آراء

ألكسندر دوغين: الحرب العالمية الثالثة: هل هي البداية؟

6690_6Gs4dRG3-Q

ملخص:

في هذا المقال يُسلط الضوء على خلفيات الحدث الإستراتيجي الأكبر والمفاجئ يوم السابع من أبريل 2017، حينما قصفت بصواريخها قاعدة جوية سورية، في حدث كان الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الأمريكية-السورية، والأول من نوعه أيضا منذ بداية الأزمة السورية. إذ يوّضح دوغين هنا أن الأطراف التّي تقف وراء قرار استفزازي كهذا داخل دوائر السلطة الأمريكية، فهذا المقال يحاجج بوجود خلافات بينية بين ومؤسسات عديدة ذات نفوذ كبير داخل البيت الأبيض، مُحاججا بأنّ حدثاً كهذا من شأنه أن يُفجّر حرباً عالمية ثالثة سيشهدها العالم، فهل هي البداية؟ تتجلّى أهمية المقال من أهمية كاتبه، الجيوبوليتيكي الأشهر في ، الذّي طالما ما وُصف بالعقل المدبّر لسياسة الخارجية وتوجهات روسيا الجيوبوليتيكية المعاصرة.


 

المقال:

ما حدث يوم السابع من أبريل 2017، يمكن أن يكون بمثابة بداية للحرب العالمية الثالثة. كقاعدة قائمة، لا أحد يريد الحرب، لكن للأسف تحدث الحرب، وفي بعض الأحيان تكون حربا عالمية. إلاّ أنّي أقول أولاّ وقبل كل شيء، في حالة حدوث أيّ كارثة، فإنّه من الضرورة الحفاظ على الهدوء وأن يستجمع المرء أفكاره.

يوم السابع من أفريل 2017، ولأوّل مرّة منذ سنوات من بداية النزاع في ، أطلقت القوات الجوية الأمريكية هجوما شاملا بصواريخ توماهوك على قاعدة جوية سورية.. أي، علينا نحن. لماذا لم نستخدم مُركّب الدفاع الصاروخي الذّي نمتلك؟ بناءًا على إحدى النظريات، نحن نفتقر إلى عدد كاف منه لصدّ هجوم كامل من قِبل الولايات المتحدة، كما أنّه مُصمّم قِبلا ضدّ هجمات صواريخ أعداء آخرين محتملين. تقول النظرية الثانية، أنّ موسكو لم تجرؤ على إعطاء أمر بذلك، ذلك أنّ مثل هذا الأمر سيكون بمثابة بدايةَ حربٍ لا رجعة فيها ضدّ الولايات المتحدة، تجرّأت الولايات المتحدة على ذلك وأقدمت عليه. أمّا نحن، فلم نفعل ذلك، قبل الشروع في التنبؤات، فإنّ الأمر يستدعي مرّة أخرى تفحّص السياق، شروط (وظروف) ما يمكن أن يصير حربا عالمية ثالثة (وإن كان احتمالاً لا يزال غير قائم).

 

ذريعة التدخّل الأمريكي:

لقد كان الهجوم الكيماوي هو الذريعة التّي استخدمتها واشنطن في تنفيذ هذه الضربة. حقيقةَ أنّ الأسد لم يرتكب مثل هذا الهجوم تُعتبر حقيقة واضحة، ما دام أنّ مثل هذا الهجوم لن يكون مربحا له بدرجة عالية. علاوة على ذلك، وفي الوضع الحالي، فإنّ اللجوء إلى الأسلحة الكيماوية سيكون انتحاراً للأسد. هناك فرصة ضئيلة جدّا، أنّ هذه الحادثة المأساوية التّي ضربت فيها الصواريخ السورية مستودعا للأسلحة الكيماوية يعود لداعش، والتّي ربّما تعلّمَ الإرهابيون كيفية إخفاءها من قِبل المفتشين الأوروبيين. إلاّ أنّ مثل هذه المصادفة تنهار في لحظة توازن قوى معقّد على الساحة الكونية، إنّها مفاجئة جدّا. لكن ليس من الصعب على الإرهابيين ومدرّبيهم الذّين يمثّلون الحكومة العالمية الكونية ترتيبَ أمرٍ كهذا (ذات المستقنع الذّي وعد ترامب بتجفيفه)، وإنّه بالفعل لأمر مربح بالنسبة إليهم. لم تنجح محاولة جرّ الولايات المتحدة إلى حرب ضدّ روسيا مع هيلاري كلينتون، لذلك، فإنّهم يظنّون أنّنا: “سوف نتصرّف بطرق أخرى من خلال ترامب”. على ما يبدو، فقد قرّر العالميون-الكونيون (Globalists) أن يقوموا بذلك وقد وجدوا ذريعة.

