نيسان/أبريل 2026
رهف زيدان
مدخل
تُعدّ الهوية الوطنية إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة واستقرار المجتمع، فهي الإطار الجامع الذي يمنح الأفراد شعوراً بالانتماء إلى كيان سياسي واجتماعي واحد، ويتيح لهم إدراك ذواتهم بوصفهم جزءاً من جماعة وطنية تتجاوز الانتماءات المحلية، والإثنية، والدينية، والعشائرية، والمناطقية، وكلما كانت الهوية الوطنية قادرة على استيعاب التعدد داخل المجتمع، تحولت إلى عامل تماسك واستقرار؛ وكلما جرى احتكارها أو فرضها من أعلى، تحولت إلى مصدر توتر وانقسام.
في الحالة السورية، لم تكن أزمة الهوية الوطنية طارئة أو وليدة النزاع وحده، بل ارتبطت بمسار طويل من الاضطراب السياسي، وتدخل المؤسسة العسكرية في المجال العام، ثم صعود أنظمة سلطوية أعادت تشكيل مفهوم الوطنية بما يخدم استقرار السلطة أكثر مما يخدم بناء الدولة والمجتمع، وقد أسهم ذلك في إضعاف المجال العام، وتقييد المشاركة السياسية، وتغليب هوية رسمية مغلقة على حساب هوية وطنية حية نابعة من المجتمع السوري بتعدده وتاريخه وذاكرته.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ثم سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت سورية مرحلة جديدة بات فيها سؤال الهوية الوطنية أحد الأسئلة المؤسسة للانتقال السياسي والاجتماعي،فالمسألة لم تعد مقتصرة على استعادة الدولة أو إعادة بناء المؤسسات، بل تتعلق أيضاً بإعادة تعريف الرابط الوطني بين السوريين، وبناء عقد اجتماعي يسمح بتحويل التعدد من مصدر خوف وتنازع إلى مصدر قوة واستقرار.
وتعتمد الورقة على عدد من المداخل النظرية في دراسة الهوية الوطنية والنزاع الاجتماعي وبناء السلام، مستفيدة من إسهامات منظّرين وباحثين تناولوا تشكل الأمم والهويات الوطنية، وديناميات النزاعات الممتدة، والعلاقة بين الاعتراف والمواطنة والاستقرار السياسي، وذلك بهدف توظيف هذه الأدبيات في فهم التحديات التي تواجه بناء الهوية الوطنية السورية في مرحلة ما بعد النزاع.
من هنا تطرح هذه الورقة سؤالها المركزي: كيف يمكن بناء هوية وطنية سورية جامعة بعد النزاع، تعبّر عن آمال السوريين وتستوعب مكونات المجتمع السوري المختلفة؟ وما الآليات السياسية، والثقافية، والتعليمية، والإعلامية، والعدلية، التي يمكن أن تسهم في ترسيخ هذه الهوية وتعزيزها؟
مفهوم الهوية الوطنية ومكوناتها
يرتبط مفهوم الهوية بإدراك الجماعة لذاتها، وبما تمتلكه من ذاكرة مشتركة، ورموز، وقيم، وتجارب تاريخية، وشعور بالمصير الواحد، فالهوية ليست معطى ثابتاً أو نهائياً، بل هي عملية مستمرة من التكوّن والتحول، تتأثر بالتاريخ، والسياسة، والثقافة، والصراع، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
أما الهوية الوطنية، فهي الإطار الجامع الذي يربط الأفراد بالدولة والوطن، ويمنحهم شعوراً بالانتماء إلى جماعة سياسية واحدة تقوم على المواطنة، والمساواة، والحقوق، والواجبات، والمصير المشترك،وهي بهذا المعنى ليست مجرد رابطة قانونية، ولا مجرد انتماء عاطفي، بل تركيب معقد يجمع بين البعد السياسي-القانوني، والبعد الثقافي-الاجتماعي، والبعد التاريخي-الرمزي.
