المرصد

كونراد أديناور: المرحلة الثانية في سياسة الهجرة المغربية

569c09eec3618870058b456e

نشرت مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية دراسة سلطت من خلالها الضوء على المرحلة الثانية من سياسة الهجرة المغربية، التي تهدف إلى تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين، علما وأن الحكومة المغربية قد أعلنت سنة 2014 عن مبادرة أولية لإدماج اللاجئين في المجتمع المغربي. ولكن، على الرغم من الأهداف السامية لهذه المبادرة إلا أنها لاقت انتقاد العديد من الأطراف.

 

أعلن العاهل المغربي، محمد السادس، بتاريخ 12 كانون الأول/ ديسمبر سنة 2016، عن قرار يقضي بتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين غير الشرعيين في المغرب. وقد اتخذ هذه الخطوة في إطار الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، ليدخل هذا القرار حيز التنفيذ بعد ثلاثة أيام من إصداره، مع العلم أنه ساري المفعول لمدة سنة فقط.

 

والجدير بالذكر أن هذا القرار يعد تكملة لمبادرة تسوية وضعية المهاجرين التي أعلنت سنة 2014، والتي ساهمت في تسهيل عملية إدماج المهاجرين غير الشرعيين في المجتمع المغربي، فضلا عن منحهم حق التمتع بالخدمات المتعلقة بالتعليم والصحة، بالإضافة إلى تمكينهم من لانخراط في سوق الشغل المغربية.

 

من المعروف أن المغرب يعد بلد عبور للكثير من الأفارقة الذين يحاولون باستمرار اجتياز الحدود المغربية خلسة نحو المدينتين الإسبانيتين المحتلة من طرف إسبانيا، سبتة ومليلة علما وأن الاتحاد الأوروبي يرفض الاعتراف بهما كمدينتين تابعتين للتراب الإسباني.

 

في إطار الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، اتخذ المغرب سنة 2014 عدة إجراءات في سبيل تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين وتشجيعهم على الاندماج في المجتمع المغربي. وتبعا لذلك، تحول المغرب في غضون بضع سنوات إلى دولة عبور ومقصد للعديد من المهاجرين الوافدين من الصحراء الإفريقية الكبرى.

 

 ومن هذا المنطلق، تحصل، سنة 2014، أكثر من 25 ألف مهاجر غير شرعي على ترخيص الإقامة الدائمة في المملكة المغربية، إذ أن 90 بالمائة من مطالب اللجوء حظيت بموافقة السلطات المغربية. وتجدر الإشارة إلى أن 24 بالمائة من المهاجرين  الأفارقة وافدون من السينغال، بينما 16 بالمائة من نيجيريا وساحل العاج، في حين ينحدر 19 بالمائة من المهاجرين العرب من سوريا.

 

شملت التسهيلات القانونية المخصصة للمهاجرين مختلف الفئات، حيث تم احتساب أزواج المهاجرين وبقية المهاجرين القاطنين بصفة قانونية في المغرب، فضلا عن تمكين أبنائهم من مختلف الحقوق. ومن جهة أخرى، تحصل العاملون المهاجرون في المغرب بصفة قانونية، وأولئك القاطنون في المغرب لمدة خمس سنوات على تراخيص إقامة دائمة. علاوة على ذلك، استفاد من هذا الإجراء المهاجرون المصابون بأمراض مزمنة.

 

وفي شهر آذار/مارس 2015، نشرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بالاشتراك مع مجموعة مكافحة العنصرية للدفاع ومرافقة الأجانب، وهي مجموعة مغربية مناهضة للعنصرية، تقريرا حول هذا القرار القاضي بتسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين. وقد وقع توجيه عدة انتقادات للسلطات المغربية من خلال هذا التقرير، أبرزها حول عدم كفاءة الموظفين المغربيين التي تحول دون النظر في مطالب اللاجئين. فعلى الرغم من تفعيل القانون الجديد إلا أن اللاجئين القاطنين في الدار البيضاء مطالبون بتقديم جوازات السفر وبطاقات الهوية المؤقتة قصد تسوية وضعيتهم. في المقابل، يمكن للاجئي بقية المدن تقديم وثيقة هوية واحدة.