 

جفّفَ المستنقعُ ترامب

لقد أُخذ قرار الهجوم من طرف دونالد ترامب. عند قيامه بهذا الأمر، فقد توقّف عن كونه ترامب، لقد صار هيلاري مُقنّعا على هيئة رجل، كنمط من التخنّث. إنّ كلّ شيء حارب ضدّه ترامب طيلة مسار الحملة الإنتخابية، وكلّ شيء وعد بتغييره، قد وضع تحته توقيعه كلّ هذا اليوم. إلاّ أنّه لم يكن من إتّخذ القرار. لقد أظهر ببساطة أنّه من الآن فصاعدا سيُقرّر كلّ شيء في كلّ حال. تحت ضغط الإعلام ومستنقع السياسيين، إستسلم ترامب لأتباعه القلّة المخلِصين، هؤلاء الذّين لا يمثّلون مجلس العلاقات الخارجية أو المحافظين الجدد أو الدولة العميقة وحسب، ولكنّهم يمثّلون “أمريكا أيام الخوالي” (أمريكا القديمة الحميدة). هذه الأخيرة التّي إنتخبت دونالد ترامب بإعتباره رئيسا لها، قد تمّ تركها فريسة للبرد مرّة أخرى من دون ترامب. إنّ ما فعله ترامب عبر السماح لنفسه ليكون “مُقتنعا” بتوّرط الأسد (بعابرة أخرى: روسيا) في الهجوم الكيماوي يعني الإستسلام.

لقد صار الأمر واضحا بما فيه الكفاية، لقد سمح البارحة فقط برحيل ستيفن بانون، ربّما يُعتبر المحافظ الحقيقي الوحيد من دون سابقة “جديد” ضمن دائرته ترامب الخاصة. لقد أراد أن يُجفّف المستنقع. هذا شيء جدير بالثناء، إلاّ أنّه عملُ مجازفةٍ. لقد جفّفَ المستنقعُ ترامب (أي حدث العكس)، ما يحدث الآن في سوريا هو بالضبط ما يسعى إليه العالميون: المستنقع.

لقد إختفى عامل ترامب أمام أعيننا، إنّه يتأرجح قليلا، لقد صار الآن بيدقا في لعبة لقوى أكثر خطورة، فلقد أظهر أنّه لم يعد بعدُ ترامب. ربّما سيحاول ترامب أن “يصير ترامب مجدّدا”، إلاّ أنّ ذلك أمرٌ غير مرجّح.

 

في الظِلال الأمريكية:

إنّ قصّة ترامب وحملته الإنتخابية المتألّقة، حربه ضدّ العالميين –التّي لم تكن غير متوقعة لجميع الذّين أيّدوه من جهة الشعب الأمريكي- قد كشفت عن البُنية المعقدّة للمجتمع الأمريكي، والذّي، كما إتّضح، أنّه أبعدُ عن التجانس.

