المرصد

ستراتفور: سياسة السلام المستحيلة في سوريا

astana-talks

توقعات

نظراً لتعقيد الصراع السوري، فإن المحادثات الجارية في كازخستان لن تحظى لأي فرصة للنجاح.

تشهد الجماعات المتمردة انقسامات أكبر هذا العام وهو ما يجعل مهمة إيجاد موقف موحد لهذه المجموعات في ساحة المعركة أمراً صعباً للغاية.

يواصل الإصرار على اتباع نهج الحل العسكري لمواجهة الصراع.

على الرغم من ضعف الحالي، إلا أنها ستبقى تهديداً قوياً لعملية السلام خاصة في منطقة وسط وشرق .

تحليل

استؤنفت السلام السورية في 23 يناير الجاري في عاصمة كازاخستان. ولا ينتظر من هذه المفاوضات كثيراً، خاصة وأن المفاوضين السوريين هم أقل الأطراف حرصاً على إنجاح المحادثات الجارية حالياً – مقارنة بنظرائهم الروس والأتراك. هذا عدا عن تصاعد موجة الانقسامات بين صفوف المتمردين، بالإضافة إلى عدم تمثيل عدد من الفصائل المتمردة المهمة على الإطلاق في . في الوقت نفسه، يتركز اهتمام النظام السوري على زيادة الجرأة في العمليات العسكرية بهدف انهاء الصراع عسكريا وهو ما تدعمه إيران بشده. ويزيد من تعقيد الأمور تواجد داعش المستمر على الأرض كقوة كبيرة ينبغي مواجهتها، على الرغم من أنها لا تشكل عاملاً مباشراً في السلام الجارية حالياً.

الثوار

كان العام 2016 عاماً سيئاً بالنسبة للثوار في سوريا، فلم تقف خسائرهم عند سقوط مدينة الحرج لكنهم خسروا أيضاً عدداً من المجالات الهامة في جميع أنحاء العاصمة دمشق بما في ذلك منطقة داريا. هذا بالإضافة إلى معاناتهم من انخفاض الدعم الخارجي في وقت حاسم من المعركة خاصة مع وصول الاقتتال الداخلي إلى مستويات حرجة في مختلف أنحاء سوريا.

وما زاد الطين بلة أن الدعم المتوقع تصاعده سابقاً من الولايات المتحدة والذي عرف باسم الخطة البديلة لم يتحقق. عدا عن أن الإدارة الأمريكية الجديدة تبدي توجهاً نحو مزيد من التعاون مع في الشأن السوري. وهذا يعني أن برنامج الدعم الذي تشرف عليه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الحالي قد ينخفض او يتوقف تماماً. وحتى تركيا، التي كانت أحد أهم وأقوى الداعمين للثوار أبدت تحولاً في أهدافها مع انطلاق عملية درع الفرات. وعلى الرغم من مواصلة أنقرة تزويد المتمردين بالأسلحة والعتاد إلا أنها تضغط على هذه الجماعات لتوجيه قدراتها القتالية بعيداً عن الموالين للنظام السوري وتركيزها لاحتواء التوسع الكردي عن طريق السيطرة على مراكز داعش في مناطق شمال حلب القريبة من تركيا.

وبدلاً من توجه المتمردين نحو التوحد وراء قضية مشتركة، أظهرت هزيمتهم في حلب تصاعد الاقتتال الداخلي فيما بينهم. وهناك بشكل عام ثلاث متغيرات تقود هذا الاتجاه وتتركز في الخلافات الشخصية والنزاعات حول الرعاية الأجنبية وتسارع الضربات الجوية الأمريكية ضد فتح الشام – جبهة النصرة سابقاً. عامل الخلافات الشخصية تعزز كثيراً بعد أن دفعت قوات النظام المتمردين إلى التوجه إلى محافظة معقل الثوار الأخير. وكلما زاد الاكتظاظ في إدلب، زاد احتمال اندلاع الخلافات على مسائل السيطرة والحكم هناك. وبقدر ما يزداد تمركز الثوار هناك، تبرز أسئلة الدعم الأجنبي كثيراً، فبعض الجماعات ولاسيما تلك المقربة من تركيا تعرضت لانتقادات حادة من الجماعات الأكثر تطرفاً وخاصة جبهة فتح الشام بسبب التزام تلك الجماعات بعملية درع الفرات. فعلى سبيل المثال، تدعى جبهة فتح الشام أن المشاركين في عملية درع الفرات في المناطق الشمالية من مدينة حلب ساهموا بتقويض دفاعات ومعركة حلب الأخيرة. وكذلك، ساهم تسارع وتيرة الضربات الأمريكية الموجهة لجبهة فتح الشام وقتلها لمئات المقاتلين خلال الأشهر القليلة الماضية، ساهم في إثارة غضب المجموعة وحلفائها. فقد خفضت هذه الضربات من منسوب تسامح المجموعة تجاه الجماعات المتمردة التي تملك علاقات بالولايات المتحدة، وأطلقت جبهة فتح الشام عمليات مداهمة واعتقالات بحق الجماعات المدعومة من الولايات المتحدة.