ويمكن النظر إلى الهوية الوطنية من خلال بعدين متكاملين: الأول هو البعد السياسي، ويتمثل في المواطنة، وسيادة القانون، والمشاركة العامة، والانتماء إلى الدولة بوصفها إطاراً جامعاً لجميع المواطنين، أما الثاني فهو البعد الثقافي والاجتماعي، ويتمثل في الذاكرة المشتركة، واللغة، والقيم، والعادات، والرموز، والتجارب التاريخية التي تمنح الجماعة الوطنية شعوراً بالاستمرارية والمعنى.
وتتكون الهوية، في مستوياتها الفردية والجماعية والوطنية، من عناصر متعددة؛ منها العناصر المادية المرتبطة بالمكان، والسكن، والتنظيم الاجتماعي، والموارد؛ والعناصر التاريخية المرتبطة بالأصول والوقائع المؤسسة والرموز والشخصيات الجامعة؛ والعناصر الثقافية والنفسية المرتبطة بالقيم، والعقائد، واللغة، وأنماط التعبير؛ والعناصر الاجتماعية المرتبطة بالأدوار، والمكانة، والانتماءات، وشبكات العلاقات داخل المجتمع.
غير أن الهوية قد تتحول من عامل تماسك إلى عامل صراع عندما تُختزل في بعد واحد مغلق، أو حين تُستخدم لتصنيف المواطنين وترتيبهم سياسياً واجتماعياً، وهنا تبدو أطروحة أمارتيا سن حول خطورة الهوية المنغلقة ذات صلة مباشرة بالحالة السورية، إذ إن اختزال الإنسان في هوية واحدة، دينية أو طائفية أو قومية أو مناطقية، يفتح الباب أمام الخوف المتبادل، والتعبئة العدائية، وتبرير العنف.
وتكشف التجربة السورية أن المشكلة لم تكن في وجود هويات فرعية متعددة، فهذا أمر طبيعي في المجتمعات المتنوعة، بل في غياب إطار وطني عادل يستطيع تنظيم هذا التعدد ودمجه في رابطة مواطنة جامعة، فحين تضعف الهوية الوطنية الجامعة، تتحول الهويات الفرعية إلى بدائل دفاعية، وقد تصبح أدوات للتعبئة أو الحماية أو الصراع.
وقد تناول عدد من الباحثين والمنظّرين مفهوم الهوية الوطنية من زوايا مختلفة، إذ يرى بندكت أندرسون في كتابه “الجماعات المتخيلة” أن الأمة ليست كياناً طبيعياً قائماً بذاته، بل جماعة سياسية يتخيل أفرادها أنهم ينتمون إلى رابطة مشتركة رغم أنهم لا يعرفون معظم أفرادها معرفة مباشرة، وتنبع أهمية هذا التصور من أنه يربط الهوية الوطنية بالسردية والخيال السياسي والمؤسسات الثقافية التي تجعل الأفراد يشعرون بأنهم جزء من جماعة واحدة.
أما إرنست غلنر فيربط نشوء القومية والهوية الوطنية بعملية التحديث وبناء الدولة الحديثة والتعليم الموحّد، معتبراً أن الدولة تسهم في إنتاج ثقافة وطنية مشتركة قادرة على دمج السكان في إطار سياسي واجتماعي واحد، في حين يذهب أنتوني سميث إلى أن الهوية الوطنية لا تُبنى من فراغ، بل تستند إلى ذاكرات ورموز وأساطير وأصول ثقافية وتاريخية سابقة، وهو ما يجعل البعد الرمزي والتاريخي أساسياً في فهم تشكل الأمم والهويات الوطنية.
