المرصد

المركز الوطني لدراسات الأمن القومي: صيحات التهديد الإيراني في سوريا

000_NJ8EV-440

ستكون مسألة مستقبل سوريا، ولا سيما موضوع النفوذ والوجود الإيرانيين، محور لقاء رئيس الوزراء نتنياهو مع الرئيس بوتين. وعلى الطاولة هناك مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي تستعد لها إسرائيل. إن التهديد الإيراني من سوريا ليس تحدياً أمنياً صعباً بالنسبة لإسرائيل في هذا الوقت ولا  في المستقبل، خاصة إذا استغلت إسرائيل بحكمة مجموعة الأدوات المتاحة لها للحد من هيمنتها، والحد من التهديد الإيراني على الساحة السورية.

منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا وقفت إيران مع الرئيس بشار الأسد، ومع مرور الوقت وتزايد التهديدات على استقرار نظام الأسد، أصبحت مشاركة إيران في الحرب أكثر حدة. إذ قامت بإرسال المليشيات الشيعية المؤلفة من أجانب (عراقيين وأفغان وغيرهم)، هذا بالإضافة إلى المليشيات التابعة لحزب الله، وجميعهم يتحركون بأمر ودعم من  طهران إلى ساحة المعركة، إلى جانب وحدات من الحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني. وكانت القوات الإيرانية المرسلة للحرب في سوريا هي القوة القتالية البرية الرئيسية في التحالف المؤيد لنظام الأسد، الذي شكلته روسيا في خريف عام 2015.

واليوم يقدر عدد مقاتلي الميليشيات الشيعية بنحو 20 ألف مقاتل. ويقدر عدد المقاتلين الإيرانيين في سوريا بأقل من 1000، لكن النفوذ الإيراني، السياسي والعسكري، أوسع وأشمل من هذا العدد. وتركز مصالح إيران في سوريا على الحفاظ على نظام الأسد واستقراره،وهو حليف طهران استراتيجي، بالإضافة إلى تقوية مسار الوصول والإمداد لحزب الله في لبنان. و تطمح إيران إلى السيطرة على الأراضي السورية باعتبارها جزءاً من “الهلال الشيعي” الذي هو تحت نفوذها وينتشر من طهران، مروراً ببغداد ودمشق إلى بيروت وساحل البحر الأبيض المتوسط. وفي الوقت نفسه، تسعى إيران إلى الاستفادة من إنجازاتها ونفوذها في سوريا من أجل توسيع سيطرتها في سوريا للوصول لإسرائيل، وتوسيع النفوذ داخل الأراضي الداخلية من أجل الاحتكاك بإسرائيل وزيادة تهديدها.

إسرائيل تنظر بقلق إلى توسع النفوذ الإيراني  في سوريا. وأما فيما يتعلق بالتدخل العسكري الإيراني مع روسيا فقد أدت دوراً محورياً في محاولات تقديم خطوات السلام وإيقاف الحرب في سوريا، وتم قبولها على الساحة الدولية كعامل مشروع بين القوى التي تؤثر على مستقبل سوريا. وتعتقد إسرائيل أن ترتيبات وقف إطلاق النار وإقامة مناطق هادئة، خصوصاً في جنوبي سوريا، ستعطي إيران ووكلاءها موطئ قدم في المنطقة القريبة من حدودها على مرتفعات الجولان.

في القدس غير راضين عن وعود روسيا بإزالة القوات الشيعية تحت القيادة الإيرانية من مرتفعات الجولان، وأعلنت إسرائيل أنها لن تتسامح مع أي وجود عسكري لإيران ورعاياها في سوريا. هذا ويذكر أن  رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عقد اجتماعاً عاجلاً مع الرئيس بوتين (23 آب/أغسطس) للتعبير عن معارضة إسرائيل لتداعيات اتفاق وقف إطلاق النار. و كخطوة أولية أرسل وفد من كبار مسؤولي الدفاع الإسرائيلي إلى اجتماعات في الولايات المتحدة مع رؤساء مجلس الأمن القومي؛ لإقناعهم بدعم الموقف الإسرائيلي الذي يرفض وجود إيران في سوريا. والرسالة الإسرائيلية هي أنه إذا تأكدت المخاوف من وجود إيراني على الحدود مع إسرائيل، فإنها قد تغير سياسة الوقوف على الحياد التي اتخذتها منذ عام 2011، وتتدخل بشكل فعال  في ما يحدث في جنوبي سوريا.

إن سعي إيران إلى زيادة نفوذها الإقليمي يثير قلق إسرائيل من عدة نواحٍ؛ أهمها التهديد الإيراني على الساحة الشمالية. في الدائرة الأولى في جنوبي سوريا، قد تنشر إيران وكلاءها، أولاً وقبل كل شيء حزب الله والمليشيات الشيعية،بالتعاون مع الجيش السوري الموالي للرئيس الأسد، على مسافة تسمح بالوصول السريع إلى المنطقة الحدودية على مرتفعات الجولان. وهذا سيخلق جبهة أخرى من المواجهات المحتملة بين حزب الله وإسرائيل، وهو التطور الذي تريد إسرائيل تجنبه.