التصدع الأهم على ساحة المتمردين حاصل بين جبهة فتح الشام وأحرار الشام، حيث تعدان الجماعتان الأكثر نفوذاً في سوريا. وخلال الأسبوع الماضي، تحول الصراع بينهما إلى معركة صريحة وهو ما دفع بعض الأعضاء في هذه المجموعات إلى الانشقاق والانضمام إلى الطرف الآخر. وتشكل الانقسامات هذه أكبر عائق أمام النجاح في أستانا. فالجماعات التي أبدت موافقتها على المشاركة في هذه المحادثات كانت اقل من الموافقة على الاجتماعات السابقة، والشخصيات التي تم انتخابها للتمثيل لا تملك القدرة على اتخاذ وتطبيق موقف موحد تجاه هذه المجموعات المختلفة.

syria-iraq-astana-t

الموالون – مؤيدو النظام

للبناء على نجاحاتها في العام 2016، تبدي قوات النظام حرصها على الاستمرار ومتابعة حملتها العسكرية لانتزاع الأراضي من سيطرة المتمردين وداعش. ومع ذلك، فإن هذا الإجراء ليس واضحاً بشكل تام. فعلى سبيل المثال، يعزى نجاح قوات النظام في ساحة المعركة إلى استمرار تلقيها لدعم خارجي لا سيما من إيران وروسيا. وتتباين هنا حالات دعم النظام السوري، فإيران وحليفها حزب الله يبديان حرصهما على النظام السوري واستمرار دعمه، إلا أن الأمر في الجانب الروسي أقل وضوحاً. فعلى عكس طهران، تبدي موسكو حماساً أقل لمتابعة الجهد العسكري المكلف على المدى الطويل بهدف استعادة السيطرة على كامل مناطق سوريا وتبحث حالياً بجد عن نهاية تفاوضية للصراع تفيد مصالحها.

ولعدم قدرته على معاكسة الإرادة الروسية، وجد النظام السوري نفسه مضطراً للمشاركة في محادثات أستانا. ومع ذلك، لم تظهر دمشق نواياها للتخلي عن الأهداف العسكرية الطموحة أبداً. وقامت بتصوير المحادثات على أنها وسيلة يمكن من خلالها نزع سلاح المتمردين فحسب. وفي خضم مشاركتها بالمحادثات، واصلت قوات النظام شن هجماتها على مناطق المتمردين مدعية أن هذه المناطق لا تخضع لاتفاق وقف إطلاق النار بسبب تواجد جبهة فتح الشام هناك.

وفي الواقع، وعلى المدى القصير يمكن لوقف إطلاق النار والمفاوضات ان تكون في صالح دمشق. وستفيد المحادثات أيضاً النظام عبر تشجيعها لعوامل عدم الثقة بين المتمردين والاقتتال الداخلي، لكنها ستوفر فرصة أخرى للنظام لتحويل انتباه قواته نحو التهديد المتزايد الذي تشكله داعش في مناطق شرق سوريا، حيث تركز داعش جهودها في مناطق حمص ومحافظة دير الزور بشكل متزايد. وعلى المدى الطويل، فإن النظام السوري لا ينوي تقديم أي تنازلات كبيرة للمتمردين ويعتزم البناء على مزايا المعارك الحالية التي بناها على الدعم الخارجي ولاسيما الدعم الايراني.

