آراء

جون ألترامان: مصر بعد خمس سنوات من إسقاط الدكتاتور

3_1373212776_755

مر على إعلان الرئيس المصري السابق حسني تنحيه عن منصبه ما يصل إلى خمس سنوات، وهي الاستقالة التي ساهمت في تشكيل آمال كبيرة ببدء عصر جديد في المنطقة ونهاية عصر الأنظمة الاستبدادية العربية. وبنظرة سريعة إلى المنطقة، يبدو أن العصر الجديد كان أسوأ بكثير من العصر الذي سبقه. فالمستبدون هم من يحكمون الآن  دول المنطقة، عدا عن غرق الدول العربية الأخرى بحروب أهلية طاحنة اعقبت سقوط طواغيتها.

صحيح أن أيًا منا لا يشغله الحنين للعودة إلى أيام التملق المسرحي الذي كان يحيط بالزعيم الليبي السابق معمر القذافي، ولا حتى إلى أيام وحشية صدام التي ما زالت تشكل كوابيس للكثير من سكان المنطقة حتى اللحظة.إلا أنه من الصعب كذلك تخيل نهاية للحرب السورية تسمح بإعادة سوريا إلى الخارطة بشكل طبيعي، كما يصعب أيضًا تخيل نهاية للنزاعات المسلحة الدموية في ليبيا عدا عن توقف هذه النزاعات عن التأثير على الدول المجاورة لها وإشعارها بالخطر الدائم.

ومن رحم كل هذه الفوضى والمعاناة، تظهر متميزة عن خيرها كبقعة مضيئة وجاذبة للانتباه بعد أن استعادت مركزها وحيويتها السابقة. وبعد كل ما حدث هناك، ها هو جنرال جديد يحكم سيطرته على كرسي الحكم هناك مجددًا. وعلى الرغم من عدم التأكد من امتلاك البرلمان المصري لسلطات حقيقية، إلا أن حظيت بانتخابات برلمانية مجددًا. وصحيح أن الأجهزة الأمنية المصرية حظيت بدعم مطلق لتعقب وملاحقة آلاف الإسلاميين ومئات من الليبرالين. وصحيح أن الشباب المصري يختفي في زنانين الاعتقال الأمنية وبعضهم لا يرى النور مجددًا، وذلك كله قبيح بالإجماع، إلا أن النقاش يتم هنا وفق للمعايير الأمريكية التي حكمت التعامل مع نظام حسني مبارك السابق طوال عقود من الزمان.

لا يمكننا إقرار أن أسوأ أوقات مصر قد مرت بالفعل، عدا عن أن استراتيجية الحكومة الحالية لن تؤدي لتحقيق الاستقرار المنشود. هذا عدا عن تبعية مصر وارتهانها بدول أخرى في الشرق الأوسط وأمريكا في اتخاذ الكثير من القرارات، وهو ما يجبر الحكومة المصرية على إيلاء طريقة اتخاذ القرارات اهتماماً أكبر من ذي قبل.

من الصعب أن ننسى لحظات الفرح الكبيرة التي صرفت في ميدان قبل خمس سنوات، وهي اللحظة التي كانت فيها الامة المصرية أكبر من حكومتها. أجبرت جموع المتظاهرين الحكومة على الجثي على ركبتيها، وكان المواطنون على وشك الانخراط في فعل إبداعي لتشكيل الحكومة الجديدة والتي كان من المفترض أن تتجاوز مهمتها تحقيق الاحتياج إلى خدمة التطلعات الخاصة بالمواطن المصري.

وهذا لا يتوافق أبداً مع ما تحدث به مسؤولين من النظام الحالي حين وصفوا المواطنين الذين انتخبوا الاخوان المسلمين في الانتخابات التي اعتقبت ، حيث دأب الكثير من المسؤولين على التذكير بضرورة “حماية الجيش للشعب من نفسه” أي على الجيش أن يتحكم بتوجهات الشعب بحيث لا يختار الشعب من يجلب المصائب له، وإحقاقًا للحق، فيبدو أن كثيرًا من المصريين فرحوا بتدخلات الجيش وشعروا بالكثير من الامتنان له.

وعادت مجددًا إلى القمة القوى العسكرية التقليدية التي حكمت مصر لستة عقود من الزمان، وليس هناك شك في أن السلطة في مصر تدفقت من القمة الى القواعد وليس من القواعد إلى القمة، واختفت روح التحرير من المصريين وكذلك الطاقة التي تسبب الميدان بإيجادها بين صفوف الشعب المصري.

وحتى خلال آخر أيام مبارك في الحكم، انتشرت مشاريع الريادة المجتمعية في مختلف أنحاء مصر، فتحت الصحف أبوابها، وانتشرت شركات التكنولوجية الحديثة بالإضافة إلى انتشار عدد من شركات الأعمال المصرفية الاستثمارية في مصر. وبعد الثورة، ازدادت وتيرة ذلك كثيراً، وبدأ النشطاء من مختلف المشارب العمل بجد، وكثيراً ما واصلوا الليل بالنهار لإنجاز ما يتمنون.

ولكن خلال زيارتي الأخيرة لمصر، الشهر الماضي، بدا واضحاً أن االانسجام والعشق هذا كان قد اختفى من روح الشباب والعاملين. تراجع دور الأكاديميين مجددًا. وفي حين كان رجل الأعمال يتمنى تغيير إحداث تغيير في الدولة عبر دعمه للأعمال التطوعية، تجده الآن ينسحب بعيدًا منها على أمل تجنب المسؤولية فقط.

في مجتمع رجال الأعمال تظهر الكثير من الإشاعات التي تتحدث عن عدم قدرة الوزراء الحاليين على اتخاذ أي قرار، وذلك لخوفهم من مواجهة أي محاكم مستقبلية كما حدث مع من سبقوهم في المنصب. أضف إلى ذلك تراجع قيم الاستثمار الأجنبي إلى أقل من 20% عما كان عليه قبل إندلاع أحداث الثورة، بينما يتساءل المستثمرون المحليون عن إمكانية قيامهم بتخصيص استثمارات معينة في مصر بينما لا يملكون بين أيديهم أي توقعات حقيقية عن طبيعة الاستثمار أو السوق أو الاقتصاد في البلد خلال الفترات القادمة.

الجيش من جهته، أحدث خرقًا كبيرًا في السياسة المصرية، فخطط حين عجز الآخرون عن فعل ذلك، ونجح في التنسيق في أماكن منع الآخرون من التنسيق فيها. وهو ما أحدث تأثيرًا عكسيًا تسبب في إحباط جميع المستثمرين الآخرين، والآخرين هنا يقعون خارج دائرة الجيش، فمن يستطيع التنافس مع جهة حكومية، خاصة وأنها تحصل على دعم غير محدود من مؤسسات الدولة الآخرى. ومن يريد ان يستثمر في بلد لا يعتبر فهيا وطنيًا إلا من ردد شعار الجيش وسار خلفه في مخططاته؟

قد تبرز بعض أسباب التفاؤل المشوب بالحذر في الاقتصاد المصري، لكن التفاؤل القليل هذا يرتكز بالأساس على الركائز التقليدية للإقتصاد المصري. فالقطاع السياحي مثلاً، تأُثر بشكل  سلبي للغاية إثر تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء، وهي الحادثة التي ما زالت تصر الحكومة المصرية على جهل أسبابها رغم أن كل حكومات العالم باتت تعرف من الفاعل. هذا بالإضافة إلى انخفاض عائدات العبور عبر قناة السويس تحت تأثير تباطؤ التجارة العالمية.

من جهة أخرى، وجه انخفاض أسعار النفط ضربة مزدوجة للاقتصاد المصري، حيث ساهم هذا الأمر في تخفيض التحويلات المالية المتدفقة إلى مصر، وكبح حماس بعض الدول الخليجية التي ضخت عشرات مليارات الدولار إلى مصر منذ أن أسقط الجنرال عبد الفتاح السيسي حكم الإخوان هناك.

وبات ينظر الآن إلى الجنيه المصري على أنه صاحب قيمة مبالغ بها، وهو ما دفع رجال الأعمال للتعامل عبر السوق السوداء ورفع أسعار الصادرات المصرية في الأسواق الدولية المختلفة.

في الواقع، لا يوجد نموذج يمكن أن يجبر الحكومة المصرية على التعامل مع هذه الأزمات ضمن هذا الإطار. فلا يوجد شروط دولية تجبر الحكومة المصرية على فعل ما لا تريد فعله. والحكومة المصرية بشكل عام تتسم بكرهها للمخاطرة،وباتت تثق الآن أكثر في هذه السياسة بعد معاناتها لخمس سنوات من التدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية. ويبدو أنها في طريقها إلى التركيز على المكاسب السياسية الداخلية أكثر من الالتفات إلى المطالب الخارجية الغربية.

وفي الوقت نفسه، لا يسعى الأجانب في مصر، وتحديداً المستثمرون، إلى طلب ما هو غير قابل للاستمرار. فمصر بحاجة إلى اتخاذ خطوات اقتصادية صحيحة كتمرير قانون الاستثمار الجديد والقيام بفك ارتباط الجنيه. والتحرك نحو سياسة أكثر شمولًا تعمل على تقليل مشاعر الخوف العام وتقلل من السلبية الموجودة في المجتمع المصري.وعلى الحكومة أن تفعل ذلك بينما تستمر في حفاظها على الأمن وخاصة في مناطق الريف التي باتت تشهد حالات فلتان أمني كبيرة.

في حال بروز أي تغيير إيجابي في مصر، سيضطر العالم لدعمه بالتجارة والاستثمار. وينبغي على العالم أيضًا الاستعداد للتعاون مع مصر في مجالات التحديات التي تواجهها والسعي لإيجاد حلول عملية لذلك.و على العالم ان يتذكر أن المنطقة تتأثر كثيرًا بمصر، فحينها كانت مصر ثورية، باتت المنطقة كلها ثورية. وحينما أصبحت مصر إسلامية تغيرت معالم المنطقة كلها لتصبح إسلامية، وعندما دخلت مصر مرحلة التعثر اهتزت المنطقة بأسرها.

٪ تعليق

اضغط هنا لاضافة تعليق

Leave a Reply