fbpx
  • بحث

معهد هودسون: الطريقة النقشبندية الخالدية والإسلام السياسي في تركيا

تعود هذه المادة إلى تاريخ 3 سبتمبر 2015، حيث قام بنشرها لأول مرة. وتبرز أهمية هذه المادة بعد أحداث الانقلاب الفاشل في واتهام الحكومة التركية لجماعة الخدمة وزعيمها فتح الله بالوقوف ورائه، لذلك قام مركز إدراك بترجمتها ونشر الترجمة الكاملة لها كونها توضح أصول الطرق الصوفية وأثرها في الحياة السياسية التركية بشرح تاريخي موجز

بإمكانك الحصول على المادة الأصلية عبر الضغط على الرابط المرفق هنا

برزت تركيا في العقدين الماضيين على الساحة العالمية، وتمتعت بنمو اقتصادي كبير ألحقها بدول مجموعة العشرين المنحصرة في الاقتصادات العالمية الكبرى. وتحت حكم رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، تمتعت تركيا باستقرار سياسي غير مسبوق، إذ تمكن حزب العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية في إنجاز رائع وغير مسبوق للسياسة التركية.

أشاد الغرب بداية بوصول العدالة والتنمية إلى السلطة، وأشاروا إلى ذلك على اعتباره انتصاراً للقوى الديمقراطية على القوى الشبه سلطوية. ورث حزب العدالة والتنمية نظاماً تركياً عادة ما كانت قيادة الأركان العامة التركية والقضاء التركي ما يملي شروطه على المسؤولين فيه. لكن مع مرور الوقت، انتقل حزب العدالة والتنمية لتغيير تركيا بشكل متحول ومطرد بعيداً عن أوروبا، لا سيما مع التركيز عليها كقوة في الشرق الأوسط وتعزيز لنمو الإسلاميين وطغيان الطابع الطائفي الأيديولوجي بين السنة. وعلى مدى السنوات الخمسة الماضية، انتقل حزب العدالة والتنمية للقتال على الجبهة الداخلية، وحرص على غرس القيم الإسلامية في نظم التعليم المحلية. وفي مشاهد لم تكن واردة من قبل بضعة سنوات، لوح الرئيس أردوغان في القرآن خلال تجمعات عامة ضمن الحملة الانتخابية خلال يونيو 2015، بل إن تصريحاته باتت تبدأ غالباً باستشهادات من القرآن الكريم.

هذه المقالة لا تختص بدراسة الحكومة التركية، وإنما تقدم تحقيقاً في البيئة الأيديولوجية والدينية الحاضنة للإسلام السياسي في تركيا. فالإسلام السياسي التركي، ومعه السياسة التركية، يستندان بشكل متزايد على نظم الأخويات الدينية القوية التي تسمى عادة بـ “الجماعة” أو “الطريقة”. تشكل هذه المجتمعات البنية العميقة للسلطة التركية، وتشترك كلها في مصدر أيديولوجي مشترك وهي أنها تستمد أو تنبع أو تنتمي إلى الفرع الخالد من الطريقة النقشبندية الصوفية. وفي حين تختلف هذه الجماعات عن بعضها البعض في التفسير واللهجة، شكلت الجماعات النقشبندية الخالدية الإسلام السياسي في تركيا وذلك من خلال حزب العدالة والتنمية، وأصبحت النظرة الخالدية هي النظرة المهيمنة على السياسة في تركيا. ومع نظرة مبالغة بعض الشيء، يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية وجميع الحكومات التي قادها كانت تنفذ أوامر ونظماً دينية، وهي حقيقة يتجاهلها معظم محللي السياسة التركية. يتناول هذا المقال التعريف بخلفية الأوامر الدينية في تركيا، مع التركيز على النظام النقشبندي الخالدي، قبل دراسة فروع مختلفة من الطريقة يفترض أنها تملك أدواراً مهمة في السياسة التركية اليوم.

النظام الديني في أواخر العهد العثماني وأوائل أيام الجمهورية التركية

لعبت النظم والطوائف الدينية دوراً مهماً في السياسة والمجتمع التركي منذ العهد العثماني. وكانت هذه عبارة عن أجزاء أو أفرع من الطرق الصوفية في الإسلام. ويستند هذا التقليد على تلقي الإرشاد الروحي من سادة “مرشدين” يشكلون سلسلة ترجع إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام. ونتيجة لذلك، شكل هؤلاء المرشدون تجمعات مختلفة، تحول بعضها إلى نظم كبيرة “طرق” تغطي عدداً من البلدان والقارات. في المقابل، تنقسم هذه النظم إلى نظم فرعية أو فروع (كل) تنقسم بدورها إلى محافل (درجة). يصنف النظام النقشبندي ضمن الأكبر في العالم، ولعب دوراً حاسماً على مر التاريخ في انتشار الإسلام. وفي العصر الحديث، كان هناك العديد من الفروع لهذا النظام، ولم تكن هذه الفروع على وجه التحديد والدقة بقدر ما كانت جماعات دينية ذات طابع حديث بدلاً من الطابع الصوفي. فحركة “نور” وفروعها وحركة فتح الله غولن تعد أمثلة واضحة على ذلك.

طرأت تحولات عديدة على أدوار هذه الأنظمة، فقبل الإصلاحات التغريبية في القرن التاسع عشر، ارتبطت هذه الأنظمة بالبيروقراطية العثمانية بشكل وثيق، لكنها لم تعلب دوراً سياساً مباشراً هناك. وفي أواخر العهد العثماني، بدأت هذه النظم تضعف بشكل تدريجي لا سيما مع انتشار المبادئ التربوية العلمانية والغربية في المجتمع. وخلال السنوات الأولى من الجمهورية التركية، عانت هذه الأنظمة من مشاكل القمع الممنهج من قبل السلطة. لتعود هذه الأنظمة من جديد وتعاود الظهور بشكل تدريجي ابتداء من عام 1950 وحتى عام 2002 حيث تمكنت من الوصول إلى السلطة بشكل فعال.

يعود المد والجزر في تأثير الجماعات الدينية إلى هزيمة العثمانيين في فيينا، وما أعقب ذلك من خسائر عسكرية أمام القوى الغربية. إذ ساهمت هذه التطورات في تحريك عملية الإصلاح والتجديد وهو ما أدى تدريجياً إلى تراجع نفوذ العلماء والمؤسسة الدينية. ومن المفارقات أن الحركة النقشبندية “الأرثوذكسية” استفادت في البداية من تدمير سلك الإنكشارية في عام 1826، وأدى ذلك بداية إلى إغلاق الحركة “البكتاشية” (طريقة صوفية أخرى منافسة تدعي الاعتدال أكثر من النقشبندية)، التي كانت تدعي الاعتدال وتحظى بنفوذ كبير في البيروقراطية العثمانية. وخلال ذلك تمكنت النقشبندية من ملء فراغ “البكتاشية” في البيروقراطية والحياة الفكرية العثمانية.

في الوقت نفسه، صاحب النمو المضطرد في المدارس ذات النمط والطابع الغربي تأثر المدارس الدينية بشكل سلبي، وهددت هذه العلمنة -نفوذ العلماء الديني في الإمبراطورية العثمانية- مساهمة في تحفيز السلوك الكهنوتي في المعارضة الأيديولوجية لإصلاحات التغريب.

عملية تطهير “البكتاشية” تلك أدت إلى استفادة الطريقة الخالدية المتفرعة من النقشبندية، التي كانت تحت قيادة “خالد البغدادي” الذي استطاع أن يعطي الحركة زخماً وأهمية. إذ بدأ إصلاحه في أوائل القرن التاسع عشر، وقام بإيفاد عدد كبير من التلاميذ “قرابة 116 تلميذاً” إلى مختلف مناطق الإمبراطورية العثمانية وخارجها، بما في ذلك أفغانستان وإندونيسيا. تجاوز التأثير الخاص بهذه الحركات على المجتمع والسياسة التركية تأثيره الاعتيادي، بل إن أفكار هذه الحركة ساهمت بتأثير قوي على العديد من الحركات المختلفة، التي استلهمت أفكارها من تعاليم هذه الحركة، وبعضها ما زال يحظى بصلة سياسية في البلاد اليوم. وبشكل عام، يمكننا القول إن جميع الجماعات الدينية والمجتمعات المحلية في تركيا نهلت من حوض الخالدية. واحدة من الزوايا المعروفة في إسطنبول “إسكندر باشا” ساهمت في إنشاء حركة “رؤية الأمة Milli Görüş” وهي الحركة الوطنية التي تم إنشاؤها في منتصف الستينات وأنتجت الأحزاب السياسية المختلفة في تركيا، وكان يقودها نجم الدين أربكان بالإضافة إلى حركات مثل النورسية (Nurcu) والمنزلية (Menzil) (بما في ذلك جماعة فتح الله غولن) وتجمعات السليمانجي (Süleymancı) والإشكجشي (Işıkçı) وغيرها. جمعيها تنتمي إلى النظام الخالدي نفسه.

وفي الوقت الذي شهدت الجماعات والمدارس الدينية تراجعاً في أدوارها وتأثيرها على السياسة في القرن الأخير من عمر الإمبراطورية العثمانية، فإن معظمها امتلك تأثيراً كبيراً على الحياة الاجتماعية. وعلاوة على ذلك، منحت هذه الازدواجية (بين المدارس الدينية والحديثة) ميزات خاصة في التعليم. لكن ومع تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، تم إلغاء السلطنة والخلافة. وصدر لاحقاً في عام 1924 قانون مختص بتوحيد التعليم (Tevhid-i tedrisat kanunu) الذي بموجبه ألغيت جميع المدارس التي تقدم التعليم الديني. وبعد عام 1925 وتمرد الشيخ سعيد النورسي في الشرق الذي كان يقوده شيخ الطريقة النقشبندية، تم إصدار قانون في نوفمبر 1925 تم بموجبه إغلاق جميع التكايا والطرق والنزل الدينية، وبهذا انتهى الاعتراف القانوني بجميع الجماعات والطرق الدينية. وتبع ذلك في عام 1927 القرار بالانتقال إلى حروف الأبجدية اللاتينية في الكتابة للغة التركية، وهو ما زاد في تقليص نفوذ رجال الدين على الدولة ولا سيما في مجال التعليم. وهذا كله لم يكن صدفة، فأتاتورك وأتباعه سعوا صراحة إلى تحييد نظم الأخويات الدينية، وعزل أعضائها عن مناطق التأثير.

وبطبيعة الحال، ولدت هذه الثورة العلمانية الراديكالية رد فعل عنيف. اضطرت الجماعات الدينية للعمل تحت الأرض والتكيف مع استراتيجيات لصراع طويل الأمد، لا سيما في الأجزاء الشرقية من البلاد، حيث كانت سلطة الحكومة ضعيفة ما مكن الصوفية النقشبندية من مواصلة أنشطتها خلسة. وبحظر التعليم الديني، سافر كثير من الطلاب إلى الخارج طلباً له، وتركزت هذه الرحلات في المقام الأول في المراكز الإسلامية مثل القاهرة وبغداد ودمشق والمدينة المنورة.  جزء كبير من هؤلاء الطلاب قام بإعادة توريد للفكر السلفي أو فكر جماعة الإخوان المسلمين لدى عودتهم إلى تركيا. وبشكل لا يضاهي ما كان عليه الحال في العالم العربي، أخذت وجهات نظر المتشددين المحافظين طريقها إلى المجتمع التركي، ووجدت تعبيراً لها عبر المشهد السياسي. الأهم من ذلك، ارتبط بالأفكار تلك المتقاطعة مع الأفكار النقشبندية والنظام الخالدي، وعلى أرض الواقع جعلت النظم الصوفية وتسييس العقيدة العلاقة بين الأفكار السلفية وأفكار الإخوان المسلمين وأفكار الطرق الصوفية أقرب ما تكون إلى علاقة التحالف بدل التنافس.

سياسة أتاتورك العلمانية المتشددة هذه –تصنف كسياسة اليعاقبة في التشدد- لم تعمر كثيراً، وحتى خلال الفترة ما بين وفاته في عام 1938 وإدخال الديمقراطية عام 1950، خف الضغط على الجماعات الدينية بعض الشيء. ومع ظهور الديمقراطية متعددة الأحزاب، استسلمت العلمانية وأنهت احتكارها للسلطة. وتمكنت الدولة التركية من تعديل تركيبتها لتتوافق مع مطالب المجتمع ومطالب السياسة الدولية. تشكلت جمعيات كثيرة في المجتمع، صنفت الجمعيات العلمانية على أنها جمعيات ضعيفة، فيما كانت القوى الإسلامية السياسية صاحبة المنظمات الرائدة، لم ينافسها في السيطرة على الجماعات والنقابات سوى المنظمات اليسارية ولمرات قليلة فحسب. علاوة على ذلك، عاشت تركيا خشية كبيرة من زحف الاتحاد السوفييتي، وهو ما دفع الدولة في الخمسينات إلى تعديل تعاملها مع الإسلام على اعتبار أنه حاضنة مضادة للشيوعية. وظل الأمر كذلك حتى الانقلاب العسكري عام 1980، وزاد الأمر وتم تعزيزه خلال السنوات الأولى من الحكم العسكري في أوائل الثمانينات، عندما انصهرت القومية التركية مع الإسلام السني لتشكلان سوياً أيديولوجية الدولة الجديدة. ودأبت النخب الحاكمة على محاولات الاحتفاظ بالسيطرة على الدين، لكنها تدريجياً فقدت السيطرة على الجماعات الدينية والطرق الصوفية.

وابتداء من الخمسينات فصاعداً، بدأت المنظمات الإسلامية في الظهور. وللحد من النقص المتزايد في رجال الدين أنشأت الدولة كلية اللاهوت والمعاهد الإسلامية، وبالتوازي مع انتشار هذه المنظمات، بدأت الأخويات الدينية بالظهور تدريجياً من مخابئها، وشهدت هذه الفترة ظهور تنظيم مجتمعات دينية مثل النورسية (Nurcu) والسليمانجي (Süleymancı) والإشكجشي (Işıkçı).

النظام النقشبندي الخالدي وزاوية إسكندر باشا

من المعروف أن الطرق الصوفية تقتصر في طبيعتها على فئة معينة، على العكس من الإسلام الحنيف. وهذا غالباً ما ينضوي على تركيز التصوف على التفسير الحرفي والمتشدد للشريعة. سيكون من الخطأ على أي حال النظر إلى الصوفية النقشبندية عبر هذه العدسات، فهي تقف في مكان يسهل التوافق بين الطرق الصوفية والإسلام الحنيف. وفي الواقع، تختلف النقشبندية عن الطرق الصوفية، إذ تتبع الطرق الصوفية طريقة “السلسلة” في النقل، التي ترتبط بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام عبر الإمام علي رضي الله عنه وهو العلم المشهور لدى الشيعة. لكن على النقيض من ذلك، تتبع الطريقة النقشبندية في السلسلة إلى محمد عليه السلام عبر صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الخليفة الأول في الإسلام. وهذا ما يفسر الولاء المطلق الذي تقدمه الطريقة النقشبندية إلى التقليد السني، وتظهر التزامها الصارم بالشريعة مع إظهار الخنوع لتحقيق وظائف الإسلام الرسمية.1

أحد الأشخاص المحوريين في تطوير الطريقة هذه الشيخ أحمد السيرهندي، والذي ظهر في القرن السابع عشر وقام بتعزيز العقيدة في إطار الطريقة وعارض التشيع، واهتم بتنظيم دقة الاجتهاد (الاستدلال المستقل) “ضمن حدود القرآن والسنة”.2  دعا السيرهندي إلى الممارسة الصوفية النشطة التي تشجع على الحياة السياسية والاجتماعية على حساب الممارسات الصوفية القديمة التي تحبذ الانسحاب من الشؤون العامة”.3 وفي القرن التاسع عشر ظهر خالد البغدادي، وهو شيخ كردي من مناطق شمالي العراق حالياً، الذي أخذ تعاليم النقشبندية من الهند في 1809. طور البغدادي الطريقة النقشبندية لتعرف لاحقاً بالخالدية، وهي التي عززت أفكار سيرهندي بالرفض القوي للحكم الأجنبي أو الأفكار غير الإسلامية. هذه الأفكار ضربت على وتر حساس قوي بين المسلمين من شمال القوقاز إلى إندونيسيا الذين كانوا عرضة للاستعمار الأوروبي. وانتشر كثيراً في الأراضي العثمانية خلال تلك الفترة صدى غضب السكان من التنازلات المقدمة للأوروبيين أو ما يسمى بالامتيازات الأجنبية. بعد ذلك، بات النظام الخالدي ذا انتشار بارز وواضح في الأراضي العثمانية، وأصبح قوة حكومية في غضون عام 1820، مطالباً “بإعادة الإسلام كمبدأ توجيهي للإصلاح” و”الترويج لاستخدام أكثر صرامة للشريعة”.4 وفي الوقت الذي كانت تنتصر فيه التحديثات التغريبية، وضعت الطريقة الخالدية نفسها في مصافي المعارضة السياسية.

استمرت هذه المعارضة خلال العهد الجمهوري، فواحد من تلامذة البغدادي، أحمد سليمان الأرودي (توفي في 1858) انتقل إلى إسطنبول وبدأ بترويج الطريقة النقشبندية عبر أحمد ضياء الكمشخناوي  (1893) وهو الذي أسس لاحقاً ما بات يعرف بزاوية “إسكندر باشا”، لاحقاً جاء محمد زاهد كوتكو (1880) وهو أحد أبناء المهاجرين من داغستان. فقد بدأ العمل في الطريقة الخالدية عام 1918، وحظي بمنحة من السلطة ليصبح شيخاً هناك في عام 1952 وتولى الوعظ في إسطنبول. وتولى إدارة مسجد إسكندر باشا عام 1958 وبقي هناك حتى وفاته5 .

وفي العقود الثلاثة التي تلت ذلك، أصبح محمد زاهد الزعيم غير الرسمي للإسلام السياسي في تركيا، وعزز المذهب الخالدي في البيئة الجديدة للديمقراطية التعددية الحزبية. تأثر محمد زاهد في التفكير المناهض للاستعمار، وحث تلاميذه على فك قيود تركيا من “العبودية الاقتصادية” الخارجية عن طريق تطوير الصناعة المحلية. فقد أدرك أهمية العلم والتكنولوجيا الحديثة بقدر ما عارض القيم الثقافية الغربية، بحجة أن الأتراك من خلال تقليدهم للغرب قد فقدوا جوهرهم وهويتهم. وأعرب أيضاً محمد زاهد عن اعتقاده بوجوب محاولة المسلمين تولي قمم أعلى المؤسسات الاجتماعية والسياسية وفرض سيطرتها على المجتمع.6 وخلال البيروقراطية التركية، تمكن أتباع محمد زاهد من الدخول بنجاح في هيئات تخطيط الدولة، وهو ما سمح لهم بالتأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتعيين موظفي البلديات.7

من الصعب المبالغة في دور محمد زاهد وزاوية إسكندر باشا، إذ إنه اختلف مع سلفه المباشر، عبد العزيز بيكين (1895-1952) والذي كان قد منع الخلط بين الإسلام والسياسة الانتخابية.  شجع محمد زاهد جيلاً من المسلمين الأتقياء على الوصول إلى مناصب معينة في بيروقراطية الدولة، وبدأت عملية التسلل والاستيلاء على مؤسسات الدولة التي من شأنها أن تساعد الإسلام السياسي في أن يهيمن على تركيا. وكما لاحظ الباحث التركي بيرول يشيلادا: ”النقشبندية أكدت دائماً على ضرورة السيطرة على الدولة من الداخل عن طريق مواءمة نفسها مع مصادر قوية من رأس المال والجهات الفاعلة السياسية”.8 وبشكل أكثر مباشرة، قام محمد زاهد بمباركة تشكيل أربكان لحزب النظام الوطني عام 1969. ووفق قيادي إسلامي بارز في ذلك الوقت فإن محمد زاهد قال لأربكان:” البلاد سقطت في التقليد الغربي على أيدي الماسونيين … على الحكومة أن تقع تحت سيطرة الممثلين الحقيقيين للشعب التركي ضمن حدود القوانين، وتشكيل حزب سياسي واجب تاريخي لا مفر منه بالنسبة لنا. كن جزءاً من هذا المشروع، وقده نحو ما تريد”.9

ولا تقتصر قائمة تلاميذ محمد زاهد وأعضاء إسكندر باشا الذين تمكنوا من بلوغ مناصب سياسية بارزة على أربكان فقط، بل تضم أيضاً الرئيس التركي السابق تورغوت أوزال، وشقيقه الأكثر تحفظاً كوركوت أوزال، ورئيس الوزراء السابق والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، ووزير الداخلية عبد القادر إكسو وبشير أتالاي، عدا عن عشرات الوزراء أو المقربين خلال فترة حكم أردوغان.

الطموح السياسي الكبير لأربكان وتر العلاقة تدريجياً مع مجتمع إسكندر باشا، وهو ما دفع الأخير إلى التراجع عن السياسة.10 وعلى مدار حياة محمد زاهد، برزت هذه الخلافات للعلن، لكن في عام 1978، وتحديداً قبل عامين من وفاة محمد زاهد كوتكو، قاد كوركوت أوزال، أحد كبار المسؤولين في حزب الخلاص الوطني تمرداً هادئاً ضد أسلوب أربكان الإداري، مدعياً أنه حظي بمباركة محمد زاهد لثورته هذه.11 وبعد وفاة محمد زاهد، تولى البروفيسور أسعد كوشان -زوج ابنته- قيادة الطريقة، وتعمق الخلاف بينه وبين أربكان، وصولاً إلى قطع الصلة بين الطريقة وسياسة أربكان. لاحقاً، أنكرت الزاوية أي علاقة لها بالسياسة وغادر كوشان تركيا بعد 1997 إلى أستراليا، حيث توفي هناك في عام 2001 إثر حادث سيارة، خلفه في قيادة الطريقة ابنه نور الدين كوشان، الذي ما يزال موجوداً في أستراليا حتى الآن. وعلى الرغم من أن قيادة الزاوية الدينية أصبحت شيئاً من الماضي، إلا أن أتباعها باتوا يشكلون جوهر قيادة حزب العدالة والتنمية، وهو ما يؤكد تأثيرها الضخم على السياسة التركية.

فروع

في الوقت الذي يعتبر فيه نظام إسكندر باشا حجر الأساس في عملية إشراك الإسلام السياسي في السياسة كقوة منفصلة، ظلت إمكانياته محدودة ولم تتحقق أهدافه إلى حد كبير، لا سيما وأن العديد من الطوائف الدينية الأخرى رفضت الانضمام إلى هذه الطريقة. وقبل أي دراسة للإسلام السياسي في تركيا، يجب أن نقوم باستعراض فروع الطريقة النقشبندية الخالدية، التي تجاوزت في عضويتها مجتمع إسكندر باشا.

حركة النورسيين (Nurcu)

لا ترى حركة النورسيين في نفسها تنظيماً دينياً، لكنها ترى أنها تعمل في إطار كونها مدرسة للتأويل. تأسست في أوائل القرن العشرين على أيدي سعيد النورسي، الواعظ الذي نشأ في مناطق الأكراد في شرقي تركيا. وفي حين سيقوم النورسي بتطوير أفكاره الخاصة بنفسه، ستؤثر به دراسته المبكرة على أيدي شيوخ النقشبندية الخالدية بشكل كبير. بدأ النورسي كطالب رسمي في الطريقة النقشبندية، وتلقى في نهاية المطاف “الإجازة” الخاصة من الشيخ الخالدي في دوجوبيزيد. سعى النورسي إلى فتح المدارس الدينية في مدينة فان شرقي تركيا، التي من شأنها أن تجمع بين تدريس المواد الدينية ومواد العلوم والرياضيات. وللحصول على دعم لخطته هذه، تنقل بين إسطنبول ثم سالونيكا “تسمي اليوم ثيسالونيكي في اليونان” بغية الانضمام إلى لجنة الاتحاد والترقي. ويقصد بالنورسيين (أتباع الضوء “النور”) والتجمعات التي أتت بعد ذلك، بما فيها حركة فتح الله غولن العالمية، انتهجت طموحاً واضحاً؛ تنشئة أجيال جديدة مدربة في مجالات التعليم الديني والعلوم الحديثة، ومن ثم سد الفجوة بين العالم المسلم والعالم الغربي المتقدم مادياً.

وفي حين تعرضت الحركة النورسية للاضطهاد في الأيام الأولى للجمهورية التركية، وأرسل النورسي إلى المنفى، فإنه تمكن من مضاعفة جهوده خلال فترة الستينات إبان عهد الحزب الديمقراطي. وانتشر طلاب النورسي لاحقاً في جميع أنحاء تركيا، وبدؤوا في إنشاء دوائر لدراسة رسائل النور التي كتبها النورسي، بالإضافة إلى تفسير النورسي للقرآن الكريم الذي وقع في عدة مجلدات. مثلت كتابات النورسي طريقاً تنظيمياً للأتباع، وحرص النورسي على تنظيم كتبه منطقياً. وبعد وفاة النورسي، انشقت حركتا القراء (Okuyucular) والكتّاب (Yazıcılar)، وكان موضع خلافهم الأساسي يتمحور حول طريقة تدريس الرسائل. ولمجموعة متنوعة من الأسباب وقعت العديد من الانقسامات. واليوم، هناك ما يصل إلى أربعين مجموعة من النورسيين داخل وخارج تركيا، ومن بينها يمكن تصنيف 12 جماعة صاحبة تأثير قوي وفعال، وتعد جماعة فتح الله غولن أكبرها.12

ظهرت الحركة النورسية كمبادرة ضمن المجتمع المدني، وبقيت غير قانونية منذ عام 1965 حتى عام 1985. وفي ظل حكومة تورغت أوزال، الذي كان بنفسه أحد أتباع الطريقة النقشبندية الخالدية، تم إلغاء تجريم نشر الشريعة مع تغييرات في المادة 163 من قانون العقوبات التركي. وسبق لهذه الآلية القانونية أن استخدمت بغية تجريم ومنع أي أنشطة دينية في تركيا، وبإزالتها تمكن أتباع الجماعة النورسية من الانتشار خارج الدوائر الرسمية للجماعة في منازل الأعضاء أو “الصحبة” والبدء بتنظيم مؤسسات وجمعيات ومساكن للطلبة، التي عرفت باسم “يورت”. قدمت هذه التطورات بيئة مثالية للتعليم الديني الرسمي، وجعلت النورسية الحركة الأكثر تنظيماً وانتشاراً. ومع بعض الاستثناءات، تميل النورسية إلى الامتناع عن السياسة الحزبية المباشرة، وحتى إنشاء حزب العدالة والتنمية، كان النورسيون يؤيدون أحزاب يمين الوسط العلمانية عوضاً عن الأحزاب الإسلامية التي كان يقودها نجم الدين أربكان.

حركة فتح الله غولن

تعد حركة فتح الله غولن جزءاً من الحركة النورسية، لكنها تملك حجماً وتأثيراً هائلاً، وهو ما يعني أنها تستحق معاملة منفصلة عن غيرها في هذا البحث. فتح الله غولن، يعد الشخصية الدينية الأبرز من حركة النورسيين، بدأ نشاطه في إزمير في الستينات من القرن الماضي. وخلال تلك الفترة، وجد فراغاً دينياً نتيجة عقود من سياسات الدولة في محاربته. وبشكل عام وجدت بيئة أكثر تساهلاً عن ذي قبل في تركيا، وهو ما شجع غولن على الاستفادة من هذه الظروف. تشير حركته إلى نفسها على أنها حركة “حزمة” وتعني حرفياً “الخدمة” وهو مصطلح مأخوذ من مبدأ سعيد النورسي “خدمة للدين والقرآن” (Hizmet-i imaniye ve Kur’aniye) تشمل أهداف هذه الحركة إنشاء “الجيل الذهبي” عبر التعليم. وفي أول منشورات الحركة المطبوعة “مجلة سيزينتي Sızıntı” طلب غولن من أتباعه التركيز على قطاع التعليم. وكانت المساكن الطلابية الخاصة ”Işık evleri” مؤسسات التعليم الأولى الخاصة بالحركة. وخلالها كان يتم تدريس الرسالة بشكل مبرمج ومنهجي. وفي عام 1982 استغل غولن تسهيل أوزال لإنشاء مؤسسات التعليم الخاصة، إذ قام بتحويل سكن الطلاب إلى أول مدرسة تابعة له في إزمير وحملت اسم “Yamanlar koleji”.

وسريعاً تنامى عدد المدارس مع مرور الوقت، وجذبت العديد من الأطفال خاصة من النخب المحافظة ويمين الوسط الذين سعوا إلى تعليم أفضل يمكن أن يقدم في وضع محافظ ثقافياً. وفي أوائل التسعينات شكل انهيار الاتحاد السوفييتي فرصة لتصدير هذا النموذج إلى الدول ذات الأغلبية الناطقة بالتركية التي نالت استقلالها حديثاً. فكانت أذربيجان أول الدول التي استهدفتها جماعة الخدمة، ثم تلتها كازخستان، حيث تمكن من بناء ما يزيد على 29 مدرسة مشابهة بزمن قياسي. تملك اليوم حركة الخدمة ما يزيد على 1200 مدرسة تنتشر في 140 بلداً. وبصرف النظر عن المدارس، نظمت الحركة المئات من الدورات التحضيرية لامتحان قبول الجامعات التركية، فضلاً عن العديد من الجامعات، بما في ذلك جامعة الفاتح في إسطنبول. وتسيطر الحركة أيضاً على بعض المؤسسات المالية مثل بنك آسيا وبنك آسيا فاينانس، وجمعية رجال الأعمال كبيرة “توسكون”، بالإضافة إلى عدد من المنظمات الخيرية العاملة داخل وخارج تركيا. هذا عدا عن الإمبراطورية الإعلامية الكبيرة التي تملكها والتي تضم الصحيفة التركية واسعة الانتشار “زمان” وكذلك عدداً من الصحف والمجلات ومحطات التلفزيون والإذاعة.

تبرز حركة الخدمة حين مقارنتها مع الطوائف الدينية الأخرى في تركيا تحت عدة أسباب، وبشكل عام تتبنى الحركة وجهة نظر عالمية موالية للغرب، بل إن غولن نفسه والوفد المرافق له فضل الإقامة في منفى اختياري في الولايات المتحدة، وتختلف مواقفه السياسية في الشؤون الدولية كثيراً عن الطرق والجماعات الأخرى. وفي الواقع، ينعكس اختلاف الحياة الخاصة والاجتماعية لأتباع غولن عن الطوائف الدينية الأخرى على اختلاف مواقفهم تجاه الغرب، فعادة ما يكونون موالين للولايات المتحدة، ويدعم التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي بشكل كامل. بل وبشكل فريد، تظهر حركة غولن خالية من تعاليم معاداة السامية، التي ترسخت بشكل كبير في الحركات الأخرى، وفي هذا الإطار فإنها تختلف بشكل كبير عن جذور الحركة النقشبندية – الخالدية.

وكما هو ملاحظ، تركز حركة غولن على الابتعاد عن الانتخابات السياسية، وتصب جل تركيزها نحو تعزيز وجودها وتركيزه في بيروقراطية الدولة، وبالفعل جعل نجاح حركة الخدمة الكبير في هذا الصدد منها شريكاً لأردوغان، لكنها وقعت في خصومته في نهاية المطاف.

السليمانية (السليمانجية)

بعد منع التعليم الديني في عام 1925، تعهدت مجموعة تحت قيادة سليمان حلمي طوناخان بمواصلة تعليم القرآن الكريم للأفراد والمجموعات الصغيرة. تلقى طوناخان تعليمه الديني الخاص في الطريقة النقشبندية الخالدية. وجاءت هذه الحركة لتعرف بالسليمانية، والتي تهدف في المقام الأول إلى توفير التعليم القرآني والحفاظ على المساجد مفتوحة. وفي المناطق التي كانت تشكو نقصاً في الأئمة؛ حافظت الطريقة على حضور أئمتها والحفاظ على المساجد عاملة. وبعد السماح بالدورات القرآنية في عام 1947 انتشر طلاب الطريقة في جميع أنحاء تركيا، واليوم تقف الحركة باعتبارها واحدة من أكثر الحركات الدينية انتشاراً وتنظيماً على مستوى تركيا وأوروبا وبالأخص في ألمانيا، وتسيطر على عدة مئات من المساجد والمدارس القرآنية.

وعند وفاته عام 1959، تولى خليفته كمال كاكار –زوج ابنة سليمان طوناخان- رئاسة الطريقة، الذي قام بدوره في توسيع الدورات القرآنية ومساكن الطلبة. وتيسر ذلك عبر دعم الطريقة لحزب العدالة الذي كان يقوده سليمان ديميريل، الذي شارك كاكار كعضو في البرلمان التركي لثلاث دورات مختلفة. وبعد وفاة كاكار في عام 2000، اندلع صراع على خلافة رئاسة الطريقة بين الأشقاء أحمد ومحمد دينزولغون، وهم أحفاد طوناخان من ابنته الأخرى. وأدى ذلك إلى حدوث انشقاق في الطريقة، دون انسحابها من التأثير في السياسة، إذ قام الأخوان بدعم أحزاب سياسية مختلفة. فأًصبح محمد عضواً مؤسساً في حزب العدالة والتنمية، في حين قام أحمد –الذي سيطر على الجزء الأكبر من الطريقة-  بمجموعة من التحولات السياسية. إذ انتخب عضواً في البرلمان عام 1995 عن حزب الرفاه، لكنه قام بترك الحزب بعد انقلاب عام 1997. واحتفظ بمقعده في البرلمان، وشغل منصب وزير الاتصالات لفترة وجيزة عن حزب الوطن الأم في ظل حكومة مسعود يلماز عام 1998. وقد تقلص حضور حزب الوطن الأم في أعوام 1999 و2002، وفي عام 2007، شارك أحمد ضمن قوائم حزب الديمقراطية، وفي عام 2011 و2015 قامت كتلته بتأييد حزب الحركة القومية (MHP) وهو ما شكل عاملاً حاسماً في دعم حظوظ الحزب لتتجاوز عتبة 10% للانضمام للبرلمان التركي، وفي عام 2011 شهد أحمد موجة من التحولات لكنه لم يقم بدعم حزب العدالة والتنمية أبداً عبر تاريخه في الانتخابات.

طريقة المنزلية (Menzil)

تعد الطريقة المنزلية جماعة من النقشبندية الخالدية، ويقع مقرها في آدييامان التي تشعبت بسرعة كبيرة في أنقرة وإسطنبول، انتشرت بسرعة أكبر بعد الانقلاب العسكري عام 1980، وكان ذلك جزئياً بسبب سمعتها المتناقلة بوصفها النظام الديني الداعم للدولة. ونتيجة لذلك، بدأت تنتشر في مناطق غربي تركيا كواحدة من أسرع المناطق لنمو الجماعات الدينية في البلاد. ومثل العديد من المجتمعات الدينية، فهي تميل إلى دعم أحزاب يمين الوسط، حتى تم إنشاء حزب العدالة والتنمية. وفي الواقع، فإن كثيراً ممن حكم عليهم بالإعدام بعد الانقلاب وخففت عقوبتهم انضموا للطريقة المنزلية، عدا عن أن المؤسس الراحل لحزب الوحدة الوطنية محسن يازيتش أوغلو، كان مقرباً من الطريقة. وفي حكومة العدالة والتنمية من المعروف أن هناك وزيرين يمثلان الطريقة المنزلية: وهما وزير الطاقة تانير يلديز ووزير الصحة رجب أكداج. وفي عام 2005، أنشأت الحركة جمعية رجال الأعمال، تومسياد. وفي دليل على نفوذ الجماعة، تفتخر تومسياد بأنها تملك 1500 عضو مسجل، هذا عدا عن انتخاب رئيسها حسن سيرت لعضوية البرلمان في عام 2005ممثلاً عن حزب العدالة والتنمية.13

الطرق الدينية والسياسة التركية من أربكان إلى أردوغان

تطور الإسلام السياسي في تركيا على أساس الترابط والتفاعل بين هذه الجماعات، وفي حين لا يعرف عدد أعضاء هذه الجماعات تحديداً إلا أن تقديرات ترجح أن يكونوا بالملايين. وعلى اعتبار أن هذه الكتل يميل أعضاؤها إلى اتخاذ التوجيه من قادتهم والتصويت للكتل الموثوق بها -على صعيد الجماعة- فغالباً ما لعبت دوراً حاسماً في السياسة التركية. ومنذ ستينات القرن الماضي وحتى التسعينات، كافحت الأحزاب الإسلامية التي قادها نجم الدين أربكان من أجل توحيد الطرق والطوائف الدينية في تركيا، وكثير منها استمر في دعم أحزاب يمين الوسط. وكانت هذه الأحزاب علمانية ومناصرة للغرب في توجهها، لكنها كانت تكنّ احتراماً للدين وتاقت إلى أصوات الناخبين الأتقياء.

قاعدة ضيقة: نجم الدين أربكان ورؤية الأمة ”Milli Görüş”

كان نجم الدين أربكان الشخص القادر على تحقيق أفكار الشيخ محمد زاهد كوتكو، ولد في عائلة متدينة في سينوب عام 1926، وحصل على درجة الدكتوراه في الهندسة من ألمانيا، وفي سعيه للحصول على منصب سياسي، حاول أربكان الفوز عبر دخول قائمة يمين الوسط “حزب العدالة” في الانتخابات البرلمانية عام 1969، لكن زميله السابق في الجامعة وزعيم حزب العدالة، سليمان ديميريل، اعترض خطوته هذه. يعكس هذا الخلاف الشخصي الشرخ المتنامي بين الجناح الإسلامي لحزب العدالة وقيادته، الذي حافظ حتى الآن على “خيمة كبيرة” غير مستقرة من الليبراليين والإسلاميين والقوميين الأتراك. فقد أظهر الإسلاميون والقوميون إحباطات متزايدة من توجهات الحزب الموالية للغرب والعلاقات مع الشركات التجارية الكبرى. لعب هذا دوراً في نهاية حقبة وجود الإسلاميين داخل حزب العدالة، لا سيما بعد محاولة الإسلاميين الفاشلة للسيطرة على الحزب عام 1968. وفي الوقت نفسه، شكل القوميون حزبهم “حزب الحركة القومية”.

شارك أربكان كمرشح مستقل في انتخابات 1969، وحصل على مقعد في البرلمان. وبمباركة من محمد زاهد قام بتأسيس حزب النظام الوطني. وبعد حظر الحزب الأول، سارع إلى تأسيس حزب الخلاص الوطني، الذي لعب دوراً هاماً في السياسة التركية على مدار السبعينات. حاز الحزب على ما يصل إلى 12% من الأصوات في انتخابات عام 1973 وكان الشريك الأصغر ضمن حكومات ائتلافية مختلفة بين أعوام 1973و 1979. وفي أعقاب انقلاب عام 1980 تم منع أربكان من المشاركة في الحياة السياسية، لكنه في عام 1987 قام بإعادة بناء الإسلام السياسي عبر حزب الرفاه، الذي تمكن من الفوز بانتخابات 1995 بفارق ضئيل، وذلك بفضل تفتيت يمين الوسط. خدم أربكان كرئيس للوزراء ضمن حكومة ائتلافية بين أعوام 1996 و1997، لكنه أبعد عن السلطة بعد انقلاب عسكري في 28 فبراير عام 1997، وهو ما أدى إلى حظر الحزب وتبعه منع لأربكان من العودة إلى الحياة السياسية على مدى الحياة.

كانت وجهات النظر الكامنة في حياة أربكان السياسية ثابتة بشكل ملحوظ وتأثرت بشكل عميق بتعاليم الطريقة الخالدية، وكذلك الحركات الإسلامية السياسية العالمية الملتزمة بتقاليد الإخوان المسلمين. تتمحور الحركة حول الرغبة في بناء تركيا قوية وصناعية تعمل بمثابة القائد الطبيعي للعالم الإسلامي. ومع قبول المساهمات في العلم الحديث، وحتى في ظل نظرة أربكان إلى العلوم الغربية على أنها اعتمدت على العلوم الإسلامية، عارض أربكان الثقافة الغربية معارضة شديدة للغاية. نظر أربكان للسياسة الدولية ضمن وجهة نظر ضد الاستعمار ومناهضة الليبرالية، فتركيا من وجهة نظره يجري استغلالها من قبل الغرب، الذي بدوره يقع تحت سيطرة مؤامرة صهيونية عالمية. وفي مذكراته التي نشرت بعد وفاته، احتلت نظرية المؤامرة المعادية للسامية مكاناً مركزياً في تفكيره، ولعب دوراً حاسماً في أيديولوجيته الحركية. أربكان يعتقد أن تركيا بحاجة إلى بناء قاعدة صناعة ثقيلة خاصة بها، بعد أن منعت القوى الغربية هذه الخطوة بكل ما تملك. وبدلاً من السعي وراء الغرب للتحالف معه، ينبغي على تركيا تشكيل قيادة الاتحاد الإسلامي.14

كان أربكان شخصية مثيرة للخلاف، ففي الوقت الذي كان يسعى إلى تأسيس وجوده السياسي، سعى إلى بناء تحالفات مع الصوفية النورسية والقادرية، لكن هذا سرعان ما انهار في السبعينات تحت تأثير شخصيته الاستبدادية. وفي نهاية المطاف، غادرت حركته شخصيات مهمة من مجتمع إسكندر باشا، واتجهوا إلى أماكن أخرى وقدموا دعمهم إلى أحزاب يمين الوسط في تركيا. وفي التسعينات، استفاد أربكان من الانشقاقات في حزب الوطن الأم الذي كان يقوده تورغوت أوزال وجاء بعده مسعود يلماز، بالإضافة إلى استفادته من الانشقاقات في حزب الطريق القويم، الذي كان يقوده سليمان ديميريل وبعده تانسو تشيلر. النفور الموجه تجاه أربكان ورؤية الملة التي يقدمها انتشر بشدة في أواخر التسعينات حيث انهارت أحزاب يمين الوسط تدريجياً تحت سوء الإدارة والفساد، وهو ما دفع العديد من الطوائف الدينية في انتخابات 1999 بتفضيل تقديم الدعم إما لزعيم يسار الوسط بولنت أجاويد وحزبه “اليسار الديمقراطي”، أو حزب الحركة القومية.

ائتلاف الطرق الدينية: حزب العدالة والتنمية “أردوغان”

تجزئة السلوك الكهنوتي انتهى مع تشكيل حزب العدالة والتنمية، فعلى الرغم من أن قادة الحزب المشكل حديثاً -أردوغان وعبد الله غول- كانا من أعضاء مجتمع إسكندر باشا، إلا أنهما اختلفا مع أربكان حول أسلوبه في القيادة ورفضه لتقديم التنازلات. الأهم من ذلك، أدرك هؤلاء النخب أنه ومن أجل الوصول إلى السلطة وهزيمة المؤسسة العلمانية في تركيا، فهم بحاجة لتوسيع قاعدة الحركة. استفاد حزب العدالة والتنمية الوليد من سلسلة من التطور. فأولاً، يمين الوسط قسم إلى حزبين، حزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم، وهما حزبان يحملان برامج متطابقة عملياً إلا أن قادتهم كانوا عرضة للاقتتال الداخلي. ولأن قيادات الطرفين كانت عرضة للفساد فقد دمر بعضهم بعضاً تدريجياً، وتركوا فراغاً هائلاً في المركز التقليدي للسياسة التركية. ثانياً، أدت الأزمة المالية مع مطلع الألفية التي أدت إلى تخفيض قيمة العملة إلى 40% إلى شيوع فكرة “اطردوهم جميعاً” في أوساط الشعب التركي وجلب أناس جدد للحكم. وأخيراً، في البيئة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، سعى قادة الغرب ولا سيما الولايات المتحدة إلى زراعة “الإسلام المعتدل” وأصبح بذلك حزب العدالة والتنمية المستفيد الرئيسي من هذا الاصطفاف الذي يفضل الحزب على المؤسسة العلمانية الراكدة وغير المنتخبة على نحو متزايد.

حزب العدالة والتنمية يسعى بنشاط كبير لبناء خيمة كبيرة تنضوي تحتها جميع الدوائر التي دعمت يمين الوسط. وشمل ذلك التواصل مع الناخبين غير المتدينين، لا سيما في المراحل الأولى من تشكيل الحزب. ولكن أكثر من أي شيء آخر، يقع على عاتق أردوغان تشكيل حكومة ائتلافية تجمع بين الطرق والطوائف الدينية المختلفة. لا تختلف تكتيكات أردوغان كثيراً عن أحزاب يمين الوسط السابقة كثيراً الذين كانوا يتوددون بشكل كبير للطوائف الدينية. ولكن الفرق الآن أن نخبة أساسية من تقليد “رؤية الأمة” قامت بهذه المغازلة، وتسعى لجمع الطوائف الدينية تحت سقف واحد. وبمهارة مميزة في التعيينات السياسية ونصيب جيد في الكعكة الاقتصادية (بالأخص العقود الحكومية في البناء) بنى أردوغان نموذجاً للقيادة السياسية التي تعتمد بشدة على الدعم من الطوائف والطرق الدينية.

“رؤية الملة” والنقشبندية والإخوان المسلمون

ظهور الإسلام السياسي في المشهد التركي مستمد أساساً من الطريقة النقشبندية الخالدية، لكنه أيضاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظهور الإسلام السياسي في مناطق أخرى من العالم الإسلامي وخاصة مع صعود الإخوان المسلمين في مصر. وقد لاحظ كثير من العلماء تأثير مفكري الإخوان كحسن البنا وسيد قطب وكذلك أبو الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية في مناطق جنوب آسيا على أربكان وحركة رؤية الأمة.

قد يبدو هذا الطرح متناقضاً هنا، لأن الإخوان يميلون في نواح كثيرة نحو السلفية الخالصة من حيث المبدأ ويعارضون الطرق الصوفية وطبيعتها المقصورة على فئة معينة. ومع ذلك، لا يظهر هذا العداء المتبادل بين الصوفية والإخوان على تطبيقات الطريقة النقشبندية الخالدية. في الواقع، فإن جذور الخالدية السنية العميقة، والتزامها القوي بالشريعة الإسلامية وتسييس الحركة الكبير؛ جعلها على توافق كبير مع وجهات نظر الإخوان المسلمين. وفي أجزاء كثيرة في الشرق الأوسط هناك تلاقح كبير بين المنظمتين.

كان هذا التواصل واضحاً في ألمانيا، إذ اضطر كل من الإخوان ورؤية الأمة إلى الذهاب إلى المنفى، كل تحت ضغط حكومته، وهو ما ساهم في تنمية علاقات بين الطرفين، لا سيما في حالة الزواج التي تمت بين أسرة أربكان وأحد زعماء الإخوان “إبراهيم الزيات”. وخلال التعاون العملي الوثيق، أخذت هذه المنظمات الدور المهيمن في المنظمات الألمانية الإسلامية.16 ووفق هذا المعنى أصبح أربكان وفق ما وصفه أحد منظري الإخوان بأنه “قناة حاسمة لجماعة الإخوان المسلمين لتركيا”.17 وكان تأثير هذا يتمثل في التأثير بالتفكير الإسلامي التركي ليصبح أكثر عالمياً على الرغم من الميول الموجهة إلى القومية المحلية الداخلة، وهكذا فهم أن الإسلام ليس شيئاً محدوداً بالحياة الشخصية لكنه يمتد إلى المطالبات العامة التي تجذرت في شكل الإسلام التركي”.18

أسس أربكان اتصالاته مع منظمات الإخوان في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، وتابع أردوغان تطوير هذه الصلات.18 وهكذا بدأت تظهر قيادات إخوانية في احتفالات حزب الرفاه في مطلع التسعينات.19 عدا عن أن جنازة أربكان عام 2011 شهدت حضوراً كبيراً من قيادات الإخوان المسلمين حول العالم بما فيهم خالد مشعل زعيم حركة حماس، والمرشد السابق للإخوان في مصر، محمد مهدي عاكف.20 وتجلى استمرار التواصل الأيديولوجي بين الإخوان وحزب العدالة والتنمية عبر وجود ممثلين بارزين من مختلف فروع جماعة الإخوان المسلمين بما في ذلك حركة حماس بمختلف حفلات وفعاليات حزب العدالة والتنمية.

لم تكن حركة “رؤية الأمة” جزءاً من الإخوان المسلمين، لكن جماعة الإخوان اعتبرتها بشكل أكيد أقرب لتجربتهم. وبالقدر نفسه الذي كانت تنظر فيه إلى الجماعة الإسلامية في باكستان. وهكذا على الرغم من أصولها الصوفية اسمياً وطابعها النقشبندي الخالدي، فإن قيادة حزب العدالة والتنمية لم تنعزل بأي طريقة عن قيادات الإسلام السياسي المتطرفة في الشرق الأوسط، وعلى العكس تماماً، يمكن للجذور العربية والتركية والكردية للنظام الخالدي شرح سياسات حزب العدالة والتنمية الخارجية تجاه حماس وسوريا ومصر.

صعود تحالف غولن وحزب العدالة والتنمية ثم سقوطه

من بين الجماعات الدينية التي تدعم حكم أردوغان، لعبت حركة غولن دوراً فريداً. إذ بقيت حركة غولن بعيدة عن السياسة وحافظت على مسافة بينها وبين أربكان، لكن وانطلاقاً من السبعينات، قامت الحركة ببناء وجود كبير في البيروقراطية التركية مستغلة أسباباً كثيرة لعل أهمها تلقي أعضائها تعليماً علمانياً ذا جودة عالية جداً على العكس من الطرق والجماعات الأخرى. وحظيت الحركة بتمثيل جيد في الشرطة والقضاء، وفي انتخابات عام 2002 قامت حركة غولن بتوفير دعم لحزب العدالة والتنمية استمر لما بعدها. وبدأ تسييس الحركة بشكل جدي بعد عام 2007، إذ وقعت مواجهة بين حزب العدالة والتنمية والجيش التركي. وهو ما عزز العلاقة والتحالف الرسمي بين أتباع غولن وحزب العدالة والتنمية، لا سيما وأن أنصار غولن يكنون الكثير من الاستياء ضد مؤسسات الجيش والقضاء بسبب ما عانوه من اضطهاد في أحداث ما بعد انقلاب 1997. وتمكنت حركة غولن من الوصول إلى قاعدة مشتركة مع حزب العدالة والتنمية، وتمكنت من نشر أتباعها في البيروقراطية التركية، بالأخص في نظام القضاء والشرطة، وقام الحليفان بشن هجوم مضاد ضد النخب العلمانية التي كانت تسعى إلى إسقاط حكومة العدالة والتنمية، بما في ذلك التصدي لجهود محاكمة وحظر الحزب.

ونتيجة لذلك، نظم حزب العدالة والتنمية وحركة غولن جهودهما للاشتراك في القضايا المعروضة على المحاكم ضمن ما يعرف على قضية إيرجينيكون وباليوز الضخمة، التي أدت إلى إقالة المئات من ضباط الجيش والبيروقراطيين والصحفيين والأكاديميين وزجهم في السجن بتهمة السعي لقلب نظام الحكم.22 ويبدو أن حركة غولن التي كانت قادرة على حشد المئات بل حتى الآلاف من الأتباع داخل البيروقراطية الحكومية تستخدم هذه الفرصة للحصول على مستوى متزايد من التأثير في مؤسسات الدولة. وبعد الاستفتاء على الدستور عام 2010، كانت الحركة قادرة على الاستفادة من التغيرات التي طرأت على القطاع القضائي لاتخاذ سيطرة فعالة على كل من الشرطة والقضاء. وهذا يتعارض مع جهود رئيس الوزراء -حينها- رجب طيب أردوغان الجريئة لزيادة تمركز السلطات، وقرر أردوغان لاحقاً أن بلاده بحاجة إلى نظام رئاسي ذي سلطة قوية من أجل أن يصل إلى مرحلة السلطان المنتخب. ومن الواضح أنه في مثل هذه الخطة، يرى أردوغان حركة غولن على أنها طائفة دينية أخرى يمكن إخضاعها لمصلحته، لكن حركة غولن على ما يبدو تملك أفكاراً أخرى. فيما يقول ممثلو الحركة إنهم اعترضوا على طموحات أردوغان غير الديمقراطية من حيث المبدأ، إلا أن النقاد يرون عكس ذلك مع أدلة كثيرة، ويحاجج النقاد بأن جماعة غولن أرادوا أن يكونوا شركاء في الدولة وممارسة حق النقض بحق سلطة الدولة. التفسير السابق تفسير صحيح بلا شك بالنسبة لكثيرين من أتباع الحركة الأكثر ديمقراطية، لكن إذا ما فحصنا الانتهاكات التي ارتبكت خلال قضية إيرجينيون وباليوز”المطرقة” فمن الواضح أن ممثلي الحركة في البيروقراطية كانوا أكثر اهتماماً في السلطة من الديمقراطية ومصيرها.

أدى هذا التوتر في نهاية المطاف إلى صراع على السلطة لفترة طويلة، وقد بدأت الحرب فعلياً عندما حاولت النيابة العامة التابعة لحركة الخدمة اعتقال رئيس المخابرات التركية “هاكان فيدان” وهو من أكثر المقربين من أردوغان. وكاستجابة لهذا التحدي عمل أردوغان بشكل منهجي لكسر نفوذ الحركة عبر نقل وتخفيض رتب أو تسريح العديد من المسؤولين. وفي الوقت نفسه، هاجم أردوغان مؤسسات الحركة التعليمية، تطور الأمر إلى لاحقاً إلى مواجهة بشعة في ديسمبر 2013 بعد أن اتهمت النيابة العامة التابعة لحركة الخدمة أربعة وزراء في الحكومة بالفساد على نطاق واسع، وألقت القبض على عدد من زملائهم وأسرهم، بل إنهم أبدوا استعداداً لضرب أسرة أردوغان وهي الخطوة التي تمكن الأخير من تفاديها وقاد تحالفاً تكتيكياً مع القوى العلمانية والقومية لمواجهة حركة الخدمة هذه.

لم يكن يتوقع أردوغان هجوم حركة الخدمة هذا، فانتقل إلى الهجوم في الداخل والخارج وحاول إقناع زعماء دول آسيا الوسطى وأفريقيا بإغلاق مدارس حركة الخدمة، وبعد محاولات عديدة حاول أن يثنيهم عن السماح بفتح مدارس جديدة أخرى. كما قام أردوغان بعقد تحالف مع الجيش الذي كان حديثاً قد حاربه بالتشارك مع حليفه القديم “حركة الخدمة”. وخلال هذه العملية، أطلق سراح العديد من المدنيين والضباط الذين كان قد حكم عليهم بالسجن أوقاتاً مختلفة في قضايا إيرجينيكون وباليوز. بل ذهب أردوغان إلى الاعتراف علناً بخطئه وقدم اعتذاراً ضمنياً للجيش في كلمة ألقاها في الأكاديمية العسكرية التركية. وادعى أردوغان أنه قد وقع فريسة للخديعة عبر التقارير والتضليلات التي قدمها أتباع حركة الخدمة. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، تم إلقاء القبض على العشرات ممن يشتبه في أنهم من أنصار فتح الله غولن وزجوا بالسجن بانتظار محاكماتهم. التقرير كتب قبل نحو عام من الانقلاب الفاشل الأخير في تركيا.

هذا الصراع الداخلي في الوسط الإسلامي المحافظ مهم لكونه فريداً من نوعه، فهو إلى حد ما أكبر صراع يحدث بين الجماعات الإسلامية في تركيا، ولم يحدث من قبل أن أدت المنافسة بين الجماعات الإسلامية في تركيا إلى انهيار تام في العلاقات. ولكن بعد هذا، فإن الجماعات الدينية التي لم يسبق لها أن سيطرت على السلطة في البلاد، باتت على وشك إشعال صراع يمتد لعقود قادمة. وعلى الرغم من التحولات السياسية التي شهدتها تركيا منذ انهيار الخلافة العثمانية، فإننا يجب أن نعترف أن السياسة التركية الآن باتت بشكل كبير عبارة عن علاقات وتضاربات بين طوائف وطرق دينية بالأساس.

السيطرة على الإسلام الرسمي وأسلمة التعليم

في هذا السياق، هناك عنصر هام عادة ما كان موضع استخفاف وتمثل في محاولة حكومة أردوغان المستمرة للسيطرة على مؤسسات الإسلام الرسمي في تركيا، وضمان الهيمنة الