أبحاث و دراسات

السنيما.. قوة ناعمة فاعلة في السياسة الخارجية التركية

n_71693_1

تحاول هذه المادة تشخيص بعض معالم في السياسة الخارجية التركية خلال حقبة حزب العدالة والتنمية الحاكم والمتمثلة أساسا في دور السينما، الأفلام والمسلسلات في تشكيل الصورة الذهنية التّي يريد الحزب الحاكم ترويجها عن نفسه وعن البلد في الداخل والخارج على حدّ سواء، موضّحا حدود تمكن الأتراك من الإستخدام الحسن لهذا النمط الجديد من القوة والذّي أخذ مكانه منذ عقدين من الزمن على الأقل في علاقات الدول الحديثة في نظام دولي جديد ذي أبنية معرفية وسياسية مغايرة.

 

مدخل:

يحظى مصطلح القوة الناعمة بشعبية كبيرة داخل الأوساط الأكاديمية والجامعية التركية منذ مدّة لا بأس بها، فكثيرا ما يتداول الطلبة هذا المصطلح بشغب في وصف بعض مظاهر السياسة الخارجية لبلدهم لاسيما في السنوات السبع الأخيرة، الأمر الذّي يؤشر إلى وجود وعي نخبوي بين الأتراك لأهمية هذا المصطلح من جهة والأثر الظاهر الذّي خلّفه على السياسة الخارجية لبلدهم من جهة أخرى مقارنة بما كانت عليه في الماضي. لقد إرتبط هذا المصطلح في الحقيقة بإسم المنظّر الأمريكي اللبيرالي الشهير جوزيف ناي الذّي إستعمل هذا المصطلح سنة 1990 في كتابه: “وثبة نحو القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية”، ليطوره بشكل صريح في كتاب آخر حمل عنوان: “القوة الناعمة، وسيلة النجاح في السياسة الدولية” سنة 2004، فيعبّر به عن المضمون الجديد الذّي أخذه مفهوم القوة مع نهاية الحرب الباردة وما تبعها من تحولات مسّت كثيرا من الأبنية السياسية والمعرفية، فلم يبق هذا المصطلح المفتاحي في حقل الدراسات الدولية مرتبطا بمعناه التقليدي المادي المنحصر في المجالين العسكري والإقتصادي، ولكنّه اتسع ليعبّر عن مضامين ثقافية، معرفية وقيمية معنوية غير حسيّة، فالدول الصاعدة إذا أرادت أن تبقى قوية أو تزيد من قوتها فإنّ عليها أن تلتفت إلى قوتها الناعمة مثلما يشير جوزيف ناي. يضيف ناي موضحا هذا المصطلح: ماذا أعني بالقوّة الناعمة ( الليّنة ) بالتحديد؟ القوّة العسكريّة والقوّة الاقتصاديّة كلاهما أمثلة على القيادة القاسية والتّي يمكن استعمالها لاقناع الآخرين بتغيير مواقفهم ومواقعهم. فالقوّة القاسية (الصلبة) يمكنها أن تستند إلى مبدأ “العصى والجزرة”, لكن هناك أيضا طريقة أخرى وغير مباشرة لاستخدام وممارسة القوّة. فبامكان دولة أن تحصل على النتائج التّي تريدها في السياسة الدولية لأنّ الدول الأخرى تريد اللّحاق بها واتّباعها إعجابا بقيمها أو تقليدا لنموذجها أو تطلّعا للوصول إلى مستوى ازدهارها ورفاهها و انفتاحها. في هذا الاتّجاه, إنّه لمن الأهميّة بمكان أن تضع برنامجا في السياسة الدولية يجذب الأخرين إليك, كما هو أن تجبرهم على التغيير من خلال التهديد أو استعمال القوّة العسكرية أو الأسلحة الاقتصادية. هذا المظهر أو الجانب للقوّة ( أي جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت ) هو ما أسمّيه أنا بالقوّة الناعمة، هذه الطريقة تكسب الناس بدلا من أن تجبرهم.. إنّ القوّة الناعمة (الليّنة) ليست تماما كالتأثير, مع أنّها مصدر من مصادر التأثير المتعدّدة, في النهاية أنا باستطاعتي أيضا التأثير عليك بالتهديد أو الترغيب. القوّة الناعمة أيضا لا تعني الاقناع, فهي أكثر من الاقناع والبرهنة بالجدال, فهي الإغراء و الجذب, والإغراء و الجذب غالبا ما تؤدّي الى الرضوخ و التقليد”.. و يجد وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين أحد مظاهر هذا المصطلح في السينما الأمريكية فيقول أنّ: “الأمريكيين أقوياء لهذه الدرجة لأنّ باستطاعتهم استلهام أحلام ورغبات الآخرين, والفضل في ذلك يعود إلى سحر الصور المعولمة التّي تبثّ من خلال الأفلام والتلفاز, ولنفس هذه الأسباب  فإنّ عددا كبيرا من الطلاّب من دول أخرى يذهبون إلى الولايات المتّحدة لاتمام دراساتهم”.[1]

