slot dana slot toto toto 4d slot pulsa slot gopay slot ovo slot bet 200 slot bet 100 situs bet 200 situs bet 100 situs slot dana situs slot toto jagung77
فبراير 17, 2026
الرئيسية » تموضعات الهوية الثورية في سوريا بين “ما فوق الدولة” و “ما دونها”

تموضعات الهوية الثورية في سوريا بين “ما فوق الدولة” و “ما دونها”

سقوط النظام، وتشكيل حكومة جديدة، والشروع في محاولات تأسيس دولة مختلفة في بنيتها ووظيفتها، أثار سؤال الدولة الى جانب سؤال الثورة. فلم يعد الجدل محصوراً في كيفية إسقاط السلطة الاستبدادية، وإنما اتجه نحو تساؤلات أعمق تتعلق بمصير الهوية الثورية ذاتها

مجيب خطاب

مجيب خطاب

مقدمة

على امتداد أربعة عشر عاماً، تشكّلت لدى ثوار سوريا هوية ثورية جامعة، قامت على مبادئ كبرى في مقدمتها الحرية والكرامة ورفض الاستبداد، واتّفقت على هدف مركزي تمثّل في إسقاط نظام الأسد مع اختلافٍ واضح في الوسائل والأدوات والمرجعيات الفكرية. وقد أدّت هذه الهوية، خلال مرحلة المواجهة، دوراً في توحيد الفعل الثوري ومنحه شرعية أخلاقية جامعة، مكّنته من الصمود والاستمرار رغم التحديات والانقسامات.

غير أنّ سقوط النظام، وما تبعه من تشكيل حكومة جديدة، والشروع في محاولات تأسيس دولة مختلفة في بنيتها ووظيفتها، نقل النقاش من سؤال الثورة إلى سؤال الدولة. ففي هذا السياق الانتقالي، لم يعد الجدل محصوراً في كيفية إسقاط السلطة الاستبدادية، وإنما اتجه نحو تساؤلات أعمق تتعلق بمصير الهوية الثورية ذاتها: هل تبقى هذه الهوية مرجعية عليا تضبط أداء الدولة الجديدة؟ أم تتحول إلى واحدة من بين هويات سياسية واجتماعية متعددة؟ 

الهوية الثورية كهوية ما فوق الدولة

تميل بعض القراءات السياسية والفكرية إلى التعامل مع الهوية الثورية بوصفها هوية ما فوق الدولة، أي باعتبارها مرجعية أخلاقية وسياسية تعلو على مؤسسات الحكم الجديدة وتسبقها في الشرعية. وفي هذا التصور، تُفهم الثورة لا كحدث تاريخي منجز، وإنما كمعيار دائم يقاس عليه سلوك الدولة وخياراتها وسياساتها العامة. وعليه، تتحول القيم الثورية، مثل الحرية والكرامة والعدالة، إلى سلطة رمزية قائمة بذاتها، تمارس دور الرقابة والتقويم، وتعيد باستمرار مساءلة مؤسسات الدولة من خارج أطرها القانونية والتنظيمية وفي هذا السياق، يعاد إنتاج مفهوم “الشرعية الثورية” بوصفه مرجعاً أعلى من الشرعية الدستورية أو الإجرائية، الأمر الذي يجعل الدولة في حالة اختبار دائم أمام خطاب ثوري لا يعترف بسهولة بمنطق التسويات أو ضرورات المرحلة الانتقالية (1) ومن ثم، يصبح كل تقصير أو تعثر في الأداء الحكومي مؤشراً على خيانة الثورة أو الانحراف عن مبادئها، وهو ما يُبقي العلاقة بين الدولة والهوية الثورية علاقة توتر ومساءلة مستمرة.