داعش

مع بدء عام 2017 وجدت داعش نفسها تحت ضغط هائل في كل من سوريا والعراق. وعلى الرغم من تمكن مقاتليها من إلحاق خسائر كبيرة في صفوف القوات العراقية المشاركة في معركة استعادة الموصل، وهو ما جعل تقدم بغداد مضطرداً في المعركة ولم تتمكن قوات الجيش العراقي من تأمين الضفة الشرقية من المدينة سوى قبل فترة وجيزة جداً. ومع ذلك ستسمر جيوب المقاومة التابعة لداعش في المدينة رغم تيقن الجميع من تمكن قوات الحكومة العراقية من الاستيلاء على المدينة هذا العام.

وفي مناطق شمال سوريا، تواجه داعش العديد من الهجمات على جانبي نهر الفرات. وتمكنت قوات المتمردين المدعومة من تركيا من دحر قوات داعش من محيط محافظة حلب على مدار الأشهر القليلة الماضية، ويحاول المتمردون الآن الاستيلاء على مدينة الباب على الرغم من دفاع داعش الشرس عن المدينة. أما على الضفة الشرقية من النهر، فإن ما زالت تتقدم بثبات باتجاه الرقة ووصلت بالفعل إلى سد الطبقة غرب المدينة. وساهمت الضربات الجوية – سواء التركية او التابعة للتحالف -التي تستهدف دفاعات داعش سواء حول مدينة الباب او الرقة في تقويض دفاعات التنظيم بشكل كبير جداً.

وعلى الرغم من الهجمات المتعددة التي تستهدف التنظيم، فشلت داعش في الحفاظ على موقف دفاعي بحت. فالمعارك الدفاعية البحتة لا يمكن ان توفر للتنظيم مجموعة الانتصارات التي تدعم دعايتها المذهلة وهي أهم ما يعتمد التنظيم عليه في تعزيز التوظيف وعمليات الاستيلاء على الأسلحة (التي لا يملك التنظيم لها مصدراً حقيقياً للأسلحة سوى ما يضبطه في ساحات المعارك الهجومية من طرفه). وتحقيقاً لهذه الغاية ستركز داعش على تحويل عملياتها الهجومية باتجاه مناطق الموالين للنظام السوري، وهي المناطق المتبقية لها لتأمين السلاح عبر هذه الطريقة.

ويملك مقاتلي داعش فرصة أفضل لمواجهة القوات الموالية للأسد والتي تقوم بمهما تفوق طاقاتها، وخلال ذلك يمكن لمقاتلي داعش السيطرة على كمية كبيرة من الأسلحة التي يمتلكها الجيش السوري حالياً. هذا بالإضافة إلى أن مهاجمة مناطق وسط وشرق سوريا يملك أهمية جغرافية لأنه يخدم هدف داعش بتطهير منطقة شرق سوريا وهي المنطقة التي سيكون من الصعب على المتمردين المدعومين من تركيا او قوات سوريا الديمقراطية اختراقها.

وفي 14 يناير الجاري، بدأت داعش هجوماً كبيراً يهدف إلى الاستيلاء على ما تبقى من مناطق الموالين للنظام السوري حول مدينة دير الزور شرقي سوريا، وحقق الهجوم بالفعل تقدماً كبيراً خاصة مع تمكن مقاتلي داعش من الاستيلاء على طريق الامداد الرئيسي وتقسيم قوات النظام هناك. وتمكنت أيضاً من عزل القاعدة الجوية الرئيسية في المنطقة عن بقية جيوب الجيش السوري. تقدم داعش بهذا الشكل يجعل من جهود الإمداد الجوي – المقلق والمحدود أصلاً- أكثر صعوبة. ويضاف إلى ذلك نجاح مقاتلي داعش في السيطرة على بعض المناطق المرتفعة التي تطل على معاقل الجيش السوري. وبشكل عام، سيكون انهيار جيوب الموالين ضربة قوية للنظام السوري، وسيساهم في تقويض طموح بشار الأسد في استعادة السيطرة على كل سوريا.

التحقق من حالة الصراع السوري يلقي الضوء على العقبات الكبيرة التي تواجه أي حل تفاوضي قد يطرح في أستانا. فحالة الانقسام بين المتمردين أكثر من أي وقت مضى، وحرص الموالين على مواصلة حملتهم العسكرية والتزام داعش باستراتيجيتها لتعزيز عملياتها الهجومية وسط وشرق سوريا. مع النظر إلى عزم روسيا على الخروج من الصراع بشكله الحالي والموقف التركي المتكيف بشكل متزايد مع الأسد فإن بعض الاتفاقات قد تعد انجازاً لكنها لن تنهي الصراع السوري في 2017.