قبل كل شيء، توجد أمريكا القديمة الحميدة (أمريكا الزمن الذهبي القديم)، الإنعزاليّون، المحافظون، الذّين يظنّون أنّهم إنتخبوا ممثّلهم. على الأقل، فإنّ ترامب يلعب دوره تماما. لقد نسِيَ بالفعل “أمريكا القديمة الحميدة” التّي تمّ التغلّب عليها من قِبل نُخبة متعصّبة من العالميّين، والتّي تبيّن أنّها لا تزال هناك. يٌعدُّ ذلك أمرا مهمّا جدّا، رغم أنّها لا تتمتّع بأيّة سلطة وقوة، وقد تبيّن أنّ مرشّحيها ضعفاء جدّا، إلاّ أنّه لم يعد من الممكن أخذ الأمر بعين الإعتبار. يُعدُّ ذلك بمثابة الوحي الأكثر أهمية وتشجيعا في قصّة ترامب.

علاوة على ذلك، فإنّ “أمريكا الأيام الخوالي” كان لها أرضية لسياسة خارجية محدّدة، هي الواقعية، أي أمريكا أولاًّ، والتّي تعني أنّه إذا لم تكن أمريكا متأثرة بشكل مباشر، فلا ينبغي عليها أن تتوّرط. لقد هيمنت مثل هذه النزعة الإنعزالية على الولايات المتحدة إلى غاية مرحلة الرئيس وودرو ويلسون، وبعده بشكل جزئي، خلال مرحلة الرؤساء الجمهوريين الثلاث –هاردين، كوليدج وهوفر- في الحقيقة، فإنّ الواقعية في السياسة الدولية –مبدأ عدم التدخّل، التركيز على المسائل الداخلية ورفض النزعة الإمبريالية- هي التّي جعل منها ترامب أساسا لبرنامجه.

ثانيا، وقفت خلق هيلاري وأوباما أكثر المنظمات قوّةً مُحدّدة مسار السياسة الخارجية الأمريكية: أي مجلس العلاقات الخارجية (CFR). لقد أعلنت هذه المؤسسة بوضوح الحاجة إلى إنشاء حكومة عالمية.

إنّ مقرّات النزعة العالمية، على غرار نادي بيلروبورغ (Bilderberg Club) أو اللجنة الثلاثية، فضلا عن المؤسسات المالية العالمية والشركات عبر القومية على غرار مجلس الإحتياط الفيديرالي والبنك الدولي- لا يتّم تنسيقها إلاّ من طرف مجلس العلاقات الخارجية. لقد دعى ترامب ذلك “بالمستنقع”. إلاّ أنّ المستنقع لا يبدو بوضوح شبيها بذلك إطلاقا.

إنّ أسلوب تصرّف وحركة مجلس العلاقات الخارجية هو القوة الناعمة هو أسلوب الخنق.لا يندفع مجلس العلاقات الخارجية بعجل، ولكنّه يُحضِّر وُكلاءه أو عملاءه بشكل تدريجي في جميع بلدان العالم تقريبا، وهو يُعدُّ ويتظاهر بتقديم إمتيازات في معظم بلدان العالم تقريبا، إنّ النخب السياسة والإقتصادية –داخل تلك البلدان- لها ولاءٌ ظاهري –للبلد الأم- ولكنّها مُوجّهة داخليا بإتجاه النزعة العالمية، فهي التّي نُسمّيها بالطابور السادس، وهي مرتبطة جميعها بمجلس العلاقات الخارجية.

لا يُدرك المجلس كثيرا مصالح الأوليغارشية المالية الأمريكية العابرة للحدود القومية، بالنسبة له، فإنّ الولايات المتحدة هي أداة واحدة فقط، وإن تكن الأكثر قوة. الثورات الملوّنة، القوة الناعمة والمجتمعات المتسلّلة لم تعترف مباشرة إلى الآن بحكومة العالم الكونية، هذا هو مجالهم. يُعتبر مجلس العلاقات الخارجية مجلسا ليبيراليا، هدفُ –أفراده- نشرُ اللبيرالية على الساحة العالمية-النزعة البيرالية هي إيديولوجيتهم. لقد وقع خصامٌ بين ترامب ومجلس العلاقات الخارجية، هذه هي الحقيقة. لذلك، فقد أدرك المجلس الوضع وأصدر إستجابته لذلك من خلال وضع جيش اللبيراليين الأمريكي بأكمله في وضع إستعدادي للقتال في تحالف ضدّ ترامب في البلاد. من هنا، كانت مسيرة أصحاب النزعة النسوية، دناءات مادونا والتمردّات الفوضوية.