وتفيد هذه الاتجاهات في فهم الحالة السورية، لأن بناء الهوية الوطنية بعد النزاع لا يمكن أن يقوم على التصورات القانونية وحدها، ولا على الخطاب السياسي وحده، بل يحتاج إلى الجمع بين ثلاثة مستويات مترابطة، مستوى تخييلي وسردي يجعل السوريين قادرين على رؤية أنفسهم كجماعة وطنية واحدة، ومستوى مؤسسي يربطهم بدولة عادلة وقانون ومواطنة متساوية، ومستوى تاريخي ورمزي يعيد قراءة الذاكرة السورية بصورة جامعة لا تلغي الألم ولا تحوّله إلى أداة انقسام.
وفي أدبيات النزاع، يقدّم جوهان غالتونغ فهماً مهماً للنزاع من خلال التمييز بين العنف المباشر والعنف البنيوي والعنف الثقافي، فالنزاع لا يظهر فقط في القتال أو المواجهة المسلحة، بل قد يكون كامناً في بنى الإقصاء والتمييز والحرمان، وفي الخطابات التي تبرر الهيمنة أو تنزع الشرعية عن الآخر، أما إدوارد عازار فيرى في نظريته حول النزاع الاجتماعي الممتد أن النزاعات الطويلة لا تُفهم بوصفها صراعاً سياسياً مباشراً فقط، بل بوصفها نتيجة تراكم حاجات إنسانية غير مشبعة، تتعلق بالأمن والاعتراف والمشاركة والهوية، وتزداد حدتها عندما تفشل الدولة في إدارة التعدد أو تتحول إلى طرف منحاز داخل المجتمع.
كما يركّز جون بورتون على مفهوم الحاجات الإنسانية الأساسية، معتبراً أن النزاعات العميقة لا تُحل بمجرد التسويات السياسية أو الأمنية، لأن جذورها ترتبط غالباً بحاجات غير قابلة للمساومة، مثل الاعتراف، والكرامة، والأمن، والمشاركة، والهوية، بينما يؤكد جون بول ليدراك في مقاربته لبناء السلام أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى ترميم العلاقات الاجتماعية وبناء الثقة على المستويات المحلية والوطنية، لا إلى اتفاقات سياسية فوقية فقط، وهذا يعني أن بناء الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد النزاع يجب أن يكون عملية مجتمعية طويلة، تتداخل فيها العدالة، والمصالحة، والتعليم، والذاكرة، والمؤسسات.
وتكشف هذه الأدبيات أن العلاقة بين الهوية والنزاع علاقة مزدوجة، فالهوية قد تكون مورداً للتضامن والتماسك عندما تنفتح على التعدد وتستند إلى المواطنة، لكنها قد تتحول إلى أداة تعبئة وصراع عندما تُغلق على جماعة واحدة أو تُستخدم لتبرير الإقصاء، وفي الحالة السورية تحديداً، لا يكفي الحديث عن هوية وطنية جامعة بوصفها شعاراً عاماً، بل ينبغي تفكيك الشروط التي أضعفتها تاريخياً، وفي مقدمتها احتكار السلطة للفضاء الوطني، وتهميش المجال العام، وتسييس الانتماءات الفرعية، وضعف الاعتراف المتبادل بين الدولة والمجتمع وبين مكونات المجتمع نفسها.
مفهوم النزاع وأشكاله
النزاع ظاهرة ملازمة للتفاعل الإنساني والاجتماعي، وينشأ عندما تتعارض مصالح أو أهداف أو تصورات طرفين أو أكثر،ولا يعني وجود النزاع بالضرورة الانزلاق إلى العنف، فقد يكون النزاع سياسياً أو قانونياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، وقد يُدار عبر المؤسسات والحوار والقانون،غير أن النزاع يصبح مهدداً للاستقرار عندما تغيب الأطر القادرة على تنظيمه، أو حين يتحول الاختلاف إلى إقصاء، والخلاف إلى عداء وجودي.
يرى عدد من منظّري النزاع أن جوهره يكمن في عدم التوافق بين أهداف الأطراف، وفي محاولة كل طرف منع الطرف الآخر من تحقيق ما يراه مصلحة أو حقاً،وقد يكون النزاع بين أفراد، أو جماعات، أو قوى سياسية، أو دول، كما قد ينتقل من مستوى محدود إلى مستوى أوسع إذا ارتبط بالهوية، أو الموارد، أو السلطة، أو الذاكرة الجماعية.
وبتطبيق هذا الإطار على الحالة السورية، يتضح أن النزاع السوري لم يكن مجرد نزاع سياسي على السلطة، رغم مركزية هذا البعد فيه، بل حمل في داخله أبعاداً اجتماعية وهوياتية عميقة،فقد تراكمت عبر عقود مظالم سياسية واجتماعية ومناطقية، وتداخلت مع سياسات أمنية واقتصادية وإدارية أدت إلى إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع نفسها.
ومن هنا، فإن معالجة آثار النزاع السوري لا يمكن أن تقتصر على وقف العنف أو إعادة بناء المؤسسات الرسمية، بل يجب أن تشمل إعادة بناء الثقة، وترميم الذاكرة الوطنية، ومعالجة المظالم، وإنتاج سردية وطنية جامعة لا تنكر الاختلافات ولا تختزل المجتمع في تصور واحد مفروض من السلطة.
وفي هذا السياق، يقدّم إدوارد عازار في نظريته حول النزاع الاجتماعي الممتد مدخلاً مهماً لفهم العلاقة بين الهوية والنزاع، إذ يرى أن النزاعات الطويلة لا تنشأ فقط من تنازع مباشر على السلطة أو الموارد، بل من تراكم حاجات إنسانية غير مشبعة، وفي مقدمتها الأمن، والاعتراف، والمشاركة، والهوية، وعندما تعجز الدولة عن إدارة التعدد أو تتحول إلى طرف منحاز في المجتمع، تتحول الهويات الفرعية إلى هويات دفاعية، ويصبح النزاع أكثر تعقيداً واستمرارية، وهذا ما يجعل معالجة النزاع في المجتمعات المنقسمة مشروطة بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والجماعات الاجتماعية على أساس المواطنة والاعتراف المتبادل.
ويضيف جون بورتون بعداً آخر من خلال نظرية الحاجات الإنسانية الأساسية، إذ يرى أن بعض الحاجات لا تقبل المساومة أو التأجيل، مثل الكرامة، والأمن، والانتماء، والاعتراف، والمشاركة، ومن ثم فإن التسويات السياسية التي تتجاهل هذه الحاجات قد توقف العنف مؤقتاً لكنها لا تعالج جذور النزاع، وتفيد هذه المقاربة في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب، حيث لا يكفي إنهاء المواجهة المسلحة ما لم يشعر الأفراد والجماعات بأن هويتهم وكرامتهم وحقوقهم باتت معترفاً بها داخل الإطار الوطني العام.
أما جون بول ليدراك فيركّز في مقاربته لبناء السلام على أن المجتمعات الخارجة من النزاعات لا تحتاج إلى اتفاقات سياسية فوقية فقط، بل إلى ترميم العلاقات الاجتماعية، وبناء الثقة، وفتح مساحات للحوار، وإعادة وصل المستويات المحلية والوطنية في عملية طويلة المدى، ومن هذا المنظور، يصبح بناء الهوية الوطنية جزءاً من بناء السلام، لأنه لا يقتصر على إنتاج خطاب جامع، بل يتطلب معالجة الذاكرة، وتخفيف الخوف المتبادل، وإيجاد مؤسسات وآليات تسمح للسوريين بإعادة تخيّل أنفسهم كجماعة وطنية واحدة رغم تعدد تجاربهم وانتماءاتهم.
إعادة بناء الهوية الوطنية السورية بعد النزاع
استقلت سورية عام 1946 بعد مسار طويل من النضال ضد الانتداب الفرنسي، وأسهمت قوى وطنية وسياسية واجتماعية متعددة في ترسيخ فكرة الدولة السورية المستقلة،غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت حالة من عدم الاستقرار السياسي، تجلت في الانقلابات العسكرية المتكررة، وتدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وضعف ترسخ الحياة الدستورية والحزبية.
