناصب عدة في معترك حياته السياسية لعل أبرزها منصب رئيس “يَد لَبَنِيم”، وهي عبارةٌ عن هيئة لتخليد ذكرى أبناء الطائفة الدرزية والشركسية والبدوية من الذين سقطوا إبان حروب إسرائيل لإعلان قيامها وفي باقي الحروب والمعارك الأخرى.

في الوقت الراهن، يحظى الدروز بنصيب هام من الاندماج داخل المؤسسات الإسرائيلية مقارنةً بباقي الطوائف الأخرى على غرار العرب السنة والمسيحيين. وفي هذا الإطار، يتقلّد قرابة 30 بالمائة من الذكور الدروز مناصب رفيعةً في صلب وزارة الدفاع الإسرائيلية، في الوقت الذي يرفض فيه 30 بالمائة من اليهود أداء الخدمة العسكرية. كما يعمل بعضهم داخل أجهزة الشرطة والأمن وإدارة السجون ومراكز الاعتقال. فضلاً عن ذلك، من بين 120 نائب في الكنيست، يوجد أربعة نواب من الطائفة الدرزية، علماً وأن الدروز لا يمثلون سوى 2 بالمائة من مجموع عدد سكان إسرائيل. وخلال سنة 2001، وقع تسمية “صالح طريف” الذي ينتمي إلى عائلة درزية، وزيراً دون حقيبةٍ وزارية، ليصبح بذلك أول وزيرٍ غير يهوديّ يتقلد منصب حكومي في البلاد.
والجدير بالذكر أن هناك العديد من الشخصيات من أبناء الطائفة الدرزية تقلّدت مناصب سياسية في إسرائيل على غرار “أيوب قرا” الذي تقلّد منصب نائب الوزير المكلف بتنمية صحراء النقب ومدينة الخليل.

ونذكر أيضاً اسم “مجلي وهبي” الذي شغل منصب نائب المتحدث باسم رئيسة البرلمان لفترةٍ وجيزةٍ تحديداً سنة 2007.

ونذكر كذلك “نايم عرايدي” الذي عُيّن سفيراً لإسرائيل في النرويج. ومع تقلّد الدروز لمناصب وزارية وسياسية مرموقة في إسرائيل، أصبح جلياً مدى متانة المكانة التي يحظى بها أبناء هذه الطائفة لدى أصحاب القرار في إسرائيل مقارنة بباقي الأقليات العربية الأخرى.

من جهة أخرى، احتلت إسرائيل هضبة الجولان سنة 1967، قبل أن يقع ضمها رسمياً إلى سيادتها الترابية سنة 1981. وخلال تلك الفترة، كان يعيش في هضبة الجولان قرابة 20 ألف سوري من الطائفة الدرزية، ولم يتحصّل أغلبهم بعد على الجنسية الإسرائيلية، لكنّ ذلك لم يمنعهم من الحصول على الإقامة الدائمة في إسرائيل. وتجدر الإشارة إلى أن دروز هضبة الجولان السورية كانت تربطهم علاقاتٌ سطحيةٌ نوعاً ما بباقي دروز سوريا، حيث لا تتجاوز هذه العلاقة حدود اعتناق نفس المذهب الطائفيّ الدرزي، أو علاقة تجارة وعمل.

ومنذ إشعال فتيل الثورة في سوريا، التي سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية، أبدى دروز الجولان تعاطفهم مع دروز سوريا. وفي منتصف سنة 2015، قتل 20 من أبناء الطائفة الدرزية في سوريا على يد مقاتلي جبهة النصرة، ذراع تنظيم القاعدة. وإثر تلك الواقعة، رد مسلحون دروز من منطقة جبل الشمس في هضبة الجولان، بالهجوم على سيارة إسعاف إسرائيلية تنقل جرحى من الثوار السوريين، ظنّاً منهم بأنها تنقل جرحى مقاتلي جبهة النصرة. وقد خلفت هذه الحادثة مقتل شخص وإصابة شخص ثاني بجروح خطيرة.

ومع اشتداد وطأة الحرب الأهلية في سوريا، بدأت الطائفة الدرزية الإسرائيلية بالضغط على حكومة الإسرائيلية للتدخل من أجل الدفاع عن دروز سوريا. وفعلاً، لبّت إسرائيل طلبهم وتدخلت عسكرياً في سوريا بعد أن وجهت عدة ضربات عسكرية طالت مواقع لحزب الله اللبناني، لكنّ هذا التدخل العسكري في الحقيقة لم يكن بنية نجدة الدروز.

وفي السياق نفسه، ومنذ دخول الحرب الأهلية السورية في دوامة الصراعات الطائفية والجيوسياسية، ارتفع عدد المطالب للحصول على الجنسية الإسرائيلية من بين دروز سوريا الذين لجأوا إلى هضبة الجولان. وقد أقدموا على هذه الخطوة بعد أن اشتدّ لهيب الحرب الأهلية في ظل غياب أية ملامح مبشرة بمستقبل أفضل لسوريا.

الموقع: لوكلي دو موان أوريون

المصدر:  http://www.lesclesdumoyenorient.com/Le-dilemme-des-Druzes-israeliens-minorite-arabe-et-soutien-historique-d-Israel.html