وفي الدائرة الثانية، تعمل إسرائيل باستمرار لمنع حزب الله من اكتساب المزيد من القوة في سوريا ولبنان، بعد أن تم تجهيز المنظمة بآلاف الصواريخ والطائرات دون طيار القادرة على ضرب الجبهة الاستراتيجية والمدنية لإسرائيل. إن الوجود الإيراني في سوريا يسمح بالوصول المباشر والملائم لحزب الله؛ ممَّا يزيد من التهديد المباشر لإسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق من أنه مع استقرار الوضع في سوريا، سيتم تقييد حرية العمل الإسرائيلي ضد شحنات الأسلحة لحزب الله واستخدام سوريا وسيلة لذلك.

الدائرة الثالثة الهيمنة الإيرانية في سوريا ككل، والتي يمكن أن تتحقق من خلال عدة مستويات من التدخل: (1) جعل سورية مركز الخدمات اللوجستية لإيران المدعوم عن طريق ممر بري وجوي عبر العراق، وتشمل البنية التحتية لإنتاج الأسلحة، والدعم اللوجستي وشحنات الأسلحة من إيران إلى المنطقة. (2) إنشاء “حزب الله سوريا”، على غرار نموذج حزب الله في لبنان والمليشيات الشيعية في العراق. ويتم ذلك من خلال مجموعة من وحدات الإغاثة المحلية مع المليشيات الشيعية (العراقية والأفغانية). وتشمل مهام هذه القوة حماية النظام والنفوذ الإيراني في سوريا، إلى جانب خلق تهديد لإسرائيل. يذكر أن هناك إمكانية تجري مناقشتها مؤخراً وهي إنشاء وحدة من المتطوعين لتحرير الجولان، ونشاطات هذه العصابات العسكرية تجري داخل الحدود؛ ممَّا يؤدي بدوره إلى زعزعة استقرار الأردن. (3) تحويل سوريا إلى نوع من رعايا إيران، والتي تقوم إيران بدعمها من عدة جوانب. وهي عملية بطيئة تدريجية تقوم فيها إيران بنشر تأثيرها في الساحة السورية؛ وذلك باستخدام الطرق السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والديموغرافية. وهذا الوضع يؤدي إلى توسيع نطاق الاحتكاك مع إسرائيل.

في محاولة لتقييم فرص تحقيق السيناريوهات الموصوفة، يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار مجموعة من الاعتبارات والقيود التي ستؤثر على مدى وطريقة مشاركة إيران في سوريا. أولاً: العلاقات مع روسيا ومنافستها للسيطرة على الأراضي السورية ذات أهمية كبيرة. ستحاول إيران عدم مواجهة روسيا؛ لأن الأضرار المحتملة الناجمة عن هذه المواجهة أوسع من الأضرار المباشرة التي تترتب عليها من تقليل نفوذها في سوريا. ثانياً: تخشى إيران من مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ثالثاً: يجب أن تؤخذ في الاعتبار رغبة إيران في تجنب المواجهة مع إسرائيل في الوقت الحاضر، والتي لا تخدم مصالحها الأخرى، مثل حماية البنية التحتية النووية. رابعاً: المعارضة المتوقعة من قبل دول المنطقة (تركيا والسعودية والأردن وحتى العراق) للهيمنة الإيرانية في سوريا وخطر مواجهتهم. خامساً: قوة المقاومة الداخلية في سوريا، من قبل السكان السنة والمنظمات المعارضة لوجود إيران ونفوذها المتزايد في أراضي البلاد. وأخيراً، من منظور إيراني داخلي، “الملف السوري” متقلب جداً، والموارد التي يمكن استثمارها في مشروع إعادة التأهيل محدودة. وعلاوة على ذلك، هناك انتقادات في إيران للانخراط في سوريا، ومن غير المتوقع التغلب عليها إذا وقعت خسائر إضافية وفرضت عقوبات دولية. ولذلك فإنه من غير المحتمل أن إيران لديها برنامج رسمي للسيطرة على سوريا وتحويلها إلى دولة من رعاياها “بكل ما تحمله الكلمة من معنى”. بل على العكس فإن من مصلحة إيران عدم إظهار وتأكيد وجود قواتها العسكرية في سوريا؛ من أجل تسهيل عملية استيعابها وتغلغلها داخل الجيش السوري والبنية التحتية هناك.

السيناريوهات والتوقعات المختلفة تشكل فرصة لإسرائيل التي يمكنها استغلالها من خلال التعامل مع جهات إقليمية فاعلة ومؤثرة في المنطقة:

أ.على الصعيد العسكري، تتزايد القدرة العملية على تدمير الإرث الإيراني في سوريا. وفي سياق أوسع ستمكن هذه القدرة إسرائيل من الاستمرار في ردع الضرر القادم من الأراضي السورية واللبنانية. وسيكون هذا الأمر وسيلة لممارسة الضغط على إيران ونظام الأسد لتأخير عملياتهم في جنوبي سوريا، وتشجيع روسيا على قبول مطالب إسرائيل للحد من الوجود والنفوذ الإيرانيين في هذه المنطقة.