 

علاوة على ذلك، انتقد التقرير طريقة رفض المطالب، حيث يتم إبلاغ بعض اللاجئين برفض مطالبهم بصفة شفوية ودون ذكر الأسباب. كما أن الموظفين لن يتمكنوا من تحديد مدة إقامة كل لاجئ بصفة دقيقة. خلافا لذلك، ثمّن هذا التقرير لجنة المتابعة الوطنية، التي أحدثت بتاريخ 27 حزيران/ يونيو سنة 2014، وذلك في إطار قرار تسوية وضعية اللاجئين. ويتمثل دور هذه اللجنة في دراسة المطالب التي قوبلت بالرفض، وتتولى مهمة مراقبة حُسن سير عمليات التسوية.

ماهو الجديد في المرحلة الثانية من مبادرة تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين؟

مقارنة بالمبادرة الأولى، لم تكن المرحلة الثانية من إستراتيجية تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين بمثابة رد على الانتقادات الموجهة للحكومة المغربية بشأن سياسة الهجرة. وتجدر الإشارة إلى أن الملك المغربي قد أعلن عن المبادرة بعد يوم من ترحيل ما لا يقل عن 260 ألف لاجئ مالي من قبل الحكومة الجزائرية في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي. وفي هذا الإطار، أفاد هشام رشيدي، الكاتب العام لمجموعة مكافحة العنصرية للدفاع ومرافقة الأجانب والمهاجرين، أنه لا يجب انتظار تكوين حكومة أخرى حتى يتم تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين.

 

وفي السياق ذاته، تم وفتح أبواب مكاتب الهجرة التي أحدثت في السابق أمام اللاجئين على أن يتم في البداية إصدار تراخيص إقامة صالحة لمدة ثلاث سنوات. فضلا عن ذلك، وقع تحسين آليات عمل هذه المكاتب نظرا لأن السلطات المغربية مددت من تراخيص الإقامة لمدة سنة واحدة دون دراسة الملفات بشكل جيد.

 

وفي منتصف شهر أذار/ مارس الماضي، صادق وزير الهجرة المغربي، أنيس بيرو، على حوالي 18 ألف مطلب تسوية وضعية في قرابة 69 مكتب هجرة. في الواقع، يستفيد من هذه الإستراتيجية المهاجرون الذين تمكنوا من تسوية وضعياتهم سنة 2014، بمن فيهم أولئك العالقون بالمغرب أو بعض المهاجرين الذين وصلوا إلى المغرب بعد الإعلان عن مبادرة التسوية الأولى.

لم تنل هذه المبادرة إعجاب العديد من الأطراف على غرار نائب رئيس جمعية “ضوء على الهجرة غير الشرعية بالمغرب”، إيريك باميلا، الذي نادى بتيسير شروط التسوية نظرا لأن هذه المبادرة لن تنجح في تسوية وضعية أغلب المهاجرين وخاصة أولئك القاطنين في المغرب منذ خمس سنوات دون عمل أو وثائق رسمية.

 

يبقى الاندماج مشكلا أساسيا

رغم كل الجهود المبذولة من الحكومة المغربية من أجل تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين سنة 2014، إلا أن هذه الشريحة لم تتمكن من الاندماج في المجتمع المغربي بالشكل المطلوب. ويعزى سبب ذلك إلى أن أغلب المهاجرين فشلوا في التواصل مع الشعب المغربي نتيجة  الأحكام المسبقة التي تحملها معظم فئات الشعب المغربي تجاه المهاجرين.

 

من جهة أخرى، لم ينجح المهاجرون في تسوية كل إشكالياتهم القانونية بالشكل الكامل. علاوة على ذلك، يعمل المهاجرون في ظروف قاسية، كما أنهم يتعرضون لممارسات عنصرية، إلى جانب الصعوبات التي يلقونها في سوق الشغل، ناهيك عن عدم تمتعهم بالخدمات الصحية. لهذا السبب، ركزت المبادرة الثانية على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي والقانوني للمهاجرين. وفي هذا السياق، يسرت الحكومة من إجراءات الدخول في سوق الشغل بالنسبة للمهاجرين.

 

إلى جانب ذلك، تم إحداث منظمة العمال الأجانب بالمغرب، وهي منظمة نقابية تابعة للمنظمة الديمقراطية للعمل تعنى بشؤون العمال اللاجئين والمهاجرين. فضلا عن ذلك، تمكن المهاجرون عبر وساطة هذه المنظمات بالتمتع بالمنازل المدعومة من قبل الحكومة المغربية.

 

في إطار المبادرة الثانية، تمكن المهاجرون من الاستفادة من البرامج الثقافية والرياضية، بالإضافة إلى مختلف الخدمات الاجتماعية. في الحقيقة، لا تهدف هذه المبادرة إلى إطلاع المهاجرين على الثقافة المغربية واللغة العربية فحسب، بل تسعى أيضا إلى تطوير الثقافة على نطاق أوسع.

 

المغرب كنموذج

لا تعتبر المبادرة المغربية لتسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين مختلفة عن سياسة الهجرة التي تتبعها مختلف الدول الأوروبية فحسب، بل تعد سياسة استثنائية في القارة الإفريقية. والملفت للنظر أن المملكة المغربية تعد ثاني دولة إفريقية مستقطبة للمهاجرين، وفق تقرير “إيكسبات إنسايدر 2016″، وذلك بعد أوغندا التي تمنح لمهاجريها قطعة أرض بالإضافة إلى ترخيص بالعمل.

 

والجدير بالذكر أن مبادرة الملك المغربي قد لاقت استحسان مختلف الأطراف الدولية والإفريقية، وذلك لما تعكسه من جهود الملك المبذولة في مجال الهجرة. فضلا عن ذلك، رحب المجتمع المدني المغربي بهذه المبادرة، كما أشادت الأمم المتحدة بالجهود المغربية. وفي هذا السياق، شدد ممثل المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، جان بول كافليري، على التعاون المشترك مع الحكومة المغربية في قضية المهاجرين.

 

وفي إطار هذا التعاون، أمضى كل من وزير الهجرة المغربي ومنسق البرنامج التنموي للأمم المتحدة بالمغرب، فيليب لوانسو، فضلا عن سفيرة المنظمة العالمية للهجرة، أنا فونسيكا، على برنامج هجرة تكميلي. والجدير بالذكر أن هذا البرنامج ينص على تقديم دعم مالي للمملكة المغربية يقدر بحوالي 13 مليون دولار أمريكي، وذلك تقديرا لجهودها في سبيل إدماج المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين.

 

هل تعد سياسة الهجرة المغربية جزء من إستراتيجية دبلوماسية؟

منذ الإعلان عن الدستور الجديد سنة 2011، اعتمدت المملكة المغربية  على إستراتيجية دبلوماسية حديثة، حيث اعترفت بأغلب الاتفاقيات الدولية، إلى جانب جهود الملك المغربي من أجل الاندماج في الإتحاد الإفريقي بشكل فعال. وفي الإطار ذاته، أعلنت المملكة المغربية في شهر كانون الثاني/ يناير سنة 2017 عن نيتها أن تكون رائدة في القارة الإفريقية، وهو ما يفسر تنازل المملكة المغربية عن السياسة الحمائية الأوروبية مقابل العمل على التعاون مع الدول الإفريقية.

 

عموما، برهن الملك المغربي أن الهجرة لا تمثل مشكلا اقتصاديا واجتماعيا، بل يمكن أن تكون فرصة لحصد إعجاب الأطراف الدولية والإقليمية. وعلى ضوء هذه السياسة، ستتسنى للمغرب فرصة للمغرب التعريف ببرنامجه المتعلق بالهجرة لدى المجتمع الدولي، وذلك خلال فترة رئاسته بالاشتراك مع ألمانيا للمنتدى الدولي للهجرة والتقدم على امتداد سنتي 2017 و2018. كما يمكن للمغرب أن يعمل على تعزيز التعاون مع ألمانيا في هذا المجال.

 

المادة مترجمة عن مؤسسة كونراد أديناور للإطلاع على المادة الأصلية هنا