fbpx
  • بحث

سفابودنايا براسا: لماذا تعتبر واشنطن أي محاولة للتواصل مع موسكو بمثابة المؤامرة؟

 

تبذل الولايات المتحدة الأمريكية كل ما في وسعها لحظر أي علاقات أو اتصالات أمريكية مع روسيا، وذلك وفقاً لما أكده الخبير السياسي الأمريكي ستيفن كوهين. وفي هذا الإطار تندرج مسألة الفضيحة المتعلقة بعلاقة ترامب بروسيا وتدخلها في حملة الانتخابات الرئاسية.

فبحسب كوهين فإن التهم موجهة بالأساس ضد مستشارَي الرئيس دونالد ترامب: مايكل فلين وجورج بابادوبولوس، اللذين تجمعهما علاقات مع روسيا. والأمر سيان بالنسبة لمساعده ريك غيتس، الذي وجهت له العديد من التهم على غرار التآمر وغسل الأموال على خلفية علاقاته بروسيا. ولكن هل يمكن تفسير ذلك على أنه مؤامرة ضد روسيا، أم هي مجرد “تهم غير عادلة”؟

أشار كوهين، حيال هذا الشأن، إلى أن محادثات فلين مع السفير الروسي السابق في الولايات المتحدة، سيرغي كيسلياك، أجريت في سياق فرض عقوبات غير متوقعة على روسيا، وافق عليها باراك أوباما في نهاية فترة ولايته، وبالتأكيد تعتبر هذه الممارسات طبيعية تماماً في مثل تلك الظروف. وأضاف الخبير أنه كان من بين مستشاري المرشحين للانتخابات الرئاسية، كما كانت تجمعه علاقات مع عدة أطراف روسية أكثر من كل المتهمين في قضية التخابر في إدارة ترامب. وأورد الخبير “أن ما نقوم به هو محاولة دراسة سياستنا تجاه روسيا، وأعتقد أن الاتصال معها بديل جيد للصراع الذي يعني الحرب، لذلك يعتبر الإعلان عن عدم شرعية العلاقات الأمريكية الروسية مؤسفاً للغاية”.

وانتقد كوهين سابقاً وسائل الإعلام الأمريكية والسياسيين على موقفهم تجاه موسكو. كما أكد جون باتشلور أن روسيا لا تمثل أي تهديد على الولايات المتحدة على مستوى سياستها الداخلية على الأقل. ووفقاً لنائب مدير المعهد الوطني لتطوير الأيديولوجيا الحديثة، إيغور شاتروف، فإن “كوهين لم يبالغ في حديثه عن خطر اتخاذ موقف معاد لروسيا”.

بالعودة إلى التاريخ الأمريكي، وبالتحديد خلال أيام المكارثية سنة 1950، ألقى السيناتور جوزيف مكارثي خطاباً أكد من خلاله أن وزارة الخارجية الأمريكية تزخر بعدد كبير من الشيوعيين والعملاء السوفييت والصينيين الذين وصل عددهم إلى 205. لكن، ما هو وجه الاختلاف بين السيناتور الأمريكي الحالي جون مكين والسيناتور السابق جوزيف مكارثي؟

الصحيفة: يبدو أن هذا أسلوبٌ جديدٌ للتخلص من كل طرف غير مرغوب فيه؛ أي عندما يوجد على الساحة السياسة الأمريكية طرف سياسي مرفوض يتم اتهامه بالتواصل مع روسيا، أو الكشف عن رحلاته السياحية السابقة إلى موسكو كغطاء لأغراض أخرى؟

إيغور شاتروف: نعم، بالعودة إلى التجارب الماضية ينجح هذا في التأثير على المؤسسة السياسية، بالإضافة إلى أنه يؤثر على رجال الأعمال والفنانين وحتى على المواطنين العاديين وليس فقط على الساسة، تماماً مثلما يحدث في الوقت الراهن في أوكرانيا.

الصحيفة: ما هي أسباب انتهاج هذه السياسة؟ لماذا يؤدي الاتصال مع روسيا إلى اتهام المسؤولين الأمريكيين بالتآمر؟ هل يكمن السبب في روسيا نفسها، أم  أن هناك أسباباً أخرى؟

إيغور شاتروف: في الحقيقة، تميل الطبقة السياسية الأمريكية، أو على الأقل الجزء الأكبر منها، إلى دراسة العلاقات مع روسيا بنفس الطريقة التي ينظر بها المواطنون الأمريكيون إلى هذه العلاقات. وبناء على ذلك بات تعاون مسؤول أمريكي مع روسيا بمثابة هجوم على كل السياسيين الأمريكيين. وروسيا من جهتها قبلت بذلك ورحبت بالتواصل مع الزملاء الأمريكيين في ظل هذه الظروف، إلا أن كل شيء تغير بعد عودة روسيا إلى الساحة الدولية كقوة بديلة للولايات المتحدة الأمريكية.

الصحيفة: إلى أي مدى تعتبر التهم الموجهة ضد فلين ومانافورت وبابادوبولوس منطقية؟ أم هي مجرد شائعات وتهم لا تستند لأي أدلة ملموسة تثبت تدخل روسيا؟

إيغور شاتروف: يبدو أنه لا تزال هناك تساؤلات حول أحقية دونالد ترامب بالبيت الأبيض. ففي بداية الحملة الانتخابية أبدى ترامب استعداده لتحسين العلاقات مع روسيا، وفيما بعد برر منافسو ترامب فشلهم في الانتخابات بالتدخل الروسي. ومن ثم فليس هناك أي جانب منطقي.

الصحيفة: هل هناك مخرج من هذا الوضع؟ كيف يمكن التغلب على هذه الظاهرة؟

إيغور شاتروف: ليس هناك سوى مخرج وحيد في مثل هذه الحالة وهو البدء من جديد. أولاً، يقبل منافسو ترامب بالهزيمة، ثم يتوقف ترامب عن إنكار وجود أي علاقات بينه وبين روسيا؛ لأنه لن يتمكن من إثبات ذلك إلا بتدهور العلاقات الروسية الأمريكية.

الصحيفة: هل تعتقد أن الدراسات المهتمة بالشؤون الروسية في الولايات المتحدة قوية بما يكفي؟ وهل يوجد العديد من المختصين في هذا المجال مثل كوهين؟

إيغور شاتروف: أعتقد أنه من الأفضل طرح هذا السؤال على كوهين. ولكن على العموم، لا تؤخذ آراء هؤلاء المختصين بعين الاعتبار، على الرغم من أن سياسة واشنطن تشهد تناقضاً كبيراً. فعلى سبيل المثال، أكد بوتين في مؤتمر صحفي أن الولايات المتحدة وضعت روسيا على قدم المساواة مع إيران وكوريا الشمالية، وفي الوقت نفسه تطلب واشنطن من موسكو المساعدة في حل القضية الإيرانية والكورية الشمالية. وأعتقد بناء على هذه المعطيات أن هذه السياسة المتناقضة التي يتبعها ترامب لا يمكن أن تكون ناتجة عن التشاور مع خبراء في الشؤون الروسية.

ووفقاً للأستاذ والخبير السياسي بافل رودكين، تعتبر السياسة الداخلية للولايات المتحدة عبثية. وليس من قبيل الصدفة أن يتخذ معارضو ترامب وترامب نفسه الخطوات الأكثر راديكالية، وغير المقبولة. والمثير للاهتمام أن الولايات المتحدة تستخدم الشائعات بشكل متقن للتأثير على الوعي الجماهيري، وبات لديها التقنيات التي يتم تطبيقها بشكل واضح وفاضح. وفي الواقع  يعتمد نجاح اللعبة السياسية في الولايات المتحدة على العقل الجماعي الأمريكي.

الصحيفة: ما سبب هذا الاتجاه؟ هل الرغبة في تشويه سمعة روسيا أم لأسباب داخلية؟

إيغور شاتروف: في الحقيقة، لقد نشب صراع مميت بين العولمة والرغبة في الحفاظ على عاصمة دولية. وبالتأكيد لا يمكن أن يحدث ذلك دون أن يحتد التوتر بين روسيا والولايات المتحدة؛ ممَّا يعني أن دور روسيا مهم في هذه العملية. فلتحقيق أهداف الولايات المتحدة تعتبر روسيا الأفضل للعب دور العدو القادر على التكيف بسهولة مع المشاكل الداخلية.

الصحيفة: من باستثناء المشاركين في الحملة الانتخابية لترامب يمكن أن يستفيد من “فضيحة التخابر مع روسيا”؟

إيغور شاتروف: بداية تعتبر “فضيحة التخابر مع روسيا” أداة وأسلوباً لتصفية الحسابات السياسية والقضاء على المنافسين. فإذا أظهرت هذه الأداة فعاليتها مع ترامب، يمكن أن تستخدمها أطراف أخرى، ليس فقط من قبل أعداء الأيديولوجيا الفردية وإنما أيضاً من قبل جزء من الطبقة الحاكمة التي لا تسعى للتغيير.

الصحيفة: وفقاً لكوهين “فضيحة التخابر مع روسيا” ليست تهديداً من روسيا، وليست الخطر الأكبر على الولايات المتحدة، فما هي المشاكل الحقيقية التي قد تجلبها “هذه الفضيحة” إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟

إيغور شاتروف: قد تحمل “فضيحة التخابر مع روسيا” تهديداً بزعزعة استقرار النظام السياسي الأمريكي، وبالعودة إلى بعض الأمثلة في تاريخ البشرية فإن الصراع من أجل السلطة عادة ما يؤدي  في نهاية المطاف إلى إضعاف الدولة واندلاع الحرب. وفي الواقع، تعتبر الرغبة في الإرادة المطلقة للسلطة، وهي النزعة التي ميزت كلينتون، تهديداً بحرب أهلية ومن ثم انهيار الولايات المتحدة الأمريكية.

الصحيفة: إلى متى سيظل هذا الاتجاه السياسي يفرض سيطرته على المؤسسة الأمريكية؟ وكيف يمكن التغلب عليه؟

إيغور شاتروف: لا يمكن التخلي عن الورقة الروسية في اللعبة السياسة الأمريكية، إلا إذا كان أحد أطراف الصراع داخل النخبة السياسية الأمريكية متفوقاً على الآخر. ولكن، في مثل هذه الحالة ليس هناك أي ضمان للتخلي عن هذا التوجه لأن معارضي ترامب لن يتوقفوا عن الضغط عليه.

إلى جانب ذلك لا تتعلق المسألة بإحداث تغييرات داخل الولايات المتحدة فقط، وإنما ترغب الطبقة السياسية الأمريكية في تغيير الأوضاع في روسيا أيضاً، وتسعى إلى عودة الأوضاع فيها إلى الحالة التي كانت عليها سنة 1990. ومن هذا المنطلق، من الواضح أن الطبقة السياسية الأمريكية تسعى إلى حل مشاكلها الداخلية على حساب روسيا، لتسريع التحول من العولمة إلى فترة ما بعد النظام الرأسمالي (post-capitalism).

الصحيفة: سفابودنايا براسا

الكاتب: ديميتري راديونوف

الرابط: http://svpressa.ru/world/article/188654/

 

لغة المنشور: العربية

اترك رد