ألا يذكرّنا كل ذلك بما يحدث في تركيا اليوم؟ لقد أدرك الأتراك خلال العقد الأخير أهمية هذا البُعد في تحصيل مكانة لائقة بهم بين الأمم، ولا يرتبط ذلك وحسب بالأجندة التّي وضعها مسؤولوا حزب العدالة والتنمية في سياسة بلدهم الخارجية ولكنّه كان متوازيا مع نشاط مؤسسات تركية غير حكومية ذات نشاطات محلية وخارجية ساهمت بشكل كبير في تعزيز هذا البُعد، فالقوة الناعمة لا ترتبط فقط بالمؤسسات الرسمية للدولة ولكنّها ذات علاقة وثيقة بما ينتجه المجتمع للتعريف بنفسه والترويج لقيمه بين الأمم وهذا عين القوة الناعمة، فإلى جانب التنمية الإقتصادية وإنجازات البنية التحتية التّي عرفتها تركيا منذ مجيئ حزب العادالة والتنمية إلى الحكم سنة 2002 وكذا النشاط اللافت التّي عرفته السياسة الخارجية للبلد على الساحتين الإقليمية والدولية، فقد ساهمت مظاهر أخرى في جعل تركيا نموذجا أو منارة يُهتدى بها بين الأمم الأقل تقدّما والراغبة في تحقيق إنطلاقتها الخاصة، فمؤسسات الوقف التركية (وقف الإغاثة الإنسانية IHH) ومساعدات التنمية الإنسانية (منظمة Tika)، مدارس إمام الخطيب ووقف الجماعات الإسلامية المنتشر عبر العالم، مراكز الثينك ثانكس (Seta)، المنح الطلابية وتبادل الطلاب والباحثين (Türkiye Bursları)، مطار أتاتورك الدولي، وكالات السياحة، المساجد العثمانية والمتاحف القديمة، موضة إعفاء اللحية بين الشباب، “ستايل” اللباس ومحلات الألبسة التركية التّي صارت رائجة في العالمين العربي والغربي على حدّ سواء، على غرار ماركات آلسي وايكيكي LC Waikiki، كوتون  Kotonومافي Mavi التركية، كلّها مظاهر تعكس شيئا من مفهوم القوة الناعمة الصاعدة في تركيا وتساهم في الترويج لثقافتها والترسيخ لقوة البلد بين الأمم.

ولاشّك في أنّ وسائل الإعلام التركية بمختلف أشكالها لهي العامل الأساسي الكفيل بترويج مظاهر القوة الناعمة لأي بلد، وأهمّ وسيلة إستراتيجية في هذا الصدد هي ، فالأفلام والمسلسلات التركية صار لها صيت ما بين الشعوب، ترسم بشكل ما صورة البلد في الخارج، كما تبعث برسائل سياسية بليغة للأمم الأخرى. لا ينبغي أن نخلط هنا بين الإنتاج التركي المرتبط بخط العدالة والتنمية السياسي-القيمي وبين الإنتاج الآخر المرتبط بجهات أخرى والمتمثل بمسلسلات العشق والغرام والدراما الإجتماعية القديمة وهو السلعة الرائجة في العالم العربي منذ سنوات. لقد عرف الخط الأول ما يشبه “الثورة” في على القديم والمتداول، في كل عام نسمع بإنتاجات جديدة ذات دلالة سياسية أو قيمية واضحة جدّا، وسوف نركز في هذا المقال على ثلاثة نماذج، نستخلص منها في كل مرة ماذا تريد تركيا-العدالة والتنمية أن تقوله للعالم. الأمر متعلق هنا بكل من مسلسل: القيامة-أرطغرل Diriliş، مسلسل ردّة فعل Reaksiyon، وفيلمKod Adı K.O.Z  الذّي يتخيل فيه المخرج محاولة لإغتيال الرئيس رجب طيّب أردوغان.

  1. بين الغازي أرطغرل والقائد أردوغان.. قيامة تركيا الجديدة.

 