ب. التركيز على جنوبي سوريا، في محاولة لخلق تأثير في هذه المنطقة، كمنطقة عازلة بينها وبين الموالين للأسد والقوات الإيرانية. ويتم ذلك عن طريق تقوية الروابط مع السلطة المحلية وتقديم المساعدات لمنظماتهم، إلى جانب زيادة المساعدات الإنسانية والمدنية في المنطقة (البنية التحتية، الطب، الزراعة، إلخ) كخطوات وقائية لكبح إيران.

ج. في مواجهة روسيا، يجب وضع أربعة مطالب رئيسية: المشاركة الإسرائيلية (على الأقل وراء الكواليس) في المناقشات حول مستقبل سوريا؛ التقرب من روسيا  لمنع وجود إيران ووكلائها في جنوبي سوريا على بعد 40 كيلومتراً على الأقل من الحدود، ومنع إيران من استخدام الوسائل الروسية الاستراتيجية (مثل الموانئ والمطارات)، ومنع تدفق الأسلحة الروسية إلى حزب الله والمليشيات الشيعية.

د. بالنسبة للولايات المتحدة، على الرغم من أن حكومة ترامب  تضع أولوية وهي القضاء على”الدولة الإسلامية”، إلا أنها أيضاً مهتمة بالتوصل لتسوية في سوريا بالتعاون مع روسيا، وأخذ المصالح الإسرائيلية بعين الاعتبار. لذلك من المهم التوصل لاستراتيجية مع الحكومة في واشنطن فيما يتعلق بالموضوع السوري الإيراني، مع التأكيد أن الأفكار السلفية الجهادية لن تتبخر بعد هزيمة “الدولة الإسلامية”، وأن التطوع في السلفية الجهادية من المتوقع أن يستمر في مواجهة الهيمنة الإيرانية في الفضاء العراقي السوري اللبناني.

من الضروري إقناع الإدارة بضرورة إنشاء حاجز في الهلال الشيعي، بما في ذلك مواصلة دعم حكومة العبادي في العراق، بطريقة تقلل من تأثير إيران وتشكل تحديات لنهجها تجاه سوريا. وفي الوقت نفسه ينبغي حث الولايات المتحدة للمشاركة في رصد وتنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار في سوريا، وإعادة تأهيل الأماكن المدنية في جنوبي سوريا، وفي إنشاء قوات محلية معارضة للنفوذ الإيراني. ويمكن تشجيع كل هذه التحركات بالتعاون مع الأردن.

هـ.على الصعيد الدولي، سيكون من الأسهل إضعاف صورة إيران وإظهارها على أنها قوة تخريبية مزعزعة للاستقرار، من خلال كشف الأضرار التي تسببها لاستقرار سوريا، ورغبتها في توسيع الاحتكاك مع إسرائيل وجيران سوريا. إن العمل ضد التخريب الإيراني هو منبر لإقامة تعاون بين إسرائيل والجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة، التي تتشارك مصالح مماثلة، معارضة أساساً للنفوذ الإيراني في بلاد الشام.

و.أما بالنسبة للجهات الداخلية الفاعلة السورية ، فإن الاستثمار الإسرائيلي مهم لتعزيز الدعم وتقوية الروابط مع عناصر السلطة السنية والدرزية والكردية؛ من أجل إلحاق الضرر بالوجود الإيراني بجميع جوانبه السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي الوقت نفسه، يجب، بالتعاون مع الولايات المتحدة، تعزيز الروابط مع الأكراد في شمالي سوريا، ودعمهم  لمكافحة النفوذ الإيراني في شمالي شرقي سوريا، والحد بذلك من إنشاء الممر الشيعي الذي من المقرر أن يمتد من العراق.

وأخيراً يجب على إسرائيل أن تقدم موقفاً واضحاً بشأن مستقبل سوريا. وينبغي أن يتضمن هذا الموقف دعم العملية الروسية. ومن ثم سيكون من الممكن منع رغبة إيران في الهيمنة في سوريا، ومنع توطيدها في دمشق. كما يجب أن يتضمن الموقف الإسرائيلي مطلباً بانسحاب القوات الأجنبية من سوريا، مع التركيز على حزب الله والمليشيات الشيعية؛ لأنها تشكل عاملاً من عوامل عدم الاستقرار، والاشتباكات المستمرة داخل سوريا. وبالإضافة إلى ذلك يجب على إسرائيل أن تعرب عن معارضتها لاستمرار حكم الأسد، لأسباب إنسانية وأخلاقية أساساً. بطريقة أو بأخرى، في الوقت الحاضر لا تشكل سوريا تحدياً أمنياً غير مقبول لإسرائيل، وخاصة في ضوء مجموعة من التدابير التي قامت بها إسرائيل، والتي تمكنها من العمل على الحد من النفوذ الإيراني في سوريا والتهديدات الكامنة فيه.

المصدر: المركز الوطني لدراسات الأمن القومي