ومع أنّ هذا النموذج يحافظ، من حيث المبدأ، على الروح النقدية للثورة، ويمنع انزلاق السلطة الجديدة نحو إعادة إنتاج أنماط الاستبداد السابقة، إلا أنه، في الوقت ذاته، ينطوي على مخاطر بنيوية عميقة حيث يؤدي ترسيخ الهوية الثورية كمرجعية ما فوق الدولة إلى إضعاف فرص تشكل شرعية مؤسسية مستقرة، كما يسهم في تعطيل عملية بناء الثقة بين المجتمع والدولة، ويبقي مؤسسات الحكم في موقع الاتهام الرمزي الدائم، حتى في الحالات التي تحاول فيها العمل ضمن أطر إصلاحية أو انتقالية معقدة وعلاوة على ذلك، فإن الإصرار على هذا التصور قد يحوّل الثورة من رافعة تأسيسية إلى سلطة معنوية غير خاضعة للمساءلة، وهو ما يخلق اختلالاً في ميزان الشرعية، ويؤخر الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، دون أن يوفر بديلاً مؤسسياً قادراً على إدارة الشأن العام أو احتواء التعدد السياسي والاجتماعي في سوريا الجديدة(2)

الهوية الثورية كهوية ما دون الدولة

في المقابل، يذهب تصور آخر إلى التعامل مع الهوية الثورية بوصفها هوية ما دون الدولة، أي باعتبارها واحدة من بين هويات سياسية واجتماعية متعددة تتقاسم المجال العام وتتنافس داخله. ووفق هذا المنظور، لا تعود الهوية الثورية إطاراً جامعاً يعلو على الانقسامات، وإنما تتحول تدريجياً إلى انتماء خاص، يستدعى في سياقات محددة، ويتراجع حضوره في الفضاء الوطني الأشمل. ومع هذا التحول، تفقد الثورة قدرتها على إنتاج معنى وطني مشترك، لتغدو مرجعية جزئية محكومة بمنطق الاصطفاف السياسي أو الاجتماعي(3).

وفي هذا السياق، يجري تفكيك الهوية الثورية إلى روايات متعددة، تعاد صياغتها وفق مصالح فاعلين بعينهم، سواء كانوا أحزاباً سياسية، أو قوى محلية، أو جماعات أيديولوجية، أو شبكات نفوذ مناطقية. ومن ثم، يعاد توظيف الخطاب الثوري كأداة تعبئة أو شرعنة للصراع على الموارد والتمثيل والسلطة، أكثر مما يستخدم كمرجعية تأسيسية لبناء الدولة. وهكذا، يتحول الرصيد الرمزي للثورة من عامل توحيد إلى مورد تنافسي، يستثمر في صراعات جزئية تفتقر إلى أفق وطني جامع وعلاوة على ذلك، يؤدي هذا المسار إلى إضعاف فكرة المواطنة المتساوية، حيث تستبدل الهوية الوطنية الجامعة بهويات فرعية تتقدم في لحظات التوتر السياسي أو الاقتصادي.

ومع تراكم هذه الديناميات، تصبح الدولة الناشئة ساحة صراع بين انتماءات متجاورة أكثر من كونها إطاراً ناظماً لها، الأمر الذي يهدد قدرتها على إنتاج سياسات عامة شاملة، وعلى احتكار الشرعية الرمزية والمؤسسية في آن واحد وفي المحصلة، فإن اختزال الهوية الثورية إلى هوية ما دون الدولة لا يسهم في استقرار المرحلة الانتقالية، وإنما يعمّق مظاهر التفكك، ويُعيد إنتاج شروط الانقسام التي ثارت عليها الثورة في الأصل، وهو ما يجعل مشروع الدولة الجديدة هشّاً أمام الضغوط الاجتماعية والسياسية المتراكمة(4).

الهوية التوازنية – الثورة داخل الدولة لا خارجها

إن السياق السوري الجديد، بما يحمله من تعقيدات انتقالية وفرص تأسيسية في آن واحد، يفتح المجال أمام مقاربة ثالثة أكثر واقعية وأقل تصادمية، يمكن توصيفها بمفهوم الهوية التوازنية،  وتنطلق هذه المقاربة من افتراض أساسي مفاده أنّ الهوية الثورية ليست نقيضاً لهوية الدولة، كما أنها ليست مرجعية تعلو عليها، وإنما تمثّل رصيداً قيمياً يمكن إدماجه في بنية الدولة الجديدة من خلال مسارات مؤسسية واضحة، وفي هذا النموذج، يعاد تعريف العلاقة بين الثورة والدولة على أساس التكامل الوظيفي، حيث تترجم مبادئ الثورة إلى قواعد دستورية ناظمة، وسياسات عامة ملزمة، وآليات مؤسسية قابلة للتطبيق والمساءلة. ومن ثم، تنتقل القيم الثورية من فضاء الخطاب والرمزية إلى حيز القانون والإجراء، بما يسمح للدولة باكتساب شرعية أخلاقية وقانونية في آن واحد، ويمنح المواطنين شعوراً بأن تضحيات الثورة قد انعكست فعلياً في شكل حقوق وحريات مصونة.

وفي هذا السياق، لم تعد مفاهيم الحرية والكرامة والمحاسبة مجرد شعارات أخلاقية تستدعى في لحظات التعبئة أو الاحتجاج، وإنما غدت التزامات قانونية واضحة تحكم علاقة الدولة بالمواطن، وتضبط في الوقت ذاته حدود السلطة وصلاحياتها. كما يتيح هذا النموذج الحفاظ على الذاكرة الثورية حية داخل المجال العام، دون أن تتحول إلى أداة تعطيل أو مرجعية فوق مؤسسية، الأمر الذي يسهم في ترسيخ الاستقرار السياسي، ويمنع إعادة إنتاج أنماط الاستبداد تحت مسميات جديدة. وعليه، تشكّل الهوية التوازنية مساراً وسطياً يوفّق بين ضرورات بناء الدولة ومتطلبات الوفاء لإرث الثورة، كما تتيح إنتاج عقد وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام التعدد السياسي والفكري ضمن إطار جامع. وبهذا المعنى، تصبح الثورة لحظة تأسيس مستمرة داخل الدولة، لا حالة استثناء قائمة خارجها.

لقد بدأت ملامح نموذج الهوية التوازنية بالظهور تدريجياً في عدد من سياسات الحكومة الجديدة، ولا سيما من خلال السعي إلى دمج الثوار، على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية، ضمن مؤسسات الدولة الناشئة، والتعامل معهم بوصفهم جزء من الواجهة الرسمية للشرعية الجديدة، لا مجرد فاعلين انتقاليين أو رموز مرحلة سابقة. وفي هذا الإطار، جرى العمل على تحويل الرصيد الثوري إلى عنصر تأسيسي في بناء الدولة، بما يتيح الحفاظ على استمرارية المعنى الثوري داخل البنية المؤسسية(5) وفي المقابل، تتحرك الدولة في مسار موازٍ يقوم على تبنّي مقاربات سياسية واجتماعية تهدف إلى ترميم النسيج الوطني، وذلك عبر سياسات التسامح والاستئمان، ومحاولات تجنّب منطق الانتقام والإقصاء (6)، إضافة إلى السعي لإعادة الاعتبار للمؤسسات العامة باعتبارها ملكاً مشتركاً لجميع السوريين، لا أدوات في خدمة سلطة أو فئة بعينها. ومن ثم، يُعاد تعريف وظيفة الدولة بوصفها إطاراً جامعاً لإدارة الاختلاف، لا ساحة لتصفية الحسابات أو تكريس الغلبة.

وفي هذا السياق التحولي، لم تعد الحرية تفهم بوصفها حالة تحرر فردي من القيد السلطوي فحسب، وإنما باعتبارها مسؤولية جماعية تستدعي التزاماً متبادلاً بين الدولة والمجتمع. وعليه، تفرض الحرية إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والدولة على أساس المواطنة المتساوية(7)، كما تفرض في الوقت ذاته إعادة تنظيم العلاقة بين الذاكرة الثورية والمستقبل السياسي، بحيث تبقى الأولى مصدراً للقيم والمعنى، فيما يتشكل الثاني ضمن أطر قانونية ومؤسسية قادرة على الاستمرار والاستقرار.