يُعد هذا المسلسل التاريخي من أضخم الأعمال السينمائية التركية إلى الآن، من إنتاج قناة TRT  التركية المحلية، بدأ عرض موسمه الأول شهر ديسمبر 2014 ويُنتظر موسمه الثالث شهر سبتمبر القادم، من تأليف وسيناريو الكاتب التركي محمد بوز داغ وبطولة الممثل التركي إنجين ألتان دوزياتان في دور أرطغرل بن سليمان شاه. لاقى المسلسل رواجا وقبولا داخليا كبيرا بل ونجاحا خارجيا بين الأعمال السينمائية المنجزة في أوروبا هذا العام، يحكي قصة إحدى قبائل الأوغور التركمانية قبيلة كايا في القرن الثالث عشر ميلادي، التّي هاجرت نزوحا من أواسط آسيا إلى أن وصلت مدينة حلب، أنطاكيا ثمّ الأناضول وإستقرت أخيرا على حدود بيزنطة بمقربة من القسنطنطنية (إسطنبول) ليكون لها الفضل في إنجاب مؤسسة الدولة العثمانية عثمان غازي بن أرطغرل بن سليمان شاه، ثمّ فاتح القسطنطنية السلطان الغازي محمد الفاتح المنحدر من نسل الأوغوز. ترمز قبيلة كايا (الصخرة) إلى النواة الأساسية التّي فُتح منها العالم وغُيّر عبرها التاريخ، قبيلة صغيرة تكبر بين قبائل التركمان، تُحاط بمكائد المدسوسين أو الفاسدين من أمراء “المسلمين” الأيوبيين والسلاجقة في وقت يعيش فيه العالم الإسلامي الضعيف “ظروفا دولية صعبة” تضعه بين فكي قوتين عظمتين هما رومان بيزنطة من الغرب والمغول الآسيويين من الشرق، ولكنّ قبيلة كايا برجالها الأشداء تحت حكم سليمان شاه وأبناءه المؤثرين تتمكن من تغيير مجرى التاريخ الإنساني في تلك الحقبة بفضل حكنة، شجاعة، يقظة وإيمان أرطغرل (الإبن الأوسط) بقضيته والذّي سيتمكن في النهاية من وضع حجر أساس الدولة العثمانية. لم يتقلّد الأخير أي منصب قيادي في البداية ولكنّه كان العقل المتيقظ في القبيلة لكل ما يُحاك ضدّها من أعداء الخارج وخونة الداخل بالأخص، إذ تتكرّر في السلسلة عبارات سياسية توحي بخطورة خونة الداخل المتخفيّن على مصير القبيلة والأمة أكثر من أعداءها الخارجيين المعلومين. مستعينا بإيمانه القوي بالله ثمّ بطموحاته في إيقاظ العالم الإسلامي وتوحيده تحت راية واحدة يدخل أرطغرل مع ثلّة من المحاربين المؤمنين به حربا ضروسا ضدّ الخونة والمتربصين، فينقد القبيلة أكثر من مرة بطرقه الخاصة ولو أدى ذلك إلى مخالفته قرارات مجسلها الذّي تختلط عليه الأمور في أغلب الأحيان، يواجه أرطغرل فساد بعض القادة المدسوسين في قلب الدولة الأيوبية في نفس الوقت الذّي يجاهد ضدّ الكفار البيزنطينيين الصليبيين على حدود الدولة، ويتغلب على هذه التحديات، ثمّ تنقل هذه الظروف قبيلته إلى مكان آخر يأمل فيه الناس أمانا أكثر بعدما يتمكن من إقناع والده وبعض قادة القبيلة بضرورة الهجرة والبحث عن موطن آخر يقوّي شوكتهم ويكون مركزا مستقبليا لفتوحات الأمة جمعاء، مستغلا صيته المرتفع بين قبائل الأوغوز بعدما كشف الخونة وهزم الصليبيين فاتحا إحدى أهم قلاعهم آنذاك والمسماة بقلعة فرسان الهيكل. ينتقل المشهد في الموسم الثاني ليسلط الضوء على أحد أشرس الصراعات الدموية التّي عاشتها الأمة الإسلامية في تلك الحقبة من التاريخ ألا وهو الصراع ضدّ المغول المتوحشين، صراع يُرهق كاهل القبيلة ويضع بطلها في تحدّي جديد ضدّ أخوته الأكابر هذه المرة بعدما تختلف وجهات نظرهم في طريقة إدارة هذا الصراع، خاصة وقد توحدّت القبيلة مع قبيلة أخرى –شكليا- ممّا أدّى إلى تعدّد مراكز القرار، فتتكرّر عبارات سياسية أخرى على لسان البطل ذات دلالة قوية من قبيل: “إنّ الخنجر المميت الذّي قد يتلقاه المرء في هذا الطريق المقدس –طريق الإستيقاظ- هو الذّي يكون غالبا على يدّ أحبائه ومقربيه”. ينتهي الصراع مع المغول بحدوث انشقاق في القبيلة (المكونة أصلا من تركيب قبيلتين) بعد وفاة بعض القادة المؤثرين إلى مؤيدين لطموحات ورؤى أرطغرل ومناوئين له في الجهة الأخرى وعلى رأسهم أخويه الكبيرين غون دودو وسونغور تكين، فقد عزم الرجل في النهاية طريق الهجرة مرة أخرى إلى مكان آخر سيرفع في نظره من شأن القبيلة ويرسم عبرها تاريخا جديدا من البطولة للأمة الإسلامية جمعاء، كان المكان قريبا جدّا من حدود بيزنطة وعاصمتها القسطنطنية، وكان الطريق طريق الجهاد المقدس. هكذا إنتهى الموسم الثاني في لحظات من التشويق بايع فيها المؤمنون أرطغرل قائدا جديدا لقبيلة كايا وعلى رأسهم والدته هايمانه التّي لعبت أكثر الأدوار تأثيرا في حياة زوجها سليمان شاه ثمّ بعد وفاته وأخرجت القبيلة مرات عديدة من فتن دموية في إشارة قوية إلى دور المرأة الفعال في التاريخ الإسلامي لتلك الحقبة. على طريق البيعة نحو أرض الفتوحات يتركنا كاتب السيناريو الأستاذ محمد بوز داغ في حالة تشويق مستمرة معلنا على حسابه تويتر قبل أيام أنّه بصدد كتابة سيناريو الموسم الثالث والذّي سيبتدأ عرضه شهر سبتمبر القادم. سلسلة مليئة بقيم الإيمان والحب، الشجاعة والأخلاق، التضحية والإيثار، ودرب مقدس محفوف بدناءات الخيانة والجواسيس، يتصدى له محاربون أشداء عزموا على إحياء مجد الأمة، فكانت لحظة الإستيقاظ والقيامة Diriliş.

