المرصد

فالور أكتيال: الحرب السورية.. صراع لخدمة مصالح أطراف خارجية

5851231dc3618843678b4571

نشر موقع “فالور أكتيال” الفرنسي دراسة للكاتب فريدريك بيشون، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، وخاصة سوريا والأستاذ والباحث الجيوسياسي في جامعة فرانسوا رابليه دي تور. وقد تناول الموقع موضوع الصراع السوري والأطراف المتدخلة فيه.

منذ أكثر من ست سنوات، اندلعت حرب في سوريا خلفت، حسب الأرقام الرسمية، أكثر من 300 ألف قتيل. كما تسببت في تشريد ملايين السوريين في حين أصبح قسم كبير من الشعب لاجئين مشتتين في كل مكان، فضلا عن أنها أدت إلى تدمير البنية التحتية. وبالإضافة إلى ذلك، انعكس الصراع القائم في سوريا على التراث التاريخي والثقافي الذي لحقته أضرار كارثية. وفي الأثناء، تفضح حيثيات المعضلة السورية تجاوزات وفشل النظام الدولي، الذي لم يول القضية الاهتمام الكافي، الأمر الذي عقد الصراع أكثر.

في بداية القرن الحالي، عرفت الدولة السورية تقدما اقتصاديا وسياسيا، مما جعلها تنفتح على العالم. أما في الوقت الراهن، فقد تأزمت الأوضاع داخل هذا البلد، كما ترتب عن المساس بالبنية التحتية والقطاعين الصحي والأمني استنزاف الجوانب الحيوية في البلاد.

 

في المقابل، يؤكد تحليل المعطيات التاريخية بشكل سليم أن العالم كان قادرا منذ البداية على منع سوريا، التي أصبحت اليوم معقل التطرف ومسرحا للقوى الإقليمية، من الدخول في دوامة الصراعات الحالية. على العموم، يبدو أن بعض الأطراف قد تناست أن سوريا ليست أفغانستان، حيث أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل عدد من المتطرفين لمحاربة الاتحاد السوفيتي.

 

من جهة أخرى، انقلبت هذه اللعبة الخطيرة ضد العديد من الدول الأوروبية على غرار فرنسا، التي أبت منذ أيلول/سبتمبر 2015، أن تقصف معاقل تنظيم الدولة في سوريا. في الحقيقة، كان حياد فرنسا تعبيرا عن عدم رغبتها في التدخل في هذه المسألة الشائكة. ولكن التاريخ سيحكم بقسوة على استهتار ودوغمائية السياسيين الفرنسيين.

 

في واقع الأمر، كان من المفترض أن يتم القضاء على تنظيم الدولة منذ فترة طويلة. في المقابل، عجز العالم عن تحقيق ذلك نظرا لأن بعض القوى الإقليمية والعالمية استغلت النزاع للمضي قدما في أجنداتها الإقليمية الخاصة. فبالنسبة للسعوديين، كانت الحرب في سوريا بمثابة وسيلة للوقوف في وجه الطموحات الإيرانية للتوسع في العراق وسوريا.

 

وفي الأثناء، يمكن القول أن سياسة باراك أوباما كانت الأنجع فيما يتعلق بسبل التعامل مع الأزمات في المنطقة. في المقابل، اتهم دعاة التدخل في الحرب السورية أن أوباما حال دون سقوط نظام بشار الأسد، حين رفض توجيه ضربة قوية للجيش السوري في أيلول/ سبتمبر 2013، إثر الهجوم الكيميائي الذي جد في شهر آب/ أغسطس.

 

عموما، من الواضح أن الرئيس الأمريكي السابق كان يحاول تصفية الحسابات المتخلدة في ذمة واشنطن منذ عهد بوش وفشله في العراق. وسواء تعلق الأمر بالحرب في ليبيا أو في سوريا، فقد أدرك أوباما أن بلاده لن تجني مكاسب هامة في حال أقدمت على التدخل الميداني في هذه الدول.

 

أما بالنسبة للهجوم الكيميائي على مدينة خان شيخون، فلا يمكن استبعاد أي سيناريو، خاصة وأن المرحلة السياسية والعسكرية حينها كانت مبعثا للعديد من الأسئلة. في واقع الأمر، لم يكن من مصلحة دمشق أو موسكو إفشال مخططاتهما أو استهداف مواقعهما بطريقة مماثلة.

 

وفي الأثناء، أدت هذه الضربة إلى تغيير العديد من المعطيات السياسية بشكل تام. فقد شكل الهجوم نقطة تحول في المواقف الدولية تجاه النظام السوري وحليفه الروسي. فضلا عن ذلك، أنهى هذا الهجوم شرعية بقاء الأسد في السلطة، كما لم يعد الروس يمثلون الحلفاء القادرين على وقف نزيف الجرح السوري.

 ما هو دور إيران في الصراع السوري؟

وفي شأن ذي صلة، مكن الصراع السوري إيران من تعزيز نفوذها في سوريا. فقد كانت العلاقات بين دمشق وطهران وطيدة، منذ عهد حافظ الأسد. ويعزى ذلك بالأساس إلى محاولة طهران البحث عن وسائل لتوسيع مجالها الجغرافي في المنطقة، إلى جانب تمركزها في جنوب لبنان، وذلك في إطار مساعيها للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط .

 

وأثناء الحرب السورية، اُرسلت العديد من القوات الإيرانية إلى الأراضي السورية، لتعزيز التواجد العسكري الفارسي فيها. من ناحية أخرى، لا يجب التغاضي عن البعد الديني للدولة السورية، فعلى الرغم من أن عدد الشيعة في البلاد لا يتجاوز 400 شخص، إلا أنها تحظى بقيمة رمزية نظرا لأنها تضم اثنين من أهم المزارات الشيعية في دمشق على غرار مقام “السيدة زينب” “والسيدة رقية”.

 

في الواقع، تميل إيران إلى الإفراط في الاستثمار في المجال الديني وذلك بهدف تعزيز شرعيتها. كما تستغل المراجع الدينية لاستنزاف المقاتلين في سوريا وتشجيعهم على الالتزام بالأهداف الإيرانية في المنطقة، بما في ذلك الشيعة الأفغان والهزارة.

على الصعيد الاقتصادي، فتحت إيران خطوط ائتمان مهمة جدا للدولة السورية منذ بداية النزاع (تُعادل قيمتها أربع مليارات سنويا). ونتيجة لذلك، لم ينهار نظام الأسد إلى حد الآن، على الرغم من أنه وُضع  تحت الحظر. وفي شهر يناير/ كانون الثاني، تم التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية بشأن تركيز عدد من القطاعات والشركات الإيرانية والمرافق المينائية في سوريا.

والجدير بالذكر أنه قبل اندلاع الحرب، كانت سوريا من بين الدول المُقترضة من صندوق النقد الدولي. وفي ظل انخراطها في العولمة، شملت البرامج التنموية السورية توسع المدن الكبرى على حساب الريف، في الوقت الذي شهدت فيه البلاد سنوات جفاف. ومن المثير للاهتمام أغلب المقاتلين الذين حملوا السلاح خلال الحرب في سوريا هم من سكان المناطق الريفية.

في المقابل، لا تُمثل الحكومة السورية سوى شكلا من أشكال البرجوازية التي تبذل قصارى جهدها من أجل الدفاع عن مكتسباتها. ومن المفارقات الغريبة أن النظام اعتمد على حزب البعث للوصول إلى السلطة، من خلال التعبئة الشعبية ضد البرجوازية. وفي الأثناء، يعد حزب البعث من أبرز الأطراف التي منيت بخسارة كبيرة خلال الحرب.

 أي مستقبل للحكومة السورية؟

 يبدو أن رهان تحقيق السلم في سوريا أصبح أصعب من كسب الحرب. ومن المتوقع أن يُغادر بشار الأسد منصبه بحلول سنة 2021 بالتزامن مع انتهاء فترة ولايته، في حين لا يعلم أحد كيف سيكون المشهد السياسي بعد رحيله. خلافا لذلك، لا بد أن تحرص الأطراف الدولية على عدم السماح بأن تتحول سوريا إلى ساحة لتنفيذ برامج وأجندات أجنبية.

 

من جانبها، تعتزم روسيا تنفيذ مشروع اتحادي مع المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون السابقون على غرار ما حدث في الشيشان. أما إيران، فترغب، في فرض نظام سياسي برلماني، الأمر الذي يتطلب تقسيما معقدا للدوائر، نظرا لأن المجتمع السوري يمثل فسيفساء متنوعة، وذلك لخلق نموذج مماثل للنموذج اللبناني.

 

من جانب آخر، يؤمن المسؤولون السوريون بأنهم ذوي توجهات قومية في حين لا يرون بلادهم إلا موحدة وذات نظام جد مركزي. في الواقع، ينطوي خيار ترأس سوريا في إطار حكم ذاتي على خطر انفجار البلاد داخليا. وفي الوقت الراهن، تواجه البلاد العديد من التحديات، لعل أبرزها منع سقوط دير الزور بين أيدي عناصر تنظيم الدولة بمجرد طردهم من الرقة، نظرا لأن ذلك سيسمح لهذه المنظمة الإرهابية بمواصلة نشاطاتها وتوسعها في بقية المناطق السورية.

 المادة مترجمة عن فالور أكتيال للإطلاع على المادة الأصلية هنا