المرصد

نيويورك تايمز: وكالة المخابرات المركزية تعّين “أمير الظلام” لقيادة العملية في إيران، فهل أعلنت بذلك حالة الطوارئ؟؟

merlin-to-scoop-122309639-741211-superJumbo

يطلقون عليه “أمير الظلام” أو “آية الله مايك”، وهما لقبان اكتسبهما عندما عمل ضابطاً في وكالة الاستخبارات المركزية، وشارك في مطاردة “أسامة بن لادن”، فضلاً عن الحملة بطائرات من دون طيار التي قتلت آلاف المتطرفين ومئات المدنيين.

في الوقت الراهن بات يتولى هذا المسؤول وظيفةً جديدة؛ إذ إنه أصبح  مدير العمليات الإيرانية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وفقاً لمسؤولين سابقين وحاليين في الوكالة. وفي الواقع يشير هذا التعيين إلى أنَّ إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأت تنتهج الخطّ المتشدد ضد إيران، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي أثناء حملته الانتخابية.

ويعتبر الدور الجديد لِـ”دي أندريا” واحداً من خطوات عدة اتخذتها الوكالة الاستخباراتية، والتي تدل على اتباع خطة أكثر قوة للتجسس والعمليات السرية تحت قيادة الرجل الجمهوري المحافظ “مايك بومبيو” الذي كان عضواً سابقاً في الكونغرس. علاوة على ذلك عينت الوكالة مؤخراً مسؤولاً جديداً لمكافحة الإرهاب، الذي بدأ يضغط من أجل الحصول على مساحة حريةٍ أكبر لضرب الإرهابيين.

في الواقع لطالما كانت إيران أحد الأهداف الصعبة لوكالات المخابرات؛ حيث إنها لا تتمتع إلا بقدرة محدودة في ذلك البلد؛ نظراً لأنه لا توجد سفارة أمريكية هناك توفر لها غطاء دبلوماسياً. وتجدر الإشارة إلى أن أجهزة المخابرات الإيرانية قضت نحو أربعة عقود في محاولة مستمرة لمكافحة التجسس الأمريكي والعمليات السرية التي تحاك ضد إيران.

وتقع مسؤولية تنفيذ خطط الرئيس ترامب على عاتق “دي أندريا”، ذلك المدخن الشرِه الذي يتمتع بسُمعةٍ كبيرة يدعمها سجله المهني الحافل؛ فربما لا يوجد مسؤول آخر في وكالة الاستخبارات المركزية يمكن أن يُنسَب الفضل إليه في إضعاف تنظيم القاعدة أكثر من “دي أندريا”. وفي هذا السياق قال محامي الوكالة الأسبق “روبرت إيتينغر”، الذي كان على صلة وثيقة ببرنامج الطائرات من دون طيَّار الخاص بالوكالة: “إن بإمكان دي أندريا إدارة برنامجٍ عدواني للغاية، ولكن بذكاءٍ شديد”.

وتجدر الإشارة إلى أن الوكالة رفضت التعليق على دور “دي أندريا” بحجة أنها لا تناقش هويات مسؤوليها السريين أو عملهم. وقد اشترط المسؤولون خلال الحديث معنا عدم الكشف عن هوياتهم.
وعموماً يعمل “دي أندريا” في كنف السرية، مثله مثل العديد من المسؤولين الكبار الذين يعملون بالمقر الرئيسي للوكالة في مدينة “لانغلي” بولاية “فرجينيا”. والجدير بالذكر أن “إيتينغر” لم يستخدم اسمه الحقيقي، فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنها استعملت اسم “دي أندريا” باعتبار أنَّ هُويته كُشِفت سابقاً في تقارير إخبارية، ونظراً لأنه يقود مبادرةً جديدة ومهمة للإدارة الأمريكية ضد إيران.

خلال حملته الانتخابية وصف ترامب إيران بأنها “الدولة الإرهابية الأولى” في العالم، فضلاً عن أنه تعهّد بتعديل الاتفاق التاريخي المبرم بين إيران وست قوى عالمية، والذي وافقت طهران بموجبه على الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

في الحقيقة لم يتطرق ترامب إلى هذه التهديدات منذ توليه مهامه في البيت الأبيض، حيث عمدت إدارته إلى إعادة التأكد من مدى امتثال الجانب الإيراني لبنود الاتفاق المبرم بين الطرفين. في المقابل تبنى ترامب منهجاً أكثر صرامة مع طهران؛ وهو ما من شأنه أن يحدّ من نفوذها المتنامي. لذلك عيّن ترامب مجموعة من “الصقور” داخل مجلس الأمن القومي، المتعطشين لاحتواء التهديد الإيراني والدفع في اتجاه تغيير نظام  الحكم في إيران، على غرار “ريكس تيلرسون”، الذي أعرب في مناسبات سابقة عن أن الاتفاق النووي الإيراني “فاشل”.

وعموماً يعتقد مستشار الأمن القومي “هربرت رايموند مكماستر” الذي كان قائد مشاة خلال السنوات الأولى من الحرب في العراق، أن مجموعة من العملاء الإيرانيين الذين كانوا يساعدون المتمردين العراقيين هم المسؤولون عن مقتل عدد من جنوده خلال المعارك. إلى جانب ذلك، يعتبر كبير مديري ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي “ديريك هارفي” من الصقور عندما يتعلق الأمر بإيران.

ووفقاً لعدة مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، فقد أبلغ مسؤول برامج الاستخبارات في مجلس الأمن القومي “عيزرا كوهين واتنيك” الذي يعتبر حلقة الوصل الرئيسية بين البيت الأبيض وأجهزة الاستخبارات، مسؤولين آخرين بالإدارة الأمريكية أنَّه يريد استخدام جواسيس أمريكيين للمساعدة في الإطاحة بالحكومة الإيرانية.  

فضلاً عن ذلك كان “بامبيو”، الذي يمثل جنوب وسط كنساس في مجلس النواب، من بين أشد أعضاء الكونغرس نقداً لصفقة إيران. وفي الحقيقة نشر “بامبيو”، قبل شهرين من الانتخابات، مقالاً في مجلة “فورين بوليسي” يحمل عنوان “إن الأصدقاء لا يسمحون لأصدقائهم بالتعاون مع إيران”.

من جهته تعهّد “بامبيو” خلال جلسة الاستماع في الكونغرس، التي عقدت خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي، والتي تتعلق بتأكيد تعيينه، بأنه في حال بقيت الصفقة سارية المفعول، فإنه سيبقى مراقباً شرساً لضمان التزام طهران بهذه الشروط. والجدير بالذكر أنّ “بامبيو” صرّح خلال تلك الجلسة أن “الإيرانيين يحترفون الغش والاحتيال”.

وفي شأن ذي صلة يبدو أن مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية وجد في “دي أندريا” شخصيةً تسعى جاهدة لكي تتولى إدارة الملف الإيراني. ولقد نشأ “دي أندريا” في شمال فرجينيا، لعائلة امتدت صلاتها بمجتمع الاستخبارات الأمريكي لجيلين كاملين. وقد التقى بزوجته التي تعتنق دين الإسلام في إحدى المهام الاستخباراتية الخارجية، ثم اعتنق الإسلام لكي يتمكن من الزواج منها، على الرغم من أنه غير معروف إن كان يلتزم حقاً بتعاليم الدين الإسلامي.

في أروقة وكالة الاستخبارات الأمريكية كان يُعرف “دي أندريا” بمدى فطنته ودهائه، فضلاً عن وقاحته في التعامل مع الآخرين. بالإضافة إلى ذلك كان يصفه أولئك الذين عملوا معه بأنه شخصية “فظّة”؛ ولذلك كانوا يرفضون التعامل معه. وفي هذا الصدد قال مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية أنه سأل ذات مرة “دي أندريا”، الذي كان يضع سريراً في مكتبه، عمَّا يفعله في أوقات فراغه. فأجابه “أقوم بعملي”.

وعند سؤال “إيتينغر” عمَّا إذا كان تعيين “دي أندريا” إشارة مفادها أن وكالة الاستخبارات الأمريكية تخطط لاتخاذ خطوات أكثر جرأة وصرامة تجاه إيران، أجاب قائلاً: “لا أعتقد غير ذلك”. في هذا السياق، تُعد آراء “دي أندريا” الشخصية حول إيران غير معلنة؛ نظراً لأن وظيفته لا تتمثَّل في صياغة السياسات، بل في تنفيذها. وفي عدة مناسبات أثبت أنه ضابط عملياتٍ عدواني وقوي.

خلال السنوات التي تلت هجمات 11 أيلول/سبتمبر، كان “دي أندريا” على صلةٍ وثيقة ببرنامج الاعتقالات والاستجوابات، الذي تم خلاله تعذيب عددٍ من السجناء. وعلى ضوء هذه المعطيات أدين هذا البرنامج خلال تقريرٍ شامل أعدّه مجلس الشيوخ سنة 2014، باعتباره يعد برنامجاً غير إنساني وغير مناسب. ولم يتم الإفراج إلا عن الموجز التنفيذي للتقرير الذي يبلغ 6700 صفحة؛ وقد بدأت إدارة ترامب بإرجاع نسخ من برنامج الوكالة الكامل إلى الكونغرس، والذي لا يخضع لقانون حرية المعلومات، ممَّا يزيد من فرضية عدم إبصار هذه الوثائق للنور.

من جهة أخرى، تولَّى “دي أندريا” مسؤولية رئاسة مركز مكافحة الإرهاب بالوكالة في أوائل سنة 2006، وقضى السنوات التسع التالية في الإشراف على مطاردة المتطرفين بجميع أنحاء العالم. وتجدر الإشارة إلى أن العملاء السريين العاملين تحت إشرافه أدوا دوراً محورياً سنة 2008 في اغتيال “عماد مغنية”، قائد العمليات الدولية بحزب الله (الجماعة الشيعية المسلحة المدعومة من إيران ومقرها لبنان).

وقد استخدمت وكالة الاستخبارات المركزية، بالتعاون مع الإسرائيليين، سيارةً مفخخةً لاغتيال “مغنية” أثناء عودته إلى منزله بالعاصمة السورية دمشق؛ حيث كان يتمتع حزب الله بعلاقاتٍ قوية ودعمٍ من الحكومة السورية.

وفي الوقت ذاته كان “دي أندريا” يُكثِّف من عمليات برنامج “الطائرات من دون طيَّار” داخل باكستان، حيث أصبحت هذه الطائرات أداة مكافحة الإرهاب المُفضّلة للرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما”، الذي وافق شخصياً على شن غاراتٍ استهدفت زعماء الجماعات الإرهابية. وعندما تولي دي أندريا إدارة مركز مكافحة الإرهاب لم يكن هناك سوى عدد قليل من الطائرات من دون طيار العاملة في باكستان، فضلاً عن أنه لم يتم إلا تنفيذ ثلاث غارات جوية فقط خلال تلك السنة، وذلك وفقاً لما ذكره موقع لونغ وور جورنال الأمريكي المعني بمتابعة حصيلة نشاط الطائرات من دون طيار.

بحلول سنة 2010، عندما بلغت حملة الطائرات من دون طيار ذروتها، أطلقت الوكالة 117 ضربة ضد مقاتلي القاعدة وغيرهم من المتطرفين المختبئين في المناطق القبلية الجبلية، التي تمتد على طول الحدود الشمالية الغربية الباكستانية مع أفغانستان. كما وسّعت الوكالة حملات الطائرات من دون طيار في اليمن تحت إشراف السيد “دي أندريا”. ولذلك يشيد كثيرون من وكالة الاستخبارات بدوره الفاعل في إضعاف نفوذ تنظيم القاعدة الإرهابي.

على الرغم من كل النجاحات التي حققها “دي أندريا” خلال مسيرته المهنية، إلا أنه تكبد أيضاً الفشل؛ إذ كان “دي أندريا” في موقع المسؤولية عندما فجر مصدرٌ تابع للوكالة، كان يعمل سراً في صفوف تنظيم القاعدة، نفسه في قاعدة أمريكية بأفغانستان؛ ممَّا أسفر عن مقتل سبعة عاملين في الوكالة. وفي الحقيقة كان هذا الهجوم من بين أكثر الهجمات التي شهدتها وكالة الاستخبارات الأمريكية وحشية منذ أكثر من ربع قرن من الزمن.

خلال شهر كانون الثاني/يناير، استهدفت طائرة من دون طيار مقر تنظيم القاعدة في باكستان، حيث كان المسلحون يحتجزون اثنين من الرهائن وهما: عامل الإغاثة الأمريكي “وارين وينشتاين”، والمواطن الإيطالي “جيوفاني لو بورتو”، البالغ من العمر 37 سنة. وقد لقي الرجلان حتفهما خلال تلك الغارة.

وبعد بضعة أشهر تقلّد “دي أندريا” منصباً جديداً يعمل فيه على استعراض فعالية العمليات السرية. وفي الإطار نفسه، قال مسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات الأمريكية إن وظيفة “دي أندريا” الجديدة، التي تتمحور بالأساس على الإشراف على ملف العمليات الإيرانية، تتناسب تماماً مع مواهبه وخبراته.

من جهته قال “إيتينغر”: إن “الكثير من الناس الذي أعرفهم جيداً كانوا خائفين منه، ويعتقدون أنه متهور، لكنه ليس كذلك على الإطلاق. فهو يتمتع بدقة عالية في عمله، ولديه أسلوب راقٍ للغاية في التعامل مع من حوله”.

الكاتب: ماتيوروزنبرغ وآدم غولدمان

الصحيفة: نيويورك تايمز

المصدر: https://www.nytimes.com/2017/06/02/world/middleeast/cia-iran-dark-prince-michael-dandrea.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fmiddleeast&_r=0