المرصد

الموقع الإسباني للدراسات الاستراتيجية: التدخل الروسي في سوريا.. استعراضٌ للوضع العام وطرح سيناريوهات المستقبل

rusia_intervencion_siria

نشر الموقع الإسباني للدراسات الاستراتيجية دراسةً تطرّق فيها الكاتب إلى السيناريوهات المستقبليّة للتدخل الروسي في سوريا. وقال الكاتب إن الشرق الأوسط لا يزال على رأس أولويات روسيا، وإن تدخل روسيا في سوريا ليس هدفاً في حدّ ذاته، بل هو لا يعدو أن يكون وسيلةً لتحقيق غاياتٍ أخرى.

وبيّن الكاتب أن قرار روسيا المشاركة عسكرياً في الصراع السوري ناتج عن مجموعةٍ من العوامل؛ على غرار التدخل الغربيّ في ليبيا والحاجة إلى كسر عزلتها الدولية، فضلاً عن ضمّ شبه جزيرة القرم إلى حدودها. كما تعتبر هذه الخطوة صادرةً عن رغبتها في الاستفادة من المعركة ضدّ “تنظيم الدولة”؛ لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، وعلى الرغم من تحقيق النجاح الجزئي والاعتراف بدورها الدبلوماسي، إلا أنه من غير المحتمل أن تحقق موسكو أهدافها بالكامل، أو أن تنجح في إقامة تعاونٍ دائمٍ مع واشنطن.

والجدير بالذكر أن القصف الروسي قد مكَّن النظام السوري من الصمود ضدّ مختلف الجماعات المتمردة. وفي الوقت نفسه فإن الوجود العسكري الروسي قد ساهم في ردع الجهات الفاعلة الخارجية الأخرى، وزاد من التدخلات التي تهدف إلى الإطاحة بحكومة دمشق.

إلى جانب ذلك، وتحديداً خلال عهد أوباما، ساهمت الولايات المتحدة في توريد الأسلحة إلى الجماعات المتمردة. لكن من الواضح أنها، بعد وصول ترامب إلى الحكم، قد ركزت جهودها في المقام الأول على القتال ضدّ “تنظيم الدولة”. بالإضافة إلى ذلك تعتبر الإدارة الأمريكية الجديدة أكثر تقبلاً للأطروحة الروسية بخصوص ضرورة التعاون الدولي لهزيمة هذه المجموعات المتطرفة. وفي حين فشل كلا الطرفين في توحيد العمليات في سوريا، لكنهما تمكّنا من إرساء خطوطٍ معيّنة للاتصال فيما بينهما.

وفي هذا السياق تسعى هذه الدراسة إلى تحليل مختلف العوامل التي تحدد موقف روسيا من الصراع في سوريا، ليتم التمكن فيما بعد من تحديد مدى نجاح موسكو في تحقيق هذه الأهداف، وتحديد السيناريوهات المحتملة في العقود القادمة.

هل عادت روسيا للتدخل من جديد؟

من الواضح أن المصالح الروسية في المنطقة تختلف عن مصالح القوات الأخرى، وذلك يعود إلى جملةٍ من الأسباب. وخلافاً لذلك فإن التصورات الروسية في الشرق الأوسط لا تختلف كثيراً عن التصورات الغربية الأخرى. فعلى سبيل المثال ساهم تصاعد الإرهاب في روسيا خلال فترة منتصف التسعينات، نتيجة تغلغل الجماعات المتطرفة في صفوف الجماعات الانفصالية الشيشانية، في زيادة قلق السلطات الروسية ودعم التدخل في سوريا.

ما هي أهداف التدخل الروسي؟ وما هي نيات موسكو المبيّتة وراء دعمها العسكري القوي لدمشق؟

يشير بعض الخبراء إلى طموحات الكرملين المزعومة لاستعادة الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي من خلال هذا التدخل الجديد وإعادة أمجاده الضائعة، ما من شأنه أن يسمح له بتعزيز شبكة قواعده العسكرية في الخارج. علاوةً على ذلك فهناك من ينظر إلى الحرب الأهلية السورية على أنها مجرد سيناريو تقوم فيه روسيا بشن “حربٍ هجينة” ضدّ الغرب، ومن ثم فإن تحليل السياسة الخارجية الروسية قد ترك هامشاً واسعاً من التفسيرات.

وتجدر الإشارة إلى أن الهدف الرئيسي من التدخل الروسي في سوريا يكمن في تفادي هزيمة القوات الحكومية العسكرية، التي من شأنها أن تؤدي إلى انهيار النظام في دمشق. لكن ذلك لا ينفي تأثير عوامل أخرى تفسر سبب قرار روسيا بإرسال قواتها في هذا الوقت بالذات، بدلاً من الاستمرار في الاقتصار على توفير الدعم الدبلوماسي أو الاقتصادي أو توريد الأسلحة لنظام الأسد.

من ناحيةٍ أولى، كان التنافس مع إدارة أوباما عاملاً أساسياً للدخول في الحرب السورية. فقد كان يتعين على موسكو تأكيد سلطتها وفرضها كقوةٍ مهيمنة، والحكم المسبق على نتيجة الصراع، لتمنع بذلك واشنطن من الانتصار وتفرض تغييراً جديداً للنظام العالمي. وبعدما خلفه الصراع في أوكرانيا شهدت المصالح الروسية هزيمةً واضحة، رغم نجاحها في ضمّ شبه جزيرة القرم في وقتٍ لاحق.

من ناحيةٍ أخرى، ترغب موسكو في التعبير عن دفاعها عن المفهوم التقليدي للسيادة، وعن معارضتها للتدخلات الإنسانية الجديدة، مثل تلك التي شهدتها ليبيا. وذلك لن يتم إلا عن طريق فرض وجودها على الأراضي السورية؛ لمنع الإطاحة بالأسد بالاعتماد على مبدأ “مسؤولية الحماية”.
وفي نهاية المطاف، إن مكافحة “تنظيم الدولة” وخاصةً التهديدات المستقبلية التي ستواجهها روسيا لاحقاً، على إثر عودة الجهاديين الروس الذين انضموا إلى صفوف “تنظيم الدولة”، تدخل أيضاً ضمن حسابات الكرملين، الذي استخدم هذه الحجة ليؤكد أن تدخل البعثة الروسية لا يهدف إلا إلى مجابهة الإرهاب.

“متلازمة ليبيا” ودور الأمم المتحدة

وفقاً لتصريحات متتالية للقادة الروس يبدو أن هناك وجه شبهٍ واضحٍ بين سقوط نظام القذافي في ليبيا واحتمال تحوّل سوريا إلى دولةٍ فاشلة، إذا ما تمت الإطاحة القسرية بالأسد. كذلك من الواضح أن موسكو قد كسرت مع الموقف التقليدي للدبلوماسية الروسية، بسبب وجود رئيس الوزراء الروسي “دميتري ميدفيديف” في الكرملين. كما أنها لا ترغب في تعكير المناخ الجديد للعلاقات مع واشنطن، الذي أصبح أكثر ملاءمةً نتيجة إعادة صياغة السياسات التي فرضتها إدارة أوباما.

والجدير بالذكر أن “متلازمة ليبيا” لا تزال متواصلة إلى حدّ اليوم في موسكو، التي ترفض قطعاً أي “تدخل إنسانيٍّ” جديدٍ في الشرق الأوسط، وتعمل على منع مجلس الأمن من التحرك ضدّ الأسد. كما تداخلت في هذه المسألة عدة عوامل محلية ودولية أخرى، على غرار تزايد احتجاجات المواطنين الروس ضدّ الحكومة، فضلاً عن استحواذ المعارضة الأوكرانية على السلطة في أوائل سنة 2014.

تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والتحالف ضدّ تنظيم الدولة

عند تدخلها في سوريا سعت روسيا إلى تجاوز العزلة الدولية التي خضعت إليها إثر ضمّ شبه جزيرة القرم، لتتمكن من ضمان قبولها كطرفٍ مشارك في المفاوضات بشأن سوريا. وفي حين فشلت تحقيق هدفها الأخير، يبدو أن انضمام روسيا إلى الحرب قد منحها دوراً بارزاً على طاولة المفاوضات، التي انتهت بدعوة الولايات المتحدة، قبل وصول “دونالد ترامب” إلى سحب مطلبها الذي يقرّ بتخلي الأسد دون قيد أو شرط عن السلطة.

بالإضافة إلى ذلك تمكنت روسيا من وقف محاولات الولايات المتحدة إنشاء منطقة حظرٍ جوي، سيراً على خُطا النموذج الليبي، كخطوةٍ أولى لمنع أي “تدخلٍ إنسانيٍّ” محتمل، من شأنه أن يستهدف النظام نفسه.

في المقابل كان للتدخل الروسي تأثيرٌ عكسي على المعارك في سبيل مكافحة “تنظيم الدولة”، حيث زادت واشنطن من تدخلها العسكري في سوريا. ومقارنةً بإدارة أوباما بدت إدارة ترامب أكثر استعداداً لتعزيز تعاونها مع روسيا، على الأقل فيما يخص الحرب ضدّ الإرهاب. لكنّ هذا لا ينفي أن العقبات الرئيسية لا تزال قائمة.

من جهةٍ أولى، ساهمت الاتهامات الموجهة لترامب بخصوص التآمر مع بوتين منذ الحملة الانتخابية، في نمو “التكلفة” السياسية لأيّ اتفاقٍ مع موسكو وإلى حدٍّ كبير. إلى جانب ذلك لا يوجد أيّ تعريفٍ مشترك للإرهاب بين كل من روسيا والولايات المتحدة، ولا وجود حتى لخطةٍ مشتركة فيما بينهما للوقوف أمام أسبابه؛ بما في ذلك التدابير الوقائية لمنع انتشار التطرف.

ومن الواضح كذلك أن العلاقة بين كل من روسيا والولايات المتحدة تفتقر إلى الثقة المتبادلة، ممَّا من شأنه أن يمنع أي تعاونٍ حقيقيٍّ بينهما. فعلى سبيل المثال، أثار الهجوم الصاروخي الأخير الذي شنته الولايات المتحدة ضدّ القاعدة العسكرية السورية العديد من الانتقادات من قبل المحللين الروس.

فيمَ تكمن أهمية مكافحة الإرهاب بالنسبة لموسكو مقارنة بأهداف وجودها في سوريا؟

من الجلي أن جزءاً كبيراً من القصف الروسي لم يكن موجهاً فعلاً ضدّ عناصر “تنظيم الدولة”، وإنما ضدّ القوى المناهضة للنظام. فالكرملين قد قام بتوسيع نطاق تعريف مصطلح “الإرهاب” ليضم كل المجموعات المتمردة ضدّ النظام؛ وذلك لتبرير الهجمات ضدّها، وكمحاولةٍ لاسترجاع شرعية حكومة الأسد المفقودة. ولطالما أظهرت روسيا، حتى في الفترة التي سبقت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، قلقاً حقيقياً إزاء بروز الإرهاب العالمي، وذلك يعزى أساساً إلى ظهور الجماعات المتطرفة في إقليمها، على ضوء المعارك التي جدت في الشيشان.

أما حالياً فقد انضم أكثر من 2000 مواطن روسي متطوع للمحاربة في صفوف “تنظيم الدولة” وغيرها من المنظمات الإرهابية الأخرى الموجودة في سوريا. ولعلّ دوافع تحوّل الكفاح من أوطانهم نحو الصراع السوري، مرتبطةٌ بحالة القمع التي يعيشها هؤلاء من قبل جهاز الأمن الاتحادي والإقليمي الروسي، بما في ذلك السياسة الوحشية للرئيس الشيشاني “رمضان قاديروف”.

الاستنتاجات والسيناريوهات المستقبلية

تمكّنت روسيا من تحقيق معظم أهدافها؛ حيث نجحت أولاً في منع الجماعات المتمردة من إسقاط الأسد. أما ثانياً فقد نجحت في ثني الولايات المتحدة عن تدخلها ضد النظام السوري في دمشق. وثالثاً، نجحت في الحصول على مركزٍ متفوّقٍ في المفاوضات حول مستقبل سوريا. ورابعاً، تمكنت من تحديث قواتها المسلحة. وفي المجمل نجحت في روسيا في تعزيز وضعها كقوةٍ عالمية قادرة على التأثير على النظام الدولي.

لا يمكن اعتبار نجاح روسيا في سوريا نجاحاً مطلقاً، على الرغم من الاعتراف بها كطرف حوارٍ ضروريٍّ في المفاوضات، وإجبارها للأطراف الأخرى على تبادل نفس النظرة تجاه الحكومة السورية. لكن ذلك غير كافٍ على الإطلاق للتوصل إلى حلٍّ للصراع. بالإضافة إلى ذلك نجد، بين العوامل الأخرى المساعدة لروسيا، قدرة بوتين على التوصل إلى اتفاق مع ترامب بشأن سوريا، أو أن يتبنى ترامب الأطروحة الروسية، وهو أمر مفروغٌ منه نظراً للخلافات القائمة بين الحكومتين. كما أن استمرار الخلافات بين السعودية وإيران من شأنه أن يزيد من فرص المواجهة المباشرة بين القوات الأمريكية والروسية على الأراضي السورية.

علاوةً على ذلك، إن الموقف الروسي “المتصلّب” وعدم إذعان الولايات المتحدة لقيادة موسكو يمكن أن يساهم في ترسيخ الصراع السوري، تماماً مثلما حدث في الصراع الأوكراني. من جهةٍ أخرى يدرك الكرملين تماماً أنه عاجز عن تقديم الدعم اللازم لشعبه إذا ما استمر التدخل العسكري في الخارج على هذا النحو. وعلى الرغم من أن نصف المواطنين يعتبرون أن التدخل الروسي في سوريا قد تكلل بالنجاح، إلا أن القلق يراود النصف الآخر منهم خوفاً من أي تصعيد محتمل نحو “حربٍ عالمية ثالثة” بين روسيا والغرب.

وفي شأن ذي صلة فإن هذه المخاوف لم تتولد عقب تدخل روسيا في الصراع السوري، وإنما تعود جذورها إلى الأزمة في أوكرانيا منذ سنة 2014. أما في حال حدوث موجةٍ جديدة من الهجمات الإرهابية على الأراضي الروسية، فذلك سوف يكون حتماً حافزاً إضافياً بالنسبة لروسيا لتمديد عملياتها العسكرية وزيادتها في سوريا.

وتبعاً لذلك أدى التدخل الروسي إلى تسليط الضوء مرةً أخرى على مفهوم “الحرب الهجينة” أو بمعنى آخر مفهوم “الحرب غير الخطية”، الذي تم استخدامه في الفترة الأخيرة على نطاق واسع لتفسير أي حركةٍ تشنها روسيا ضدّ الغرب، مهما كانت طبيعتها.

إلى جانب ذلك يشمل هذا المصطلح عدة ظواهر متنوعة؛ مثل التدخل الروسي السري في حرب دونباس (شرقي أوكرانيا)، أو الهجمات الإلكترونية للتأثير على الانتخابات الأمريكية، فضلاً عن الحملات التضليلية والدعاية عبر الإنترنت. وذلك لن يؤدي إلا إلى صعوبة فهم السياسة التي انتهجتها روسيا في كل هذه السيناريوهات.

ولعل مثال سوريا يؤكد أن روسيا لم تعتمد “الحرب غير الخطية” كعقيدة جديدة تنطبق على جميع أنواع الصراعات، وإنما تعتمدها فقط كوسيلة لاستخدامها في حالات مشابهة لحالة أوكرانيا، إذا ما أدى تدخلها إلى نتائج معاكسة تضر بالمصالح الروسية.

الموقع: الموقع الإسباني للدراسات الإستراتيجية

الكاتب: خافيير هيرنانديز موراليس

المصدر: http://www.ieee.es/Galerias/fichero/docs_opinion/2017/DIEEEO70-2017_Intervencion_Rusia_en_Siria_JavierMoralesHdez.pdf