إلاّ أنّ مجلس العلاقات الخارجية لا يُعدُّ لوحده مركز القوة داخل الولايات المتحدة. فهناك المحافظون الجدد أيضا. في الأعوام الأخيرة وتحت حكم ، فقدَ هؤلاء الأرضية ولكنّهم إحتفظوا لأنفسهم بنفوذ معيّن. يُعتبر المحافظون الجدد مؤيّدين واضحون للنزعة الإمبريالية الأمريكية. بالنسبة لهم، يُشكّل المجتمع الدولي عبئا -ثقيلا-. لقد كانوا بصدد بناء إمبراطورية أمريكية كونية، وقاموا بتسميتها بإسمهم. فإذا عمد مجلس العلاقات الخارجية بإستمرار إلى مغازلة هؤلاء الذّين يريدون الإستعباد، فسيعمل المحافظون الجدد ببساطة على تحطيم الطرف المتمرّد. يٌعتبر ماكين محافظا جديدا نمطيا. يؤيّد المحافظون الجدد التدخّلات العسكرية المباشرة، الإطاحة بالحكومات المتمرّدة، الإنقلابات العسكرية وإبادة العدو، عارضهم ترامب، مثلما هو واضح من ضغينته تجاه ماكين.

أخيرا، هناك دولة عميقة. يضّم هذا الأمر مسؤولين أمنيين أمريكان، وأفراد من الدولة يُمثّلون المجمّع العسكري الصناعي، مجتمع الإستخبارات وعدد من الأوصياء على الهويّة الأمريكية على نمط مذهب مصيرنا الحتمي[3]∙ (Manifest Destiny)، ليس لديهم إيديولوجيا معيّنة ولكنّهم يسعون جاهدين إلى المحافظة على إستمرارية المؤسسات الأمريكية. لكن، بالطبع، لا يُعدُّ الأمر خاليا من أيّ إيديولوجيا. لمجلس العلاقات الخارجية أثرٌ عظيم على الدولة العميقة، وفي سنوات التسعينيات، نمى هناك نفوذ المحافظين الجدد بشكل كبير.

منذ مائة سنة، كانت الدولة الأمريكية العميقة مُهيمنٌ عليها من قِبل الواقعيين والمحافظين التقليديين، إلاّ أنّه تمّ تهميشهم تدريجيا. لهذا السبب بالذات، لم تُعرب الدولة العميقة –في مواجهة قادة المخابرات الأمريكية والأمن الإستخباراتي الخاص- عن ولاءٍ معيّن لترامب، لكنّها إستمرت في تحقيقاتها الرهيبة عن التدخّل الوهمي الروسي في العملية الإنتخابية الأمريكية الأخيرة. لقد إستمروا في دعم العصابة اللبيرالية بناءًا على نشر جماعي للأخبار الكاذبة. وهكذا إتخذّت الدولة العميقة موقفا إلى جانب أعداء ترامب في إبتزازه بالعامل الروسي.

تُظهر هذه المراجعة، أنّ رئاسة ترامب ليس لها أيّ دعم مؤسّساتي، حتّى في الحزب الجمهوري، فإنّ قلّة قليلة تؤيّده. في مثل هذه الحالة، بإمكان المرء أن يأمل إمّا حدوث في معجزة أو عبقرية من جهة ترامب، أو الإستعداد لمستنقع في إحدى مظاهره الثلاث –مجلس العلاقات الخارجية، المحافظون الجدد أو الدولة العميقة- لأجل إخضاع ترامب. إذا لم ينجح أمرٌ مثلُ هذا، فإنّهم ببساطة ستعملون معا لأجل إزالته والقضاء عليه.

في صباح السابع من أفريل، صار واضحا أنّ أمرا كهذا حدث بالفعل أصلا. ترامب الذّي إنتخبته “أمريكا القديمة الحميدة” قد مات. ترامب الجديد يفعل بالضبط عكس ما وعد به. لم يكن ترامب الواقعي إطلاقا يتوقّع أن يتّهم نفسه بما حدث في روسيا، جنبا إلى جنب إلى جهود الإنضمام إلى الروس للقضاء على داعش. لقد وعد بوقف التدخّل. إلاّ أنّه تصرّف خِلافا لذلك. لقد إعتقد فجأةً بوجود كذبة جديدة للعالميين حول “هجوم الأسد الكيماوي” ومن دون أيّ توضيح للملابسات، أخذ “قرارا”، أي وقّع على ورقة سُرعان ما إنزلقت به إلى هجوم صاروخي على قاعدة سورية.

هذا فحصٌ للواقع، الكلمات شيء والأفعال شيء آخر. يبدو أنّ هناك خطب ما !

إذا لم يكن ترامب، فمن تمّ “القضاء عليه”؟ ثمّ من أخذ قرار الهجوم الصاروخي؟ إذا أطلقتَ حكما سريعا، فمن الأرجح أن يكون هذا الطرف هم المحافظون الجدد جنبا إلى جنب مع الدولة العميقة. أمّا مجلس العلاقات الخارجية، فيتصرّف بشكل مختلف. لقد تعاملوا مع روسيا بشيء شبيه بمشروع خانق، وأرسلوا شيئا من ذلك كعلامة سوداء (على الرغم من أنّ انفجار ميترو ساب بيترسبورغ ومظاهرات طلاّب مدارس نافالني زومبيفيد، كانت من حيث المبدأ بمثابة علامة سوداء) والأهّم من ذلك، فقد قاموا بذلك عبر عُملاءهم الكثيرين داخل النخبة الروسية، وكانوا يقترحون تسوية ما. إنّ الكيفية التّي تمّ بها التعامل فجأة مع هذا الاستفزاز والضربة بالنسبة لنا تُظهر أنّ الصورة الرمزية الموجودة تحت إسم “ترامب” تحكم باعتبارها قناة ما للمحافظين الجدد.

لقد تمّ ذلك بوضوح جنبا إلى جنب مع إسرائيل التّي تُخطّط للانضمام إلى العملية، حيث أنّ القوات الإسرائيلية تتمركز في وضع استعداد كامل للقتال على الحدود مع سوريا ولبنان. قبل كلّ شيء، فإنّ حلفاء إسرائيل الأقرب في الولايات المتحدة ليسوا سوى المحافظين الجدد. لقد إتّضح أنّ ترامب في صراع مع مجلس العلاقات الخارجية، الذّي شنّ الهجوم بإسم “أمريكا القديمة الحميدة” (أمريكا الأيّام الخوالي) وبإسم الواقعية، والذّي نال مزايا معيّنة هذه المرّة من قِبل المحافظين الجدد الذّين استولوا على مقاليد الحكم. نقول في هذا الصدد أنّها نشوة المحافظ الجديد كريستول بإزالة بانون. لقد انفجر  التويتر الخاص به بتغريدات تمتلئ غبطةً.

هكذا، خطف المحافظون الجدد ترامب.

هذا يعني أنّ الحرب أكثر ترجيحا.

لكن مع من، ضدّ من، متى وأين؟

 

الحرب مع من؟

يُعتبر المحافظون الجدد أطلسيون، خلافا لترامب الذّي أعتقد أنّه ليس على علم بوجود شيء اسمه جيوبوليتيك. بالنسبة لهم وعلى غرار أسلافهم، فإنّ التروتسكيين هم العدو الأساسي لحضار البرّ، أي العدو الأساسي لنا نحن. بالنسبة للدولة العميقة، كان هذا أمرا معتادا منذ حقبة الحرب الباردة والمكارثية، وحتّى بالنسبة لبعض صقور مجلس العلاقات الخارجية على غرار زبيغنيو بريجانسكي الذّين يتشاطرون هذه الرؤية المزدوجة المتعلقة بمواجهة قوى البحر لقوى البرّ. يُحاول مجلس العلاقات الخارجية كقاعدة منه، طمئنة موسكو بالقول أنّه لا يوجد مثل هذا الشيء كجيوبوليتيك، وأنّ “حرب القارات” هذه لا معنى لها، إلاّ أنّهم منقادون ومُسترشدون بالجيوبوليتيك، وشنّوا ضدّنا حرب القارات هذه. بالطبع، يكون من الأفضل حينما لا يعرف العدو أنّ الحرب تُشّنُ ضدّه –دعه يعتقد أنّه يأخذ حمّاما شمسيا بسلام على الشاطئ، ثمّ ستكون مفاجأة –تنتظره- حينما تظهر غواصة نووية قُبالة كرسيّه الشمسي. بينغو!

