المرصد

ستراتفور : أزمة التعاون بين القوى الدولية في سوريا

160413114220_alep_640x360_ap_nocredit

يمكننا القول أن أحد أهم المواضيع الساخنة في مجالات السياسة الخارجية الأمريكية في موسم الانتخابات هذا يرتكز على فكرة ” الاعتماد المجاني ” وهو ما يمارسه حلفاء امريكا ويحكم تصرفاتهم في مناطق النزاع. وعادة ما تجد نفسها في موقف لا تحسد وتضطر دوماً لتطوير السلاح لتحقيق ما يشبه التوازن تحت ضغط موارد حلفائها المحدوة وخوفهم من أخذ زمام المبادرة واعتماد حلفاء على أن هناك قوة عسكرية كبيرة مستعدة للتدخل في حال ما اختلت موازين القوى، وبلا شك فإن أي خطة تنبني على هذه الحقائق من شأنها أن تثقل كاهل المؤسسة الأمريكية وخططها.

ولذلك حين تحاول بلدين ذات قدرات عالية الانضمام للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، ترد الولايات المتحدة بالرفض وبسبب وجيه من وجهة نظرها. هذا الوضع الغريب الذي تجد الولايات المتحدة نفسها به للتعامل مع وتركيا في إطار الحرب ضد .

القوى الديمقراطية السورية المدعومة من الولايات المتحدة تتقدم بثبات نحو الجنوب باتجاه معاقل داعش في . وبلا شك فإن هذه العملية ستكون بطيئة وشاقة للغاية. وبمجرد أن تتمكن قوات قوات الديمقراطية من الوصول إلى قلب المدينة ستواجه عدداً كبيراً من الفخاخ و الخدع والانتحاريين، ولن تتمكن الولايات المتحدة من توفير دعم جوي كافي لهذه القوات خاصة وأن داعش تستخدم دروعاً بشرية في تلك المعارك.

روسيا من جهتها أحدثت ضجيجاً كبيراً في الآونة الأخيرة حول رغبتها في تقديم يد العون لهجوم الرقة، مستغلة كل فرصة للتأكيد على أن روسيا وأمريكا تنسقان فعليأً على أساس يومي في ساحة المعركة السورية. وكما قال وزير الخارجية الروسي سيرخي لافروف يوم الإثين الماضي:” نأمل أن تشاركنا الولايات المتحدة وتتعاون معنا بصدق دون السعي لتنفيذ خطط أخرى من وراء ظهورنا”. وبدون انتظار الرد الأمريكي، بدأت روسيا بتعزيز موقف قوات النظام جنوب مدينة الرقة بالإضافة إلى تعزيز حملة النظام على بلدة “الطبقة” التي تبعد 24 كم إلى الغرب من الرقة معقل داعش.

وبالطبع تسعى الولايات المتحدة لإنجاح الهجوم على الرقة. وفي حال نجحت خطة روسيا في دعم قوات الأسد وتمكنت من استعادة السيطرة على الطبقة، وهي بذلك ستؤثر على خطوط إمداد داعش بما يدعم امكانية نجاح هجوم قوات سوريا الديمقراطية على المدينة. لكن الولايات المتحدة أن المساعدة الروسية في هذه المعركة لن تأتي بالمجان، فقد حاولت روسيا بالفعل من خلال محادثات السلام وغيرها استخدام تواجدها في سوريا لدفع الولايات المتحدة للتفاوض على القضايا الأوسع نطاقاً – مثل العقوبات المفروضة على روسيا بسبب أوكرانيا وحجم الحشد العسكري لحلف الناتو في أوروبا على سبيل المثال.

وسبق للبيت الأبيض أن تقبل حواراً حول التنسيق التكتيكي مع موسكو هنا وهناك، لكن لا واشنطن لا تشعر أنها مجبرة على وجه الخصوص لتقديم تنازلات جوهرية لروسيا، وعليه فواشنطن تستمر في احباطها لموسكو وتبقى على مسافة من تلك التجاذبات. وكان السكرتير الصحفي للبنتاجون بيتر كوك في تصريح له قد قلل من مزاعم روسيا بشأن التنسيق مع الولايات المتحدة في سوريا موضحاً أن البلدين ينسقان عند الضرورة فحسب لتجنب اشتباك الطائرات الحربية مع بعضها البعض. وأضاف كوك :” نحن لا نرى ” التنسيق” كمسألة جوهرية الآن، وإذا كان كذلك فإننا على استعداد تام لمعالجته”.

وتسعى روسيا خلال الأسابيع القادمة إلى ضمان جعل التنسيق قضية لا يمكن تجنبها بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة بعد اقتراب القوات الموالية للنظام والمدعومة من روسيا من قوات روسيا الديمقراطية – المدعومة أمريكياً في معركة الرقة. ويمكن لروسيا أن تظهر نفسها في هذه المعركة إما كحليف للمساعدة في هزيمة داعش او معوقاً في وجه قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً.

روسيا ليست الوحيدة التي تحاول الاستفادة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا، فتركيا تراقب بقلق تحركات قوات سوريا الديمقراطية والتي تقود هجوماً منفصلاً باتجاه منطقة التي تسيطر عليها داعش وتبعد قرابة 40 كم من الحدود السورية التركية.

ولم لم تكن على خلاف مع روسيا لرأيناها تقود هذا الهجوم على الأقل لمنع القوات الكردية العاملة في إطار قوات سوريا الديمقراطية من الاستفادة من فراغ السلطة الناتج عن دحر داعش من هناك وضم هذه المناطق للسيطرة الكردية.وسبق لتركيا أن عبرت عن استيائها الشديد من الولايات المتحدة ومواصلة تعاملها مع قوات روسيا الديمقراطية. وللحفاظ على سير العمليات قدمت الولايات المتحدة ضمانات لتركيا تؤكد على قيام الولايات بتوظيف المزيد من القوات العربية ضمن قوات سوريا الديمقراطية في عملية منبج والتي من شأنها أن تقلل فوئد وحدات حماية الشعب الكردية من هذه العملية.

لكن هذه التأكيدات هي تأكيدات مخادعة بعض الشيء، فتركيا تعلم بأن الولايات المتحدة ستكون عائقاً فعالاً أمام التوسع الكردي فقط في حال ما استمر اهتمامها بكثافة في الحرب ضد داعش. وبقدر ما تنجح في تحقيق أهدافها ستنسحب الولايات المتحدة تاركة الميدان للقوات المحلية للتحكم به. عند هذه النقطة، تريد تركيا أن تكون مستعدة لملئ هذا الفراع. وحذرت تركيا مراراً من أي انتهاك واضح للتفاهم مع الولايات المتحدة سيولد رد فعل تركي غير متوقع. وكما سبق لوزير الخارجية التركي  مولوت جاويش أوغلو أن صرح :” إذا ارادت توفير المساعدة اللوجستية في مناطق شرق الفرات فذلك وارد، ولكن بعد انتهاء العمليات العسكرية، لا نريد عضواً واحداً من في مناطق غربي نهر الفرات”.

تركيا تعيش وضعاً يبرر لها فعلياً أي تدخل مستقبلي شمال سوريا، ولكن لا يزال هناك الكثير من التفاصيل المزعجة لأنقرة والتي يجب عليها العمل عليها، مثل التفاهم مع موسكو لتجنب الاشتباك في ساحات القتال. وكما تتقدم القوات المدعومة من روسيا وأمريكيا باتجاه الرقة تبحث تركيا عن فرصة لفتح حوار إجباري مع واشنطن وروسيا للمساعدة في تمهيد الطريق للتدخل التركي المحتوم.