ومع صعود الحكم البعثي، ثم ترسخ سلطة حافظ الأسد بعد عام 1970، دخلت سورية مرحلة من المركزية الشديدة، واحتكار المجال العام، وإعادة تعريف الوطنية عبر خطاب رسمي يربط الدولة بالسلطة، والوطن بالقيادة، والانتماء السياسي بالولاء،وقد أدى هذا المسار إلى إضعاف الهوية الوطنية بوصفها رابطة مواطنة حرة، وتحويلها في كثير من الأحيان إلى هوية سياسية مفروضة، لا تسمح بالتعدد أو النقد أو المشاركة المستقلة.
واستمرت هذه البنية في عهد بشار الأسد، حيث بقيت المشاركة السياسية محدودة، والمجال العام مقيداً، والمؤسسات خاضعة لمنطق السيطرة الأمنية والسياسية،ومع اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، انكشف عمق الأزمة بين المجتمع والدولة، وظهر أن الهوية الرسمية التي حاول النظام ترسيخها لم تكن قادرة على تمثيل السوريين أو استيعاب مطالبهم في الحرية والكرامة والمشاركة.
وبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وجدت سورية نفسها أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء الهوية الوطنية على أسس جديدة،غير أن هذه الفرصة لا تخلو من تحديات كبيرة، فسنوات الحرب خلّفت جروحاً عميقة، وذاكرات متنازعة، وانقسامات اجتماعية، وتجارب تهجير واعتقال وفقدان وثأر، فضلاً عن تدخلات خارجية ساهمت في تعقيد المشهد الوطني.
إن بناء هوية وطنية سورية جامعة لا يعني إلغاء الهويات الفرعية أو مطالبة السوريين بالتخلي عن انتماءاتهم الدينية أو القومية أو الثقافية أو المناطقية، بل يعني وضع هذه الانتماءات داخل إطار وطني عادل، تكون فيه المواطنة هي الأساس، والقانون هو الضامن، والدولة هي المجال المشترك لا أداة السيطرة أو الإقصاء.
وتتطلب هذه المهمة جملة من المسارات المتكاملة:
أولاً: المسار السياسي والدستوري
تبنى الهوية الوطنية من خلال الدولة ومؤسساتها، ومن خلال شكل النظام السياسي، وطبيعة العلاقة بين السلطات، ومستوى المشاركة العامة، ومدى شعور المواطنين بأن الدولة تمثلهم ولا تستثنيهم،لذلك تحتاج سورية إلى إطار دستوري وقانوني واضح، يحدد طبيعة الحكم، ويفصل بين السلطات، ويضمن الحقوق والحريات، ويؤسس لمواطنة متساوية لا تقوم على الانتماء الديني أو الطائفي أو الإثني أو المناطقي.
ولا يمكن للهوية الوطنية أن تترسخ في ظل دولة ضعيفة أو منحازة أو محتكرة من فئة واحدة،فالهوية الجامعة تحتاج إلى مؤسسات عامة يشعر السوريون بأنها ملك لهم جميعاً، وأنها تعمل لخدمتهم وحمايتهم لا لمراقبتهم أو إخضاعهم.
ثانياً: الخطاب السياسي الجامع
تلعب النخب السياسية دوراً محورياً في إعادة إنتاج الهوية الوطنية، لأن الخطاب السياسي لا يصف الواقع فقط، بل يسهم في تشكيله،ومن هنا تحتاج سورية إلى خطاب سياسي يتجنب منطق التخوين والتصنيف والإقصاء، ويعيد تعريف السوريين بوصفهم جماعة وطنية واحدة متعددة المكونات.
وينبغي أن يقوم هذا الخطاب على الاعتراف بالتعدد لا إنكاره، وعلى ربط الوطنية بالمواطنة لا بالولاء السياسي، وعلى تحويل الذاكرة الوطنية من ساحة صراع إلى مجال للإنصاف والتعلم وبناء المستقبل،فالخطاب السياسي في مرحلة ما بعد النزاع يجب أن يكون جزءاً من عملية بناء الثقة، لا امتداداً للانقسام.
ثالثاً: الإعلام وبناء الثقة العامة
يُعد الإعلام من أهم أدوات بناء الهوية الوطنية، لأنه يساهم في تشكيل الوعي العام، وصناعة الرموز المشتركة، وتحديد القضايا التي تشغل المجال العام،غير أن الإعلام السوري ارتبط تاريخياً، في وعي قطاعات واسعة من السوريين، بالدعاية الرسمية أكثر من ارتباطه بالتعددية والشفافية.
لذلك فإن إصلاح الإعلام السوري يجب أن يكون جزءاً من مشروع بناء الهوية الوطنية،ويتطلب ذلك إعلاماً مهنياً وشفافاً، ينقل الوقائع بدقة، ويعكس تنوع المجتمع السوري، ويبتعد عن التحريض، ويمنح المواطنين شعوراً بأن أصواتهم وتجاربهم ممثلة في المجال العام،كما ينبغي أن يسهم الإعلام في ترميم الذاكرة الوطنية، وتقديم سرديات جامعة عن التضحية، والعدالة، والكرامة، والمصير المشترك.
رابعاً: التعليم والتنشئة الوطنية
يُعد التعليم من أكثر المسارات تأثيراً في بناء الهوية على المدى الطويل،فالمدرسة لا تنقل المعرفة فقط، بل تشكل تصور الأجيال الجديدة عن الوطن، والتاريخ، والمواطنة، والاختلاف، والحقوق، والواجبات، وقد ارتبطت المناهج السورية في مراحل سابقة بخطاب أيديولوجي رسمي ربط الوطن بالسلطة، وقلّص مساحة التفكير النقدي والمشاركة.
لذلك تحتاج سورية إلى مراجعة عميقة للمناهج التعليمية، بحيث تعكس تاريخ البلاد بتعدده وتعقيده، وتعرض المحطات الوطنية الجامعة، وتعرّف الطلاب بحقوقهم وواجباتهم، وتدربهم على الحوار، وقبول الاختلاف، والمشاركة العامة،وينبغي أن ينتقل التعليم من إنتاج الطاعة السياسية إلى بناء المواطن المسؤول.
خامساً: الذاكرة الوطنية والأعياد والرموز المشتركة
تحتاج الأمم إلى ذاكرة مشتركة ورموز جامعة، لأن الهوية الوطنية لا تبنى بالقوانين وحدها، بل أيضاً بالمعاني والاحتفالات والقصص المؤسسة، وتكتسب الأعياد الوطنية والمناسبات العامة أهمية خاصة في مرحلة ما بعد النزاع، لأنها تتيح إعادة تنظيم الذاكرة الجماعية حول قيم مشتركة.
وفي الحالة السورية، ينبغي التعامل مع المناسبات الوطنية لا بوصفها أدوات احتفال شكلية، بل بوصفها فرصاً لإعادة تعريف معنى الوطن، وربط السوريين بتضحياتهم وتاريخهم المشترك، وتأكيد القيم التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الجديدة: الحرية، والعدالة، والكرامة، والمواطنة، ووحدة البلاد.
سادساً: العدالة الانتقالية
لا يمكن بناء هوية وطنية مستقرة فوق ذاكرة مثقلة بالانتهاكات من دون إنصاف أو مساءلة،فالعدالة الانتقالية ليست مساراً قانونياً فقط، بل هي أيضاً شرط اجتماعي ونفسي لبناء الثقة وترميم العلاقة بين المجتمع والدولة،وتشمل العدالة الانتقالية كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والتعويض، وضمانات عدم التكرار.
في الحالة السورية، تكتسب العدالة الانتقالية أهمية مضاعفة بسبب حجم الانتهاكات، وتعدد الضحايا، وتشابك الذاكرات، وخطر تحول الألم غير المعالج إلى ثأر أو انتقام أو انقسام مستقبلي،لذلك ينبغي أن يكون مسار العدالة واضحاً، معلناً، ومتدرجاً، وأن يجمع بين مقتضيات المحاسبة وحماية السلم الأهلي.
سابعاً: المشاركة السياسية والمجال العام
تسهم المشاركة السياسية في تحويل المواطنة من نص قانوني إلى ممارسة يومية،فحين يشعر المواطن أنه قادر على التعبير والتنظيم والمساءلة والمشاركة في القرار العام، تصبح الهوية الوطنية أكثر رسوخاً،أما حين يُقصى المواطن من المجال العام، فإن انتماءه للدولة يضعف، وتزداد قابلية المجتمع للانقسام أو الانكفاء إلى الهويات الفرعية.
لذلك تحتاج سورية إلى توسيع المجال العام، وتشجيع الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وفتح قنوات المشاركة المحلية والوطنية، بما يتيح للسوريين التعبير عن تصوراتهم ومصالحهم ضمن إطار مؤسسي وسلمي.
نتائج ومقترحات
تحتاج سورية في هذه المرحلة المفصلية إلى مشروع وطني واعٍ لإعادة بناء الهوية الوطنية، لا بوصفها شعاراً سياسياً عاماً، بل بوصفها عملية طويلة تتداخل فيها الدولة، والمجتمع، والتعليم، والإعلام، والعدالة، والمشاركة السياسية،فالهوية الوطنية السورية المنشودة ينبغي أن تكون نابعة من ذاكرة السوريين وتجاربهم وقيمهم، وأن تستوعب جميع المكونات ضمن رابطة المواطنة والقانون.
وتخلص الورقة إلى المقترحات الآتية:
- التركيز على بناء مؤسسات دولة فعالة وعادلة، لأن شكل الدولة وطريقة عمل مؤسساتها يؤثران مباشرة في طبيعة العلاقة بين المواطنين، وفي شعورهم بالانتماء أو الإقصاء.
- التركيز على خطاب سياسي وطني جامع، يضع السوريين أولاً بوصفهم مواطنين متساوين، ويتجنب التصنيفات الدينية والطائفية والمناطقية بوصفها أساساً للعلاقة السياسية.
- تفعيل أكبر لمسار للعدالة الانتقالية، يربط بين كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، مع مراعاة السلم الأهلي وحساسية المرحلة الانتقالية.
- إصلاح الإعلام السوري وتعزيز الثقة به، من خلال المهنية، والشفافية، والتعددية، وإعطاء مساحة للذاكرة السورية الجامعة بعيداً عن الدعاية والتحريض والانقسام.
- تطوير المناهج التعليمية، بحيث تعيد بناء علاقة الأجيال الجديدة بالوطن على أساس المواطنة، والكرامة، والتعدد، والحوار، والمشاركة العامة.
- تفعيل الرموز والمناسبات الوطنية الجامعة، وربطها بالقيم التي ضحى السوريون من أجلها، لا بالاستخدام السياسي الضيق أو الاحتفالات الشكلية.
- توسيع المشاركة السياسية والمجتمعية، بما يسمح للسوريين بالتعبير عن مصالحهم وتصوراتهم ضمن أطر سلمية ومؤسسية.
- إن الهوية الوطنية السورية التي تعرضت للتشويه والاحتكار والانقسام خلال عقود طويلة لا يمكن إعادة بنائها بقرار واحد أو خطاب واحد، بل تحتاج إلى مسار تراكمي طويل،غير أن لحظة ما بعد سقوط نظام الأسد تمنح السوريين فرصة تاريخية لإعادة تعريف وطنهم، لا بوصفه مجالاً للسيطرة، بل بوصفه فضاءً مشتركاً للحرية، والمواطنة، والعدالة، والعيش المشترك.