هكذا فهم المحافظون الجدد الهجوم الصاروخي لأمريكي على القاعدة السورية على أنّه بالفعل: هجوم عسكري على الروس. لقد عبّر ترامب عن ذلك بطريقة أكثر هدوءًا: “سيُصاب أصدقاء الأسد بخيبة أمل”. هذا خطابٌ ببغاوي وهمي، لا خطاب الشخص الواقعي المنتصر الذّي قرّر جعل أمريكا عظيمة من جديد.

شيء واحد واضح فقط: هذه حربٌ ضدّنا نحن.

إلاّ أنّ هذه الحرب ترتدي لباس حربٍ ضدّ أصدقائنا وحلفائنا، ضدّ الأسد (طبعا)، ضدّ إيران، ضدّ الشيعة وحزب الله على وجه الخصوص. كما أنّ السهم قد خرج من القوس –مرّة أخرى، نرجع هنا إلى شَراكات مجلس العلاقات الخارجية- سوف يتّم تقديم طلب موسكو للإنضمام إلى عمليّات ضدّ الأسد وطهران إلى جانب الولايات المتحدة وحلفائها: “لقد غيّر ترامب موقفه بين عشيّة وضحاها. دعونا من هذا يا رفاق، من المفترض أن تكونوا واقعيين”. يمكن لشخص ما أن يُقرّر أنّه إذا ما استسلمنا فمن ثمّة بإمكاننا أن نتجنّب حربا عالمية ثالثة. إلاّ أنّنا لا تستطيع. لقد شُنّت الحرب علينا، أصدقائنا فقط هدف ثانوي ومحلّي، هذا إختبار رئيسي لمدى قُدرتنا على التحمّل. إذا ما استسلمنا لهم، فبإمكانهم أن يفعلوا بنا أي شيء.

لكن، إذا ما كان المحافظون الجدد هم من يتلاعب بصورة ترامب، فلن يُصرّوا إذن على تملّق روسيا. سوف يتحركون ببساطة وبقوة بناءً على خططهم. لديهم خطة ما. وإذا ما تمكنّوا من الإستيلاء على مقاليد السلطة على حساب الأجهزة الأمريكية التّي فقدوا تقريبا أمل القيام بذلك تحت حكم إدارة أوباما، ثمّ سوف يتحركون بسرعة قدر الإمكان، محاولين عدم خسارة أي وقت.

لذلك، فسوف يتّم شنّ الثالثة من قِبل المستنقع، الأطلسيون ومؤيدون آخرون من الإمبرياليين الأمريكيين ضدّنا نحن. رسميا، سوف يتّم تصميم الأسد والشيعة باعتبارهم العدو، سوف ينضم الإتحاد الأوروبي الذّي يُتحكم فيه بشكل كامل من قِبل المستنقع، إلى هذا الائتلاف. يمكن أن تُصبّ الضغوط على أردوغان، جالبين إيّاه إلى حقل اللعب الأمريكي.

 

أين ستكون الحرب؟

سيكون الشرق الأوسط بشكل واضح بمثابة الجبهة الأساسية لهذه الحرب، أي سوريا والإقليم المحيط بها. نبوءات الأرثوذكس، البروتستانت، اليهود والمسلمين توجزها معركة هرمجدون التّي سوف تحدث في جوار الأرض المقدّسة.

