المرصد

صحيفة “تسايت”: لماذا تواصلت معاناة أهالي جنوب السودان على الرغم من المساعدات المالية الدولية؟

hunger-img-3

نشرت صحيفة “تسايت” الألمانية ورقةً بحثيّة تطرقت من خلالها إلى مختلف الأسباب التي تقف وراء تواصل المجاعة في جنوب السودان وتبعات ذلك.

 إذ يعاني ملايين الأشخاص في شرقي أفريقيا من نقصٍ حادٍّ في الغذاء، في حين تنذر منظمات الإغاثة الدولية بإمكانية حدوث كارثةٍ إنسانية. ولكن السؤال المطروح: لماذا لم تتوقف المجاعة على الرغم من الكمّ الهائل من المساعدات المالية الدولية؟

في منتصف جنوب السودان يوجد سدٌّ على مستوى النيل الأبيض، حيث تتجمع المياه منذ نهاية العصر الجليدي الثاني خلال موسم الأمطار على امتداد 130000كم مربع؛ أي ما يعادل مساحة إنجلترا. في المقابل، وخلال الأشهر الأخيرة، فرّ عشرات الآلاف من الأشخاص إلى أرخبيل من الجزر الصغيرة.

ومنذ خمسة عقود يعاني جنوب السودان من ويلات الحرب، وقد استعرت نار الحرب، مؤخراً، بشكلٍ غير مسبوق، حيث تم حرق عددٍ لا يحصى من القرى؛ ممَّا دفع الأهالي إلى مغادرة المنطقة خوفاً من الموت جوعاً.

وفي شهر شباط/فبراير الماضي، وجهت الأمم المتحدة نداء استغاثةٍ للمجتمع الدولي لإنقاذ أهالي جنوب السودان من المجاعة. وفي هذا الصدد حذر منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، ستيفن أوبراين، خلال اجتماع بمجلس الأمن، من حدوث أسوأ كارثةٍ إنسانية شهدها العالم على الإطلاق منذ تأسيس الأمم المتحدة، حيث تهدد المجاعة نحو 20 مليون شخصٍ في كل من كينيا ونيجيريا والصومال واليمن وخاصة جنوب السودان.

وحتى يتم إنقاذ حياة هؤلاء الأشخاص، يجب على الدول الغنية أن تتبرع بقرابة 6.1 مليارات دولار. ولكنّ السؤال الملح في هذا الصدد من قبل العديد من المتبرعين يتمثل في: “ما هو مصير أموالهم؟ وما هي الأسباب الكامنة وراء تواصل معاناة أهالي جنوب السودان؟”.

ووفقاً لتقارير صادرة عن الأمم المتحدة فر قرابة 3.5 ملايين شخص من  جنوب السودان، في الوقت الذي استقر فيه مئات الآلاف منهم في دولٍ مجاورة، كما سارع مئات الآلاف للبحث عن ملجأ آمن لدى القوات الأممية، مع العلم أن هذه القوات تعجز عن تأمين الحماية الضرورية للمدنيين الفارين من المجاعة والموت.

وعلى ضوء هذه الظروف قررت جمعية “فيلت هونغر هيلفه” الألمانية تكثيف اجتماعاتها العاجلة لتباحث الوضع المأساوي في جنوب السودان، والعمل على تجهيز مكاتبها في كلٍ من جنوب السودان وأثيوبيا وكينيا بالاحتياجات الضرورية لإغاثة الأهالي.

وفي هذا الصدد تساءلت رئيسة مكتب جمعية “فيلت هونغر هيلفه” في جنوب السودان، “ريناته بيكر”: “أين يمكننا تقديم المساعدة؟”. وفي الواقع لا توجد العديد من منظمات الإغاثة الكبرى الألمانية في السودان على غرار منظمة “فيلت هونغر هيلفه”، التي تقوم بتعليم المزارعين أساليب زراعة حديثة وطرق حفر الآبار، فضلاً عن تنظيم دورات في مجال حقوق المرأة. علاوةً على ذلك قامت هذه المنظمة بتوزيع مواد غذائية على نحو 350 ألف شخص في مختلف القرى، وذلك في إطار برنامج الغذاء التابع لمنظمة الأمم المتحدة.

خلافاً لذلك تشكو هذه المنظمة من نقصٍ في عدد المتطوعين والموظفين، لا سيما أن عدداً من الموظفين يرفضون العمل في جنوب السودان نظراً لخطورة العمل بهذه المنطقة، وفقاً لما أكدته “بيكر”. فقد توفي قرابة 79 موظفاً أممياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

ومن ناحيةٍ أخرى أرسلت المنظمة فريقاً لتقييم الوضع في شمالي كينيا، حيث تسود المجاعة نتيجة الجفاف الذي قضى على المحاصيل الزراعية.

تعتبر نيالا إحدى كبرى مدن جنوب السودان، واشتهرت سابقاً بسوق تربية الماشية، أما اليوم فهي تمثل ملاذاً لعشرات الآلاف من اللاجئين. وتخضع نيالا لنفوذ قبائل النوير، في حين تحاصرها قبائل الدينكا. وبصفةٍ دورية، وتحديداً كل شهرين، تحلق طائرة أممية محملة بأكياس الذرة والقمح فوق المدينة وتلقي المؤونة للأهالي. وفي الأثناء قررت منظمة “فيلت هونغر هيلفه” القيام بحملة دعائية لجمع التبرعات لفائدة أهالي جنوب السودان، كما قامت منظمات ألمانية أخرى على غرار “كير” و”أوكسفام دويتشلاند” بتنظيم برامج مساعدات لفائدة جنوب السودان. وفي 8 من آذار/مارس الماضي تلقت المنظمة آلاف التبرعات لفائدة الأهالي.