هل لاحظتم تلك المساحات المشتركة بين قيامة أرطغرل وقيامة أردوغان؟ هذه إحدى الرسائل السياسية التّي تريد السلسلة إيصالها لكل ذي بصيرة، فوضع الأتراك قبل مجيء أرطغرل كان مشابها جدّا لوضعهم قبل مجيء أردوغان، مهمشون في التاريخ، فقد كان إنتصار حزب العدالة والتنمية سنة 2002 تتويجا لحركة صحوة إسلامية ابتدأت منذ منتصف السبعينيات بعد ضعف داخلي وتشتّت سياسي بين الأحزاب تلته مرحلة إقلاع إقتصادي غير مسبوق وإستقرار حزبي سياسي مع هيمنة الآك بارتي على المشهد السياسي ديمقراطيا طيلة 15 سنة من الحكم. خاضت فيها قياداته صراعات سياسية داخلية ومؤامرت إنقلابية عسكرية، كما تحالف ضدّ سياسته في الخارج أقطاب إقليمية تحكم دولا مسلمة، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه من جديد، هذا ما تقوله السلسلة ولم يكتبه السيد محمد بوز داغ على الورق. لقد كانت مرحلة تقوية تركيا- أردوغان من الداخل إقتصاديا طيلة سنوات، وتقوية تماسكها الداخلي سياسيا عبر التوافقات شبيهة بالدرب الطويل والمضني الذّي إختاره أرطغرل بحثا عن موطن آمن مستقر للأتراك ليؤسسوا دولتهم وتكون مهدا لفتوحات المسلمين، كما كانت مواجهة السيد أردوغان وحلفاءه لخصوم الداخل والخارج شبيهة بمواجهة الغازي أرطغرل للمدسوسين والعملاء والمتآمرين المسلمين الذّين يحولون أمام حلم الدولة المسلمة القوية المؤثرة في مجرى التاريخ. لقد ردّد السيد أردوغان في كثير من خطاباته عبارات شبيهة بتلك التّي تتردّد على لسان القائد أرطغرل في السلسلة على غرار العبارة السابقة التّي توحي بحسرة كبيرة لكل قائد يريد الخير لبلده وأمته فيواجهه القريب الحبيب قبل العدو البعيد. لا تخلُ بعض خطابات السيد أردوغان الشعبية من علامات واضحة لبثّ حماسة محاربي الأوغوز الشجعان في مناصريه عبر تصميم خشبة مسرح الخطاب بجنود يرتدون الزيّ العثماني ترافقهم موسيقى مسلسل أرطغرل الحماسية مثلما يحدث دوما في خطاب ذكرى فتح القسطنطنية. كما لم تخلُ بعض خطاباته أيضا من تذكير الشعب التركي بأمجاد أجداده العثمانيين وعلى رأسهم السلطان الغازي محمد الفاتح، يحضرني هنا عبارة للرئيس أردوغان وردت في إحدى خطاباته حينما قال فيما معناه: “إذا كان محمد الفاتح قد أجرى السفن على الأرض ليفتح القسطنطنية فقد أجرينا نحن السفن تحت البحر، وهذا إنجاز علينا أن نفتخر به”، في إشارة منه إلى خط ميترو المارمراي الذّي يخترق مضيق البوسفور في الأسفل ليربط بين شقي مدينة إسطنبول الآسيوي والأوروبي، كما لا ننس أنّ آخر جسر عملاق تمّ فتحه قبل أيام في تركيا (رابع أطول جسر معلق في العالم) قد تمّ تسميته بجسر عثمان غازي في إشارة لمؤسس الدولة العثمانية عثمان بن أرطغرل.

بقي أن نشير إلى ملاحظتين أخيرتين الأولى تاريخية-إستراتيجية أمّا الثانية فأخلاقية- قيمية إن صح التعبير، إذ يذكرني هذا المسلسل بأحد ركائز كتاب البروفيسور أحمد داوود أوغلو الشهير “العمق الإستراتيجي” حينما يشدّد الرجل على ضرورة إيلاء الإهتمام بالعامل التاريخي إذا أرادت تركيا أن تكون ذات مكانة دولية بين الأمم في القرن الحادي والعشرين، فهذا العمل السينمائي التاريخي من شأنه أن يحيي مشاعر الأمل والفخر في وجدان الشعب التركي خصوصا والأمة الإسلامية بشكل عام، عمل سيُساهم في تعريف الأتراك بهويتهم في زمن تتصارع فيه الهويات، سيكشف لهم “وعيهم الوجدي” على حدّ تعبير البروفيسور داوود أوغلو في كتابه الآخر المهم: “العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية”، وهي نقطة حساسة جدّا يجب أن يُحسن السياسيون إستخدامها إذا أرادوا النهوض بأوطانهم حينما يُحسنون مخاطبة الوجدان الجمعي للأمة أو الشعب.[2]

الملاحظة القيمية-الأخلاقية الجديرة بالتسجيل هنا تتعلق بخلو هذه السلسلة من أي مشاهد خادشة للحياة في عرف المسلمين، كملابس الممثلين أو علاقات الحب والدراما التّي تتخلّل مشاهدها، خلافا لمسلسل حريم السلطان مثلا، يبدو أنّه خط أخلاقي جديد متناسق جدّا مع الخطاب السياسي والمنطلقات الفكرية التّي يتبنّاها الحزب الحاكم.