إلاّ أنّه من الواضح أنّ العدو سوف يفتح جبهات أخرى ضدّنا عبر وكلائه. أولا وقبل كلّ شيء، ينبغي أن نتوقع هجوما على دومباس (Dombass) بأوكرانيا، مع غزو موازي لشبه جزيرة القرم. هذا ما ذكرته المتحدثة الرسمية باسم المحافظين الجدد بأوكرانيا وزوجة روبرت كيغان أحد كِبار المحافظين الجدد، السيدة فيكتوريا نولاند. يبدو أنّ حديثها هذا يقول شيئا ما.

هذا الأمر سوف يُتبع بسلسلة متزامنة من الهجمات الإرهابية على العاصمة الروسية والمدن الكبرى، وكذا تفعيل مسلحين في شمال القوقاز. ليس من المرجّح أن يصير نزاع كاراباخ غير مجمّد (بمعنى أنّه سوف يشتعل دون توقف). على ضوء هذه الخلفية، سوف تتزايد الإحتجاجات المزاجية، وسوف يخرج الطابور الخامس إلى الشوارع. لقد رأينا تكرارا لهذا الأمر مِرارا من قبل.

أخيرا، فإنّ العدو سيحاول تنفيذ إنقلاب ما لإسقاط بوتين، الذّي تقع عليه –مسؤولية- كامل روسيا اليوم كدولة ذات استقلال وسيادة. سيكون هذا العمل عمل الطابور السادس[4]∙. قد تكون الفكرة المهيمنة لهذه المؤامرة هي القول الليبرالي: “أُنظروا إلى هذه السيادة، القِرم لنا، أنظروا إلى مثل هذه النزعة المحافظة، وما إلى ذلك ماذا جلبت لنا”. أو حتّى بعض الخطابات الوطنية المُسرفة جدّا على غرار: “أنظروا كيف يتردّد” أو “أنظروا إلى خسائرنا –جميعها حدثت بسبب تردّده وحيرته”. (أي بسبب بوتين).

ليس من الممكن استبعاد أقاليم أخرى من أن تصير في المستقبل ساحاتٍ للحرب.  

 

متى ستقع الحرب؟

متى سوف تبدأ الحرب العالمية الثالثة؟ بمعنى ما فقد بدأت بالفعل أصلا، ولكنّها قد تنتهي بشكل سريع. كيف؟ على سبيل المثال، عبر اعترافنا نحن بالهزيمة. ثمّ لن تكون هناك أيّ حاجةٍ للقتال، ما دام الهدف من الحرب هو إرساء سيطرة على عدو ما، على إقليمه، على مؤسساته، وعلى وعيه. لقد سبق وأن أرسى الغرب من قبلُ سيطرة جزئية على روسيا. الشيء الوحيد الذّي لا يستطيعون السيطرة عليه هو بوتين نفسه. لذلك، فإنّ الحرب العالمية الثالثة ستكون موجّهة ضدّه إلى حدّ ما.

لكن، ماذا يعني أنّ “الحرب قد بدأت بالفعل أصلا؟” هذا يعني أنّه لو تفاعلت روسيا بشراسة، فإنّ سلسلة من الأفعال التّي لا رجعة فيها ذات طبيعة وسمات دراماتيكية للحرب سوف تكون موضع التنفيذ، ونظرا للتوّرط المباشر لقوتين نوويتين عالميتين، فإنّ هذه الحرب ستكون في مفهومها حربا عالمية.

في حالة ما إذا تراجعنا، فإنّ للحرب كلّ الفرص لتنتهي بسرعة، وبخسائرٍ أقل. إلاّ أنّ ذلك يعني استسلامنا مع كلّ النتائج الوخيمة. ناهيك عن مسألة القرم، والتّي ستكون لنا نحن طالما كانّا أنفسنا. ليس علينا إلاّ أن نرجع خطوة إلى الوراء، أن ننظر للخلف قليلا، إلى صورتنا الذاتية –لحظة- الإنهيار.