من جانب آخر اضطرت منظمة “فيلت هونغر هيلفه” إلى التقليص من أنشطتها في مدينة جوبا، عاصمة جنوب السودان. أما في الإقليم الاستوائي، فقد اضطرت المنظمة إلى إغلاق مكتبها المحلي خوفاً على حياة موظفيها بسبب الحرب التي تعيشها المنطقة، مع العلم أن منظمة الأمم المتحدة قد حذرت من جرائم الإبادة الجماعية في هذه المنطقة.

وتعيش مدينة جوبا تحت وطأة المعارك الطاحنة بين قوات النوير والدينكا؛ ممَّا دفع منظمات الإغاثة إلى مغادرة المنطقة، كما غادرت الجمعية الألمانية للتعاون الدولي هذه المدينة بصفةٍ نهائية. وفي المقابل يموت الأهالي بصفةٍ تدريجيةٍ جوعاً، حيث يلقى الضعفاء في البداية حتفهم، ثم المسنون والأطفال، وأخيراً المرضى.

وفي مدينة نيالا توجد منظمة إغاثةٍ ألمانية أخرى إلى جانب “فيلت هونغر هيلفه”، تحمل اسم “هوفنونغستسايشن” ويقع مقرها الاجتماعي في مدينة كونستانس، مع العلم أن هذه المنظمة تدير المصحة الوحيدة في مدينة نيالا. وقد فحص موظفو منظمة “هوفنونغستسايشن” عيناتٍ من شعر العديد من الأطفال، وتبين أن قرابة 100 ألف شخص يعاني من التسمم نتيجة شرب مياه المستنقعات.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها هذه المنظمة، إلا أن سلطات جنوب السودان صنفتها على اعتبارها منظمة تشكل تهديداً للأمن القومي، وفقاً لما صرح به أحد المسؤولين في وزارة النفط في جنوب السودان. ويعزى ذلك إلى أن المنظمة تروج لحادثة تسمم أهالي مدينة نيالا، بحسب زعم المسؤولين في جنوب السودان؛ ممَّا جعل عدداً من موظفيها مهددين بالاعتقال.

في الوقت الراهن تتميز العلاقات بين حكومة جنوب السودان ومنظمات الإغاثة بشيءٍ من التوتر، على الرغم من التعاون المشترك الذي كان يجمع بينهما في وقت سابق.

وفي الواقع يعيش هذا البلد تحت رحمة مساعدات المجتمع الدولي، لكن حكومة جنوب السودان استغلت هذه الأموال الطائلة لشراء الأسلحة، وفي المقابل وظفت الحكومة الغذاء كسلاح لمواجهة معارضيها. والجدير بالذكر أن حكومة جنوب السودان قد اشترت سنة 2016 أسلحة جديدة بقيمة 262 مليون دولار أمريكي.

وفي سياق متصل، تساءل أحد المسؤولين في إحدى منظمات الإغاثة الدولية بجوبا، قائلاً: “هل نعتبر مذنبين إذا بقينا في هذا البلد؟”. وأضاف المصدر ذاته: “لا يمكننا المواصلة على هذا النحو، وفي الوقت نفسه لا يمكننا التوقف عن مدّ يد المساعدة للأهالي”.

ًوفي خضم هذه الظروف طالبت العديد من المنظمات الدولية بوضع جنوب السودان تحت الحماية الدولية إلى حين توقف عمليات القتل، ولكن هذا المقترح لم يلق صدى لدى الأمم المتحدة. وفي الوقت ذاته لم يتوصل مجلس الأمن الدولي إلى اتفاقٍ بشأن حظر بيع الأسلحة لجنوب السودان، في حين واصلت بعض الشركات الروسية والصينية إبرام صفقات بيع أسلحة مع مختلف الأطراف المتنازعة في جنوب السودان.

على العموم حققت منظمة “فيلت هونغر هيلفه” نجاحاً منقطع النظير، حيث بلغت قيمة التبرعات لحساب الجمعية قرابة 1.5 مليار يورو، وذلك إلى حدود منتصف شهر حزيران/يونيو الماضي. والجدير بالذكر أن المنظمة خططت لاستثمار أموال التبرعات في مساعدة قرابة 3000 أسرة، وتركيز المزيد من الاستثمارات بمدينة نيالا. علاوةً على ذلك ترغب هذه المنظمة في تمويل عملية بناء السد.

 وفي نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي، أعلنت منظمة الأمم المتحدة عن نهاية المجاعة في عدد من المدن في جنوب السودان؛ نتيجة الإمدادات الغذائية التي وفرتها منظمة الأمم المتحدة.

المصدر: صحيفة تسايت

الرابطhttp://www.zeit.de/2017/28/suedsudan-ostafrika-hungersnot-humanitaere-katastrophe-entwicklungshilfe-spenden/komplettansicht