أخيرا نقول، أنّ كل متتبع حاذق للشؤون التركية، متخصص في العلاقات الدولية سيُدرك تماما كيف يمكن لمسلسل كهذا أن يقوّي من شوكة الحزب الحاكم في تركيا اليوم داخليا وأن يرسم صورة أسطورية لبطولات الأتراك التاريخية في الخارج ويمنح للدولة والشعب في عصرنا الحالي ثقة أكثر وهيبة أكبر بين الأمم قد يحقق بها القادة السياسيون الأتراك مصلحة الدولة في الخارج من دون خسارة دولار واحد، وهذه عين القوة الناعمة التّي تحدّث عنها جوزيف ناي.

  1. رياكسيون.. وصراع الأجنحة السياسية في الداخل:

 

 إذا كان مسلسل القيامة يحكي قصة وقعت أحادثها الملحمية خلال القرن الثالث عشر ميلادي فإنّ مسلسل ردّة فعل Reaksiyon  يحاول أن يحكي لنا قصة سياسية معاصرة تعيشها تركيا منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، في شكل مسلسل جوسسة- بوليسي- سياسي غامض ومشوق من كتابة كل من السيناريت أوزان أك سونغور و إيمري أوزدور، ويتعلق الأمر هنا بصراع الأجنحة السياسية داخل مؤسسات الدولة بين قيادات الحزب “الإسلامي” الجديدة من جهة وبين قيادات الحرس القديم العلمانية من جهة أخرى بخصوص مسألة إدارة الدولة وصناعة القرار في سياستيها الداخلية والخارجية على حدّ سواء. حُبكت هذه السلسلة بطريقة إحترافية لا تختلف عن السلسلات الأمريكية المشابهة التي أدمن عليها الكثيرون. في هذه السلسلة يجد النقيب العملياتي أوغوز نفسه (الممثل التركي إبراهيم تشيليكول) في خضّم معركة طاحنة بين دوائر السلطة والنظام، بعدما كرّس حياته لسنوات طويلة في خدمة الجيش والدولة في ديار بكر، قبرص، العراق وأماكن أخرى عائدا من الموت، صراع بين جناحين سياسيين لكل منها استراتيجية خارجية مختلفة يريد أن يوجه نحوها البلاد، يجد نفسه محاطا بمناخ عفن لا ينتفس فيه إلاّ رائحة الخيانة والغدر، لا أمان فيه ولا ثقة ولا صاحب وفيّ، إنّها سلسلة تُصّور ثقل وصعوبة مهمة جهاز الإستخبارات التركية كما تصوّر أيضا صراع جيلين داخل السلطة، والمتابع لتركيبة النظام التركي وسياسته الخارجية قبل وبعد حكم حزب العدالة والتنمية سوف يفهم سياق المسلسل جيدّا، سيُقابل المشاهد في هذا المسلسل كل النسخ السياسية، كيف تساهم الفواعل الفردية (أصحاب النفوذ)، مؤسسات النظام (من استخبارت، وكالة الأمن القومي، الرئاسة..) وكذا العامل الخارجي في إدارة الإختلاف والصراع داخل البلاد وفي صنع السلوك الخارجي للدولة أيضا لاسيما تجاه منطقتنا العربية، سيصطدم المشاهد هنا أيضا بملفات عديدة على غرار الملف سوري، الكردي، داعش، إسرائيل، الموساد، السي آي إيه، وسيضطر في النهاية إلى تكشيل رأي معين عن محلّ تركيا من كلّ هذه الملفات الشائكة ومن يتحكم في مصير البلاد. يستجلب رئيس جهاز الإستخبارات التركية السيد غوركان ومستشاره السيد أوكتام العميل أوغوز نظرا للثقة العالية والخبرة المتناهية التّي يتحلى بها هذا العميل، في عملية سرية تستهدف “تنظيف” أجهزة الدولة من عملاء الخارج (لاسيما عملاء دولة إسرائيل) الذّين يعيقون طموحات الدولة وعلى رأسهم عتيد الإستخبارات المتقاعد وصاحب النفوذ الكبير السيد يافوز أصلان الذّي تحوم حوله الشكوك.

 المستحسن في المسلسل أنّه ينتهي في حلقاته الأخيرة بتحقيق توافق سياسي بين زعماء الجناحين، ويُظهر أنّ كلاهما جناح وطني صادق النية لا غبار عليه، له إرادة كبيرة في الصعود بتركيا والحفاظ على أمنها القومي، ولكن المشكلة تكمن في تضارب الرؤى بين الأجيال الذّين قادوا البلاد حول طريقة تحقيق ذلك المقصد الكبير بين جيل جديد عديم الخبرة وآخر عتيق متمرس في السياسة يتبنى كلاهما “إديولوجية سياسية” مختلفة عن الآخر، فيطرد من ذهن المشاهد بذلك أي تصورات للتخوين أو العمالة مثلا قد تعلق في ذهنه حينما يُشارف على إنهاء السلسلة. هي دعوة صريحة إذن للمّ شمل الفرقاء السياسيين وفتح أبواب الحوار وغلق أبواب الفتن والإستقطابات السياسية التّي قد تقضي على الجميع في نهاية المطاف.

عُرض موسم واحد فقط في ثلاثة عشر حلقة لهذا المسلسل شهر سبتمبر 2014 وإنتهى بتلميح لإمكانية وجود موسم ثاني طور التحضير. ولاشّك في أنّ لهذا النمط المعقد من المسلسلات أثره في النفوس ودوره في ترويج صورة معينة يريد الحزب الحاكم أن يُريها الآخرين، ونذكر هنا أنّ مسلسلات مماثلة عرفت مشاهدة لا بأس بها داخل تركيا تؤدي نفس الغرض على غرار مسلسل ميلاد Milat، ووادي الذئاب الشهير في العالم العربي.

  1. فيلم Kod Adı K.O.Z .. الآك بارتي في مواجهة جماعة فتح الله غولن:

سُئل رئيس الجمهورية التركية “رجب طيب أردوغان” عن عدد محاولات الاغتيال التّي استهدفته، فأجاب قائلاً: ” لا أتذكر تماماً عدد محاولات الاغتيال التّي استهدفتني، ولكن يمكنني القول إنّها أكثر ممّا أتذكر بكثير!”  ، تعكس هذه العبارة الخطر المحدق الذّي يحيط بشخص الرئيس، خطر قد لا يمثّله أعدائه الكثر المختلفون عنه عقديا ودينيا من خارج تركيا فقط ولا يمثله أيضا خصومه من العسكر أو العلمانيين أو القوميين وحسب، ولكنّه خطر قريب قد ينال منه ومن مشروعه إلى الأبد من الداخل، بأيدي أبناء جلدته وحلفاء طريق الدعوة الإسلامية بالأمس، إنّها جماعة “الخدمة” التّي يتزعمها الداعية الديني فتح الله غولن من واشنطن، وقد اصطلح على تسميها في تركيا بالكيان الموازي.

عُرض فيلم “إسم الكود: كي، أو، زاد” العام الماضي 2015 في دور السينما التركية، ويبدأ مشهده الأول بطريقة جريئة جدّا عبر آية قرآنية ذات دلالة واضحة تصف شخصية فتح الله غولن الخصم رقم واحد للرئيس أردوغان في تركيا، قال تعالى: “ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهدُ الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام”، الآية: 204 من سورة البقرة. ويصوّر الفيلم محاولة إغتيال فاشلة لعناصر تابعة لحركة الخدمة للرئيس أردوغان (الممثل التركي جام كورت أوغلو) كما يلمّح بشكل واضح أيضا إلى ضلوع هذه الحركة -التّي تأتمر بأوامر خارجية معادية كما يصوّرها الفيلم- في حادثة محاولة الإنقلاب الفاشلة التّي عرفتها تركيا شهر ديسمبر 2014 إثر ضلوع عدد من المسؤولين في عملية تنصّت غير قانونية على هواتف السيد أردوغان وأفراد من أسرته وأعضاء من الحكومة وقيادات في حزب العدالة والتنمية الحاكم، وقبلها أحداث غيزي بارك الشهيرة في ساحة تقسييم شهر ماي 2013، حيث يصوّر الفيلم ضلوع أعضاء من هذه الحركة ذوي مناصب عالية بأجهزة الشرطة في العنف الذّي أخذته إحتجاجات الجماهير ضدّ قرار بلدية إسطنبول بإعادة إحياء ثكنة عسكرية عثمانية قديمة (ثكنة خليل باشا) التّي هُدّمت سنة 1921 ليُقام على أنقاضها في عهد الأتاتوركية حديقة تجوال سنة 1939. يصوّر الفيلم كيف كان الأمر مدبّرا ليأخذ ذلك المسار العنيف فيكون مقدمة لزعزعة الإستقرار السياسي الذّي حافظ عليه الحزب الحاكم لسنوات في البلاد، الأمر الذّي سيفقده الشرعية أمام مواطنيه بعدما تقمع أجهزة الشرطة المواطنين بالهراوات والغازات المسيلة للدموع، كل ذلك سيثير الحنق ضدّ الحزب الحاكم الذّي يتجّه إلى الدكتاتورية والتسلط وسيألب عليه حتما خصومه في الخارج من الأوروبيين والأمركيان، وسيمهّد ذلك الطريق أمام حركة الخدمة لتقود إنقلابا أبيضا على الحزب الحاكم من الداخل بأيدي مواطنيه. هذا شيء ممّا أراد الفيلم تصويره في أذهان المشاهدين، فضلا عن القضايا السرية الأخرى التّي تعمل عليها هذه الحركة بالتنسيق مع خصوم أردوغان في الداخل والخارج على حدّ سواء بهدف إسقاطه وإنهاء مشروعه في تركيا.

يُذكر أنّ جماعة فتح الله غولن هي حركة إجتماعية صوفية غير سياسية، تأسّست بداية السبعينيات من القرن المنصرم على يدّ الداعية فتح الله غولن، ترّكز في نشاطاتها على التعليم وإنشاء المدارس وكل أشكال الوقف الإنساني، توجهّها قومي حداثي منفتح على الغرب إذ تركز في نشاطها على العنصر التركي المنتشر بين البلقان وآسيا الوسطى دون غيره من المسلمين (وهذا أحد أوجه خلافها مع حزب العدالة والتنمية)، يصنّفها الباحثون كأحد أنجح الحركات الإجتماعية في العالم الإسلامي على الإطلاق نظرا للتكتيكات الصبورة المستخدمة من قِبلها والتّي جعلتها مع الزمن متغلغلة في المجتمع التركي بكافة قطاعاته ومحقّقة أيضا انتشارا واسعا خارج تركيا في معظم قارات العالم عبر مدارسها التعليمية ومؤسساتها الوقفية، عملت الحركة على تربية جيل موالي لمرجعيتها وأفكار مؤسسها، مشجعة هذا الجيل على الاندماج داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذا فقد صار لها مع الزمن نفوذ قويّ في قطاعات التعليم، العدالة، الشرطة والإعلام عبر هؤلاء الأتباع، لهذا تُسمى كيانا موازيا وتُشكل في نظر الحزب الحاكم خطرا كامنا عليه تجعل قياداته تتصرف بقسوة زائدة حينما يتعلق الأمر بهذه الجماعة، لذا فقد اعتبرنا من قبل أنّ هذا الخطر الكامن يعّد أحد العوامل المفسّرة لرغبة الرئيس أردوغان الملحّة في تغيير الدستور التركي والتوجّه نحو النظام الرئاسي ليكتسب قوة أكثر تتيح له التصرف كما وضحّنا ذلك في مقالين سابقين لنا إثر إستقالة البروفيسور أحمد داوود أوغلو من الحكومة مؤخرا.[3]

خاتمة:

من الواضح أنّ فيلما مثيرا للجدل كهذا وغيره من الأفلام والمسلسلات المشابهة في الرسالة والمقصد، من شأنها أن تضع الجماهير المشاهدة في صورة التحدّي الذّي يواجهه الحزب الحاكم من الداخل ويدفع بطائفة كبيرة منهم إلى مساندته والوقوف إلى جنبه في مسيرته النهضوية الهادفة إلى تخليص تركيا من كل القيود السياسية والإقتصادية والقيمية أيضا والتّي قد تقف حجر عثر أمام طريقها نحو الصعود كقوة إقليمية فاعلة ومؤثرة بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، وحزب العدالة والتنمية الحاكم، (وهذا في نظرنا أحد أسباب تردّد بعض القنوات العربية في دبلجة هذه المسلسلات إلى الآن خلافا لبقية مسلسلات الخط الآخر على ضوء التنافس الحاصل بين بعض الأقطاب العربية وتركيا)، فللسينما أثر بالغ على الدماغ لا تتركه الكتب كما يقول المتخصصون في هذا المجال، إنّها القوة الناعمة كما نسميها نحن في الدراسات الدولية، تلك التّي لم يُحسن العرب إستخدامها إلى الآن بكافة أشكالها لاسيما تلك الدول التّي تسعى في خطاباتها السياسية للعب دور إقليمي ريادي مؤثر يصنع لها مكانة بين الأمم. في النهاية أرجو أن يكون هذا المقال مدخلا لدراسات أكثر تفصيلا من قِبل الباحثين العرب في أقسام العلوم السياسية وكليات الإعلام، كما أرجو أن يلفت إنتباه حكامنا ومسؤولينا يوما ما بضرورة الإلتفات إلى وسائل التأثير والقوة المعاصرة بدلا من الإرتهان إلى كلاسيكيات قديمة لا قدرة لها وحدها على مواكبة العصر.

: كاتب وباحث جزائري بمعهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، جامعة مرمرة بإسطنبول وبقسم الدراسات الآسيوية كلية العلاقات الدولية جامعة الجزائر3.

[1]– لمزيد من الإطلاع على مضامين القوة الناعمة إرجع إلى: جوزيف ناي، حدود القوة الأمريكية، ترجمة: علي حسين باكير، الموقع الشخصي للباحث علي حسين باكير، 17/02/2006.

 https://bakeerali.wordpress.com/2006/02/17/%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9 /

[2]– لمزيد من الإطلاع على ما ورد في كتاب البروفيسور أحمد داوود أوغلو في هذا الصدد يمكنكم الرجوع إلى دراستنا: قراءة في كتاب العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، مركز إدراك للدراسات والإستشارات، بتاريخ: 23/05/2016. http://idraksy.net/book-strategic-depth /

[3]– جلال خشيب، داوود أوغلو المنظر الأول لسياسة القوة في تركيا وضحتيها الأولى في سعيها نحو القوة، موقع نون بوست، بتاريخ: 06 مايو 2016.

https://www.noonpost.net/content/11624

جلال خشيب، هل أخطأ الرئيس أردوغان حينما دفع بإقالة البروفيسور داوود أوغلو؟، موقع نون بوست، بتاريخ: 08 مايو 2016.

https://www.noonpost.net/content/11652

٪ تعليق

اضغط هنا لاضافة تعليق

Leave a Reply

  • […] يحظى مصطلح القوة الناعمة بشعبية كبيرة داخل الأوساط الأكاديمية والجامعية التركية منذ مدّة لا بأس بها، فكثيرا ما يتداول الطلبة هذا المصطلح بشغب في وصف بعض مظاهر السياسة الخارجية لبلدهم تركيا لاسيما في السنوات السبع الأخيرة، الأمر الذّي يؤشر إلى وجود وعي نخبوي بين الأتراك لأهمية هذا المصطلح من جهة والأثر الظاهر الذّي خلّفه على السياسة الخارجية لبلدهم من جهة أخرى مقارنة بما كانت عليه في الماضي. لقد إرتبط هذا المصطلح في الحقيقة بإسم المنظّر الأمريكي اللبيرالي الشهير جوزيف ناي الذّي إستعمل هذا المصطلح سنة 1990 في كتابه: “وثبة نحو القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية”، ليطوره بشكل صريح في كتاب آخر حمل عنوان: “القوة الناعمة، وسيلة النجاح في السياسة الدولية” سنة 2004، فيعبّر به عن المضمون الجديد الذّي أخذه مفهوم القوة مع نهاية الحرب الباردة وما تبعها من تحولات مسّت كثيرا من الأبنية السياسية والمعرفية، فلم يبق هذا المصطلح المفتاحي في حقل الدراسات الدولية مرتبطا بمعناه التقليدي المادي المنحصر في المجالين العسكري والإقتصادي، ولكنّه اتسع ليعبّر عن مضامين ثقافية، معرفية وقيمية معنوية غير حسيّة، فالدول الصاعدة إذا أرادت أن تبقى قوية أو تزيد من قوتها فإنّ عليها أن تلتفت إلى قوتها الناعمة مثلما يشير جوزيف ناي. يضيف ناي موضحا هذا المصطلح: “ماذا أعني بالقوّة الناعمة ( الليّنة ) بالتحديد؟ القوّة العسكريّة والقوّة الاقتصاديّة كلاهما أمثلة على القيادة القاسية والتّي يمكن استعمالها لاقناع الآخرين بتغيير مواقفهم ومواقعهم. فالقوّة القاسية (الصلبة) يمكنها أن تستند إلى مبدأ “العصى والجزرة”, لكن هناك أيضا طريقة أخرى وغير مباشرة لاستخدام وممارسة القوّة. فبامكان دولة أن تحصل على النتائج التّي تريدها في السياسة الدولية لأنّ الدول الأخرى تريد اللّحاق بها واتّباعها إعجابا بقيمها أو تقليدا لنموذجها أو تطلّعا للوصول إلى مستوى ازدهارها ورفاهها و انفتاحها. في هذا الاتّجاه, إنّه لمن الأهميّة بمكان أن تضع برنامجا في السياسة الدولية يجذب الأخرين إليك, كما هو أن تجبرهم على التغيير من خلال التهديد أو استعمال القوّة العسكرية أو الأسلحة الاقتصادية. هذا المظهر أو الجانب للقوّة ( أي جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت ) هو ما أسمّيه أنا بالقوّة الناعمة، هذه الطريقة تكسب الناس بدلا من أن تجبرهم.. إنّ القوّة الناعمة (الليّنة) ليست تماما كالتأثير, مع أنّها مصدر من مصادر التأثير المتعدّدة, في النهاية أنا باستطاعتي أيضا التأثير عليك بالتهديد أو الترغيب. القوّة الناعمة أيضا لا تعني الاقناع, فهي أكثر من الاقناع والبرهنة بالجدال, فهي الإغراء و الجذب, والإغراء و الجذب غالبا ما تؤدّي الى الرضوخ و التقليد”.. و يجد وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين أحد مظاهر هذا المصطلح في السينما الأمريكية فيقول أنّ: “الأمريكيين أقوياء لهذه الدرجة لأنّ باستطاعتهم استلهام أحلام ورغبات الآخرين, والفضل في ذلك يعود إلى سحر الصور المعولمة التّي تبثّ من خلال الأفلام والتلفاز, ولنفس هذه الأسباب  فإنّ عددا كبيرا من الطلاّب من دول أخرى يذهبون إلى الولايات المتّحدة لاتمام دراساتهم”.[1] […]

  • […] يُذكر أنّ جماعة فتح الله غولن هي حركة إجتماعية صوفية غير سياسية، تأسّست بداية السبعينيات من القرن المنصرم على يدّ الداعية فتح الله غولن، ترّكز في نشاطاتها على التعليم وإنشاء المدارس وكل أشكال الوقف الإنساني، توجهّها قومي حداثي منفتح على الغرب إذ تركز في نشاطها على العنصر التركي المنتشر بين البلقان وآسيا الوسطى دون غيره من المسلمين (وهذا أحد أوجه خلافها مع حزب العدالة والتنمية)، يصنّفها الباحثون كأحد أنجح الحركات الإجتماعية في العالم الإسلامي على الإطلاق نظرا للتكتيكات الصبورة المستخدمة من قِبلها والتّي جعلتها مع الزمن متغلغلة في المجتمع التركي بكافة قطاعاته ومحقّقة أيضا انتشارا واسعا خارج تركيا في معظم قارات العالم عبر مدارسها التعليمية ومؤسساتها الوقفية، عملت الحركة على تربية جيل موالي لمرجعيتها وأفكار مؤسسها، مشجعة هذا الجيل على الاندماج داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذا فقد صار لها مع الزمن نفوذ قويّ في قطاعات التعليم، العدالة، الشرطة والإعلام عبر هؤلاء الأتباع، لهذا تُسمى كيانا موازيا وتُشكل في نظر الحزب الحاكم خطرا كامنا عليه تجعل قياداته تتصرف بقسوة زائدة حينما يتعلق الأمر بهذه الجماعة، لذا فقد اعتبرنا من قبل أنّ هذا الخطر الكامن يعّد أحد العوامل المفسّرة لرغبة الرئيس أردوغان الملحّة في تغيير الدستور التركي والتوجّه نحو النظام الرئاسي ليكتسب قوة أكثر تتيح له التصرف كما وضحّنا ذلك في مقالين سابقين لنا إثر إستقالة البروفيسور أحمد داوود أوغلو من الحكومة مؤخرا.[3] […]