في حالة ما إذا استجبنا ورددنا، يمكن لبداية الحرب أن تتأخر، بل يمكن للحرب أن تتأجّل حتّى. إذا ما فشلنا في حلّ المسألة بشكل حاد وسريع، فسوف تُوفِد واشنطن مجلس العلاقات الخارجية إلى المفاوضات، وسيتّم سحب المسألة. تكفي متابعة زيارة كيسنجر لموسكو –والذّي يُعدُّ مفاوضا من الدرجة الأولى لمجلس العلاقات الخارجية- فلم يأتي الرجل ليطعننا بل ليخنقنا.

من غير الممكن أم تتنبأ الجيوبوليتيك أبدا بتوقيت العملية بالضبط، ولكن يفهم الجيوبوليتيكيون تماما ما الذّي يجري وأين ستتّم. إلاّ أنّ الإجابة عن سؤال “متى؟” تعتمد على عوامل عديدة كثيرة. وهذه العملية مفتوحة في هذا الصدد.

 

ما الذّي يجب علينا فعله؟

لقد أشرتُ وفي أيّ وقت مضى أنّ على المحلّل أن يكون أكثر قسوة. إنّ أيّ مغفّل يُدرك ماذا يجب أن يُفعل في وضع كهذا اليوم. كلّ منهم يتدخّل بمشورته وتوصياته بصوت عالي ومبتذل. لا يريد المرء أن يُشارك في هذه الجوقة. علاوة على ذلك، تستمع الحكومة –الروسية- إلى اللاشيء وإلى اللا أحد. لذلك، يجدر بنا أن نقصر أنفسنا على هكذا تحليل أوّلي وأن نكون قادرين على أن نُصلح شيا ما، أن نُصحّح شيئا ما، أن نوضّح شيئا ما وأن نعيد التفكير في شيء ما. قبل كلّ شيء، وفي كلّ حرب، يعتمد كلّ شيء على ظروف البداية. لذلك، ينبغي أن يتّم تحليل الأمر بأحسن قدر ممكن من الدقّة. إذ يمكن لخطأ ما على هذا المستوى –حتّى أتفه الأخطاء- أن يؤدّي لاحقا إلى نتائج كارثية.


بقلم: ألكسندر دوغين[1]

ترجمة: جلال خشيب[2]

 

الرابط الأصلي للمقال: 

موقع جيوبوليتيكا الروسي: http://www.geopolitica.ru/en/article/third-world-war-beginning 


[1]∙ ألكسندر دوغين، فيلسوف وجيوبولتيكي روسي معاصر، يُعتبر من أكثر الأسماء الأكاديمية والسياسية شهرة داخل روسيا، وهو مؤسس الحركة الأوراسية الجديدة. يعتبره كثيرون بمثابة العقل المفكر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، له نظرية خاصة في الجيوبوليتيك يتضمنها كتابه الضخم:”أسس الجيوبوليتيك، مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي”، الذّي يصيغ فيه التوجه الجيوبوليتيكي الذّي ينبغي على روسيا المعاصرة أن تتبعه حتّى تضمن العودة من جديد إلى الساحة الدولية كقوة فاعلة، له كتاب آخر مهم بعنوان: “النظرية السياسية الرابعة”.

[2]∙∙  جلال خشيب، كاتب وباحث جزائري بمعهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، جامعة مرمرة بإسطنبول-بتركيا، وبقسم الدراسات الآسيوية كلية العلاقات الدولية بجامعة الجزائر3. يعمل حاليا كباحث بمركز إدراك للدراسات والإستشارت بمدينة إسطنبول-تركيا.    

[3]∙  هذا المذهب أو العقيدة ظهرت في القرن التاسع عشر ويؤمن أصحابها بأنّ توسّع الولايات المتحدّة عبر الأمريكيتين يُعتبر أمرا مُبرّرا وحتميا.

[4]∙ يقصد دوغين بالطابور السادس هنا، تلك النخبة السياسية والإقتصادية الروسية المولعة بالغرب وقيمه الليبرالية والتّي تتقاطع قيمها وأهدافها ومصالحها وتوجهاتها الكبرى مع العالميين الغربيين والأطلسيين الجدد على حدّ تعبيره.