خاتمة

ومع ذلك، يظل التحدي الأبرز في المرحلة السورية الراهنة متمثلاً في كيفية إدارة التوتر القائم بين الذاكرة الثورية ومتطلبات بناء الدولة الحديثة. إذ إن التمسك الجامد بالهوية الثورية، بوصفها إطاراً مكتفياً بذاته، قد يؤدي إلى تعطيل مسارات الانتقال السياسي وإرباك عملية بناء المؤسسات، كما أن تجاوز هذه الهوية أو التعامل معها بوصفها عبئاً ماضوياً يفضي إلى إفراغ الدولة الناشئة من مضمونها الأخلاقي والرمزي، ويقطع الصلة بين التضحيات التي قُدّمت والمستقبل الذي يفترض بناؤه ومن هنا، يتوقف نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا على القدرة على إنتاج عقد وطني جديد، يستوعب الذاكرة الثورية ويعيد تنظيمها ضمن أطر قانونية ومؤسسية جامعة، بحيث تتحول الثورة من حالة استثنائية ارتبطت بزمن المواجهة إلى لحظة تأسيس مستمرة تغذّي الدولة بالقيم والمعايير، دون أن تقيّد قدرتها على التطور والاستقرار. وفي هذا السياق، يغدو العقد الوطني أداة توفيقية تعيد تعريف الانتماء، وتؤسس لشرعية تقوم على المواطنة وسيادة القانون.

وفي المحصلة، لا يمكن لسوريا ما بعد سقوط الأسد أن تبنى على إنكار الهوية الثورية، كما لا يمكنها أن تقوم على تحويلها إلى مرجعية مغلقة تعلو على الدولة وإنما يتمثل المسار الأكثر قابلية للاستدامة في تحويل هذه الهوية إلى رافعة تأسيسية للدولة، أي إلى هوية توازنية تحفظ الذاكرة الجمعية، وتؤسس لمسار سياسي مستقبلي، وتمنع في الوقت ذاته إعادة إنتاج الاستبداد أو الانزلاق نحو التفكك المجتمعي. وعلى هذا الأساس، يمكن للثورة أن تنتقل من كونها حدثاً تاريخياً مفصلياً إلى أن تصبح أساساً أخلاقياً وسياسياً لدولة سورية جديدة قادرة على الجمع بين العدالة والاستقرار، وبين الحرية والمسؤولية.

* مجيب خطاب: إجازة في العلوم السياسية ويدرس ماجستير في العلاقات الدولية، كاتب مهتم في القضايا السياسية والاجتماعية


هوامش:

  • 1- أرندت، حنة، كتاب ” في الثورة“، ترجمة عطا عبد الوهاب، بيروت، 2014،  المنظمة العربية للترجمة
  • 2- غليون، برهان، كتاب “عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل“، بيروت، 2019، المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • 3- بشارة، عزمي كتاب” سورية: درب الآلام نحو الحرية” الدوحة، 2013، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات.
  • 4- بيات، آصف كتاب “ثورة بلا ثوار: فهم الربيع العربي” (ترجمة نهار محمد نوري)، بيروت، جداول للنشر والترجمة والتوزيع.
  • 5- أرندت، حنة، كتاب ” في الثورة“، مرجع سابق
  • 6- مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، دراسة بعنوان “إصلاح قطاع الأمن في المراحل الانتقالية” جنيف، 2015 إصدارات DCAF.
  • 7- المنصوري، يوسف، “العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية“، الدوحة 2014، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات.
  • 8- بشارة، عزمي، ” المواطنة والديمقراطية” الدوحة، 2014، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات.

ضع تعليقاَ