fbpx
المرصد

المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية: تقييم العمليات العسكرية للجيش التركي لسنة 2017

تندرج عملية “غصن الزيتون”، التي تم إطلاقها في 20 كانون الثاني/يناير سنة 2018 على جبهة عفرين الواقعة شمال سوريا، ضمن المهمات العسكرية المتواصلة التي يقودها الجيش التركي لمكافحة التنظيمات الإرهابية داخل وخارج الحدود التركية على حدٍّ سواء.

في الحقيقة، لم تكن هذه العملية مفاجئة، نظراً لأنه قد تم الإعلان عنها في عدة مناسبات من قبل السلطة السياسية في أنقرة. وقد سبق ذلك زيارةٌ أدّاها رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي إلى موسكو في 18 كانون الثاني/يناير.

في هذا الصدد، تستحق هذه العملية التعريج على المهام العسكرية التي قادها الجيش التركي خلال الفترة الماضية ودراسة خططها من حيث الكيفية والكمية، خاصةً وأن عملية “غصن الزيتون” تأتي في أعقاب “تطهير” صفوف الجيش التركي، على خلفية محاولة الانقلاب العسكري في 15 تموز/يوليو سنة 2016. وقد وُجّهت لقرابة 9236 شخصاً تهمٌ بالانتماء لجماعة فتح الله غولن (الدولة الموازية). كما أدت هذه التهم إلى اتخاذ قرارت بالطرد من الجيش التركي، فيما تعرض قرابة 5399 من عناصر الجيش إلى السجن.

وتجدر الإشارة إلى أن إجراءات التطهير امتدت لتشمل خاصةً القيادة العسكرية العليا للجيش (التي لطالما كان عناصرها أكثر عُرضة للإقالة)، والتي تبلغ نسبة الجنرالات والأدميرالات فيها حوالي 40 بالمائة. في الأثناء، طُرح تساؤلٌ حول مدى قدرة الجيش التركي على مواصلة مهامه بفعالية كما في السابق، مع العلم أنه منذ سنة 2010، تم اتخاذ سلسلة من قرارات الطرد على إثر عدة قضايا، من أبرزها؛ “محاكمات إرغينكون” وقضية “خطة المطرقة”.

ومؤخراً، أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي في أنقرة عن التقييم العام لعمليات الجيش التركي في إطار مكافحة الإرهاب لسنة 2017. وبحسب الأرقام التي نُشرت، أشار هذا التقييم إلى أن الجيش التركي أظهر مستوى عالٍ لتدخلاته العسكرية مقارنة بالسنوات السابقة، علماً وأن التدخل عسكرياً أضحى بمثابة أولوية بالنسبة لتركيا أكثر من أي وقت مضى. وقد أشار التقييم إلى “تصفية” حوالي 7016 إرهابياً (حيث يشمل مصطلح التصفية أيضا من تم القضاء عليهم خارج ساحة المعركة بطريقة أو بأخرى).

أما بالنسبة لتقييم العمليات داخلياً ضد حزب العمال الكردستاني (بما في ذلك في شمال العراق الذي يشمل بشكل متناقض المناطق التي تتم فيها العمليات تحت مسمى “حق المطاردة”)*، فقد تم القضاء على 2701 إرهابياً وحجز 2889 سلاحاً من مختلف الأنواع. كما أضحت المستودعات والملاجئ التي يستغلها حزب العمال الكردستاني غير صالحة للاستعمال.

علاوةً على ذلك، تم إيقاف 195439 شخصاً خلال محاولة عبورهم للحدود. كما يشمل هذا التقييم، حجز وسائل تمويل الإرهاب على غرار الوقود والسجائر المهربة، إضافة إلى حجز 027 734 4 من نباتات القنب و54 طناً من المخدرات. وقد تم دعم القوات البرية، التي انتشرت لإنجاز هذه المهام، بقرابة 399 عملية جوية.

وقد استكملت هذه العمليات الداخلية لمكافحة الإرهاب بعمليات أخرى خارجية تستهدف كلّاً من تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني. ووفقاً للأرقام التي صرّح بها رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي في أنقرة، انتهت هذه العمليات في 12 كانون الثاني/يناير سنة 2018 ضد تنظيم الدولة عبر “قاعدة جيدو” (التي تقع على بعد 15 كيلومتراً من شمال شرق الموصل، وعلى مقربة من بعشيقة). وقد ساهمت هذه العمليات في تصفية 717 عنصراً من التنظيم الإرهابي مع تدمير بعض مواقع القتال، ومعدات من بينها دبابة واحدة، ومدافع، و110 عربات.

أما بشأن العمليات التي استهدفت شمال سوريا، فقد تم إطلاق عملية “درع الفرات” في 24 آب/أغسطس سنة 2016 لدعم الجيش السوري الحر في إطار حماية تركيا من أي تهديد أو هجوم إرهابي. وانتهت هذه العملية في 29 آذار/مارس سنة 2017 بالسيطرة على جبهة تمتد على 2015 كيلومتراً مربعاً و243 مركزاً سكنياً بين أعزاز وجرابلس.

وفي هذا الصدد، تمت تصفية 3598 إرهابياً من بينهم 3060 من تنظيم الدولة و538 من حزب العمال الكردستاني منذ بداية هذه العملية. ومن بين المعدات المُدمرة التي تتبع لتنظيم الدولة، تم تدمير 308 عرباتٍ وخمس طائرات من دون طيار. في حين خسر حزب العمال الكردستاني، من جهته، 28 عربةً مسلحة وطائرتان من دون طيار و28 موقع قتالٍ. وقد وصل عدد العمليات الجوية المستهدفة لتنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني، ضمن إطار عملية “درع الفرات”، إلى قرابة 303 طلعات جوية.

وقد دفعت نهاية هذه العملية بتركيا إلى اتخاذ تدابير تهدف إلى تجنب التعرض لهجمات من قبل كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، انطلاقاً من المنطقة الممتدة بين عفرين ومنبج، علما أنه قد تم إطلاق عمليات انتقامية، خاصة من جبهة أعزاز-مارع، ومن منبج أحيانا. وفي هذا السياق، تم نشر وحدات من القوات التركية في منطقة إدلب لمراقبة مناطق تخفيف التوتر التي تم إدراجها ضمن إطار اتفاقية أستانا.

فضلاً عن ذلك، تمت إقامة ثلاث نقاط مراقبة في 13 و23 تشرين الأول/أكتوبر، و19 تشرين الثاني/ نوفمبر خلال سنة 2017، في حين لا تزال نقاط أخرى بصدد التشكيل، إذ تتطلع السياسة التركية إلى عرقلة إنشاء “ممر للإرهاب” في سوريا. ويقف مستقبل نقاط المراقبة منطقياً على مدى نجاح عملية “غصن الزيتون”، وخاصة على إمكانية امتداد العملية حتى شمال شرق سوريا.

تجدر الإشارة إلى أن نتائج العمليات العسكرية الداخلية والخارجية المذكورة آنفاً كانت ذات وقع كبير، حيث قتل 197 جندياً بينهم 67 سقطوا ضمن إطار عملية “درع الفرات”، فيما خلفت هذه العمليات قرابة 766 جريحاً.

وتزامنا مع هذه العمليات الرامية لمكافحة الإرهاب، قادت تركيا خلال سنة 2017 عمليات وطنية أخرى، وتحديداً في مياهها الإقليمية، على غرار عملية “درع البحر المتوسط”، التي تهدف إلى حماية حوض محطة “جيهان” النفطية. بالإضافة إلى عملية “هارموني” في البحر الأسود، وهي مبادرة أمنية تركية بمشاركة متفاوتة من قبل روسيا وأوكرانيا ورومانيا. وقد اختتمت هذه العمليات بإنجاز مهمات بحرية في بحر إيجة.   

وبعيداً عن هذه العمليات الوطنية، واصلت القوات العسكرية التركية خلال سنة 2017 احترام التزاماتها تحت مظلة حلف الشمال الأطلسي، ومنظمة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، أو في إطار المشاركة في تحالفات إظهار حسن النوايا. وتعد هذه العمليات، التي تحمل بعض المخاطر إلا أنها تظل أقل خطورةً عسكريا مقارنة بمهام مكافحة الإرهاب، جزءاً من استمرار تركيا في إبراز مدى ارتباطها بالناتو (على الرغم من تقاربها مع روسيا، الذي قد يعتبر تقارباً مؤقتا).

كما تأمل تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على الرغم من تجمّد عملية التفاوض، علاوةً على إبداء رغبتها في المشاركة في حل الصراعات ضمن السياق الدولي.

وبالحديث عن حلف الناتو، تشارك تركيا في مهمة “الدعم الحازم” في أفغانستان (التي حلت محل مهمة “إيساف” أو قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان، في غرة كانون الثاني/يناير في سنة 2015)، وذلك عبر المشاركة في “قيادة التدريب والمساعدة والمشورة”. ويقع مقر عملية “الدعم الحازم” في كابل، كما تشارك تركيا في ضمان حسن سير عمل مطار “حامد كرزاي”.

وفي كوسوفو، التي تنتشر فيها “قوات كوسوفو” منذ سنة 1999، توفر تركيا بدورها فيلق مشاة آلي، وفرق اتصال ومراقبة، وعناصر للدعم. كما شاركت تركيا في “عملية حارس البحر”، التي حلت محل عملية “المسعى النشط” خلال سنة 2016، من خلال وحدات بوارج حربية وغواصات وفرق تدريب متنقلة.

بالإضافة إلى ذلك، أنجزت تركيا مهاما خلال سنة 2017، تحت مظلة مجموعة الناتو الدائمة لمكافحة الألغام، فضلاً عن مهامها في إطار مجموعة الناتو البحرية الدائمة الثانية، حيث ساهمت في مكافحة الهجرة غير الشرعية.

وتحت رعاية الأمم المتحدة، تشارك تركيا في قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (أو ما يعرف بقوات اليونيفيل-2 منذ 2006) ببوارج حربية وطاقم متكامل في مركز قيادة اليونيفيل في الناقورة. كما أرسلت طاقماً لدعم بعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في كوسوفو، التي أُنشئت سنة 1999، وبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال التي تأسست خلال سنة 2013.

أما فيما يتعلق بعمليات الاتحاد الأوروبي، فلا زالت تركيا تساهم في عملية “ألثيا” في البوسنة والهرسك، التي انطلقت في 12 حزيران/يونيو سنة 2004، بقوات تشارك في المناورة وفرق اتصال ومراقبة.

وبشأن العمليات التي تُجرى في إطار تحالفات إظهار حسن النوايا، أمنّت تركيا قيادة “قوة العمل المشترك 151” بين 29 حزيران/يونيو والثاني من تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2017. وتتمحور مهام هذه القوة حول مكافحة القرصنة البحرية في خليج عدن، وفي المياه الإقليمية، وعلى امتداد الساحل الصومالي، وخليج عمان، والمناطق المتاخمة له. كما زودت تركيا القيادة العامة للقوات البحرية المتحالفة المنتشرة في البحرين، بالموظفين.  

وفي الحقيقة، سيكون هذا التقييم منقوصاً إذا لم تقع الإشارة إلى المبادرات العملية العسكرية الثنائية. فمنذ 30 أيلول/سبتمبر سنة 2017، قامت القوات المشتركة الصومالية التركية بتدريب 100 ضابط صومالي و45 ضابط صفٍّ على مكافحة الإرهاب. وبالتزامن مع ذلك، تشارك تركيا في إعادة تشكيل القوات المسلحة المحلية.

وتجدر الإشارة إلى أن مقر قيادة القوات البرية في قطر قد تأسس خلال سنة 2015، إلا أنه انطلق في عملياته العسكرية على ضوء التدريبات المشتركة في سنة 2017. وقد أضحى مقراً عسكرياً مشتركاً في قطر خلال السنة ذاتها، حيث يواصل المضي قدماً، تحت هذه الهيكلة، في أنشطته التكوينية.

وفي الختام، قدّمت القوات الجوية التركية خلال سنة 2017 مساعدات إنسانيةً أيضاً، كإرسال طائرة إيرباص إيه 400إم على سبيل المثال، في 14 تشرين الأول/أكتوبر، إلى الصومال لمساعدة ضحايا الهجمات الإرهابية. كما قدمت هذه القوات مساعدات للعراق على خلفية تعرض السليمانية لزلزال في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، فضلا عن المساهمة في نقل مساعدات إلى بنغلادش في 13 كانون الأول/ديسمبر لصالح اللاجئين من الروهينغيا.

ولعل العملية الأخيرة التي يجب تسليط الضوء عليها، والتي تعد الأهم من حيث عدد العناصر المنتشرة، تتمثل في التواجد المتواصل للقوات التركية في شمال قبرص منذ 20 تموز/يوليو سنة 1974.

ومن المرجح أن تشهد سنة 2018 استمرار كافة هذه العمليات تقريباً، مع المحافظة على شكلها الحالي، أو في شكل مغاير، فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب. وفي الوقت الحاضر، تواجه وزارة الدفاع الوطني، المُكلفة بالتجنيد لصالح الجيش التركي، تحدياً يتجسد في تكوين ما يكفي من الكفاءات وخلق الدوافع، وذلك لسد النقص الذي خلفه فقدان عناصر من الوحدات العسكرية على خلفية عمليات التطهير الأخيرة.

ويبدو هذا التحدي صعباً، خاصةً من ناحية التكوين والتدريبات الطويلة والمكلفة، على غرار تكوين طيارين لقيادة الطائرات المقاتلة، الذين يشاركون الآن بشكل واسع في العمليات الجارية.

الكاتب:  باتريس مويوفر

المصدر: المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية

الرابط: http://www.iris-france.org/106828-larmee-turque-bilan-operationnel-de-lannee-2017/

____________________________________________

* ترى تركيا، على ضوء قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عدد 688 بتاريخ 5 نيسان / أبريل سنة 1991، أن شمال العراق لا يزال جزءاً قانونياً من العراق، ولكنه يعد في الواقع “منطقة غير خاضعة لسلطة حكومية”. (سيركان سميح أكوتاي ودافوت أتيش – مجلة كلية الحقوق بجامعة غازي، 2013).

أضف تعليقاً

اضغط هنا لاضافة تعليق

Leave a Reply