• بحث
في بعض الأحيان، تُولّد الأماكن الصغيرة والمغمورة أكبر قدر من القلق بين القوى الكبرى.

لماذا تعتبر إدلب مهمة؟

في بعض الأحيان، تُولّد الأماكن الصغيرة والمغمورة أكبر قدر من القلق بين القوى الكبرى.

الإعلانات

هذه التحليل مترجم عن موقع geopolitical futures

بقلم: ترجمة:

تقع محافظة في الجزء الشمالي الغربي من بالقرب من البحر الأبيض المتوسط والحدود مع . عادةً، يكون اهتمام الدول بالسيطرة على مثل هذه المناطق ضئيل. لكن جيوبوليتيكاً، فإن المناطق الصغيرة والمغمورة تولد أحياناً أكبر قدر من القلق بين القوى الكبرى، وإدلب مثال يثبت ذلك. قد لا يكون مستقبل هذه المنطقة قضية عالمية، لكنه أصبح نقطة لاحتمالات المواجهة بين وتركيا وإيران والولايات المتحدة والنظام السوري، حيث تم إخراط الأكراد على نحو جيد، مما أجبرهم على إعادة النظر في الحلفاء والأعداء. هذه قصة سياسة القوة العظمى و توازن القوى العالمي. إدلب هي مجرد خلفية لذلك.

في الوقت الحالي، تسيطر على إدلب قوات معادية للحكومة السورية. من الواضح بشكل متزايد أن الحكومة قد فازت فقط بالحرب الأهلية التي كانت تدور رحاها منذ الربيع العربي. في نفس الوقت، بدا الرئيس بشار الأسد في طريقه للسقوط. بالطبع، لم يسقط، وبقائه يعود جزئياً إلى عجز أعدائه عن تشكيل جبهة موحدة. لقد كانوا يكرهون الأسد ولا يثقون به، لكنهم في الوقت نفسه يكرهون ولا يثقون ببعضهم البعض. كان هذا هو حجر الأساس لاستمرار سلطة الحكومة منذ ما يقارب 50 عامًا. إدلب هي واحدة من آخر معاقل المتمردين المتبقية، قطعة من الأرض تقف في طريق الأسد لتحقيق النصر. القوات التي تحتشد هناك تنتظر دماراً كبيراً.

هذا من شأنه أن يشكل مشكلة بالنسبة لتركيا، التي تدعم بعض المجموعات هناك الآن. سقوط  المنطقة سيشكل طريقاً إلى تركيا تستطيع القوات السورية استغلاله مستقبلاً. ولكي نكون واضحين، فإن استعادة الأسد لإدلب ليست تهديدًا وجوديًا للدولة التركية. لكن الأتراك معادون بشكل عام للحكومة السورية، وعلى الرغم من أنهم قد يتحملون سلطة الأسد المطلقة، فإنهم لا يرون أي سبب يدفعهم لتسليم إدلب بسهولة.

هناك بالطبع تفسير آخر. تتفاخر تركيا بعدد الجيش الذي يقارب من مليون جندي، لكن البعض منهم فقط مُدرب ومُجهز بشكل جيد. لو تم نشر هؤلاء الجنود في إدلب، سيبدو الوضع مختلفًا. لكن هذا لم يحصل. في عام 2016 ، قام الجيش بانقلاب فاشل ضد الحكومة التركية، التي قضت السنوات الأخيرة في تشديد سيطرتها على القوات المسلحة. وعليه، لم يكن إجبار القوى المسلحة على الدخول في نزاع أجنبي خياراً مثالياً. كان من الأفضل أن تستعيد أنقرة السيطرة على الجيش بينما تنشر قوات محدودة في سوريا وتحاول تحديد سياستها الخارجية. هذا ما يفسر مساعدة تركيا للسوريين لمحاربة الجماعات الكردية السورية ولكنها تنأى بنفسها عن الصراع الأوسع.

الشروط الجيوسياسية الخالصة

تدخلت روسيا في سوريا أيضاً، في أعقاب الانهيار في أوكرانيا، حيث ظهرت حكومة مناهضة لروسيا في دولة عازلة حاسمة. لم يكن لدى روسيا مصلحة إستراتيجية واضحة في سوريا، وكانت محاولات التنبؤ مشكوك فيها في أحسن الأحوال. يفترض المراقبون أن روسيا أرادت السيطرة على خطوط أنابيب النفط ووضع قوة بحرية كبيرة في سوريا. لكن روسيا لديها الكثير من النفط. ما تحتاجه هو ارتفاع أسعار النفط. حلم روسيا هو امتلاك قوة بحرية في البحر الأبيض المتوسط، لكن هذا الحلم يمكن أن يصبح كابوسًا بسهولة، لأن أي قوة يتم وضعها في البحر المتوسط يجب أن يُوفر لها الدعم عبر مضيق البوسفور، الذي يمكن للأتراك أن يغلقوه  عبر البحر الأبيض المتوسط.

لقد كان السبب الحقيقي وراء تدخل روسيا في سوريا هو أن تظهر لجمهورها الخاص أنه يمكن أن تتصرف كقوة عظمى. أما إنقاذ الأسد -وهو حليف روسي قوي- فقد كان ثانويًا لكنه ما زال مهماً، ولهذا السبب اضطرت روسيا إلى دعم الهجوم على إدلب. المشكلة الواضحة هي أن إدلب  ستجلب روسيا إلى صراع مع تركيا، التي تحالفت معها في بعض الأحيان.

من الناحية الجيوسياسية الخالصة، فإن التحالف الروسي مع تركيا سوف يفيد روسيا، التي يمكن أن تضع أسطولًا في البحر الأبيض المتوسط، وتثبت استقرار القوقاز وتضع في وضع أسوأ مما كانت عليه في السابق. عندها يبدو أن دعم هجوم على إدلب غير عقلاني للروس. لقد أصبح الأتراك أكثر عدائية تجاه ، التي وضعت القيود الجمركية على تركيا  بشكل جزئي بسبب احتجاز القس الأمريكي، وبسبب شراء تركيا لأنظمة الصواريخ الروسية S-400 ، وإلى حد ما لتنبيه أنقرة بأن قد نفد صبرها. كانت هذه لحظة مثالية لسد طريق السوريين والتقاط نقاط مهمة من الأتراك.

جزء من المشكلة كانت إيران. توسعت القوة الإيرانية إلى اليمن ولبنان وسوريا. في سوريا، ساعدت القوات الإيرانية وحزب الله في تنظيم قوات الأسد وشاركت في القتال. مع تحسّن الجيش السوري، وتواجد الجنود المتمرسين من إيران وحزب الله، أصبحت القوات البرية الروسية -التي لم تكن أبدا وفيرة على الإطلاق بأي حال من الأحوال- موضع نقاش. كانت القوة الجوية الروسية دائماً إضافة مرحب بها إلى ترسانة الأسد، لكن المشاركة الروسية في الهجوم البري على إدلب غير ضرورية. سيسعد الإيرانيون، الذين يريدون لعب دور الحليف المسيطر، بأن يمدوا يد المساعدة. هذا سيترك روسيا معزولة في مكان لا تريده حقاً: عالقة بين إيران وإسرائيل، التي أصبحت معادية للتوسع الإيراني بشكل متزايد وهاجمت مواقعها في سوريا.

كل هذا كان في عقول قادة روسيا وإيران وتركيا، الذين التقوا الجمعة لمناقشة الوضع في إدلب. دعمت إيران وروسيا الهجوم. تركيا لم تفعل ذلك. هذا اختبار مباشر لحدود العلاقات بين روسيا وتركيا. اقترحت روسيا وضع قوات الأسد على الحدود التركية – هذا ليس مجرد تهديد عادي لتركيا ولكنه تهديد مُحرج-. وبهذه الخطوة، أعاقت روسيا الآمال في إقامة تحالف طويل الأمد مع تركيا.

ربما اعتقدت روسيا أن التحالف كان حلماً زائفاً، ربما يحجبه الأتراك في أي لحظة. وعلى أي حال ، فإن سيطرتها على مآلات الوضع في سوريا، أصبحت الآن محدودة بعد ان كانت كبيرة في الماضي، النظام في سوريا يريد إدلب حقاً. بينما تريد الحكومة الإيرانية أن تكون أفضل حلفاء الأسد وأكثرهم موثوقية. معارضة الهجوم لم تكن لتوقفه بالضرورة. ولكن كانت ستعزل روسيا فقط. لذا وقفوا إلى جانب سوريا.

أكثر من قبل…

ثم هناك الولايات المتحدة، التي كانت هادئة نسبياً حتى الآن، باستثناء إنفصالات محدودة للمعارضة السورية والميليشيات الكردية. ومنذ ذلك الحين، قامت الولايات المتحدة بنقل المزيد من القوات إلى المنطقة، لكنها ما زالت محدودة. وهذا يثير المخاطر بالنسبة لروسيا، التي ستكون حذرة لتفادي سقوط ضحايا أمريكيين، فالرد الأمريكي سيكون حتمياً ومن الجو، نظراً لتفوق واشنطن الجوي. ولا يزال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتلاعب بجمهوره المحلي ولا يستطيع تحمل الهزيمة. إيران ليست في وضع يُمكنها من تحدي القوة الجوية الأمريكية على بعد آلاف الأميال، وعلى أي حال يجب أن تقلق بشأن إسرائيل. إن قرار الولايات المتحدة بإلقاء نفسها في هذا المزيج يغير من الديناميكيات بالكامل.

إذا كنت على صواب في افتراض أن روسيا تفقد السيطرة على الوضع، فإن إشراك الولايات المتحدة على أي مستوى في إدلب أمر غير مرغوب فيه. أمر لاتريده إيران. قد يريد الأسد ذلك، وقد يتمكن من فعل ذلك بنفسه، لكنه يدرك أيضًا أن الولايات المتحدة سيئة في مكافحة التمرد، ولكنها جيدة في نسف الأمور. يحتاج الإيرانيون والروس إلى التفكير في ذلك.

في غضون ذلك، ومع تحول روسيا من كونها حليف لتركيا إلى تهديد، فإن الولايات المتحدة تنتقل إلى دورها القديم كضامن للأمن القومي التركي. لم ترغب تركيا في إرسال قواتها الخاصة إلى القتال بالهجوم على إدلب. بالنظر إلى قوتها الجوية، لدى الولايات المتحدة خيار المشاركة بدون قوات ضخمة على الأرض. فجأةً، تنفتح إمكانية إعادة العلاقات مع تركيا. لم تكن روسيا ترغب في مهاجمة إدلب، لكنها بدت مجبرة على ذلك، والآن لا تريد فعل ذلك، مما يضر بمصداقيتها، خاصة مع الأسد. وتدرس إيران ما إذا كانت ستنصح القوات السورية التي تسيطر عليها بالقيام ببطولات وأن تذهب إلى الحرب.

كل هذا في مقاطعة واحدة لم يسمع عنها الكثير من الناس، ناهيك عن قلة الاهتمام بها من قبل. ليس من الواضح ما الذي سيحدث. وأظن أن الروس سيمارسون تأثيراً كافياً لتأجيل أو إلغاء الهجوم. سوف تقوم تركيا بالمساومة كما تفعل ذلك دائماً بشكل جيد، للحيلولة دون أي توافق مع الولايات المتحدة. سيحاول الإيرانيون استخدام ذلك لإبعاد سوريا من روسيا، لكن الأسد أكثر دهاءً من أن يعطي نفسه لأي شخص دون الحفاظ على خطوط الرجعة. بالطبع، يمكن أن أكون مندهشًا لرؤية الروس يقودون المهمة في إدلب، وأكثر من ذلك مغادرة المقاطعة والتخلي عن الجنود الذين وضعوهم في طريق هجوم العدو. لكن عملية إعادة التخطيط الإستراتيجي تعد أكثر أهمية لأنها تجعل العالم يبدو أكثر تشابهاً بما كان عليه قبل أن يذكر أي شخص إدلب.

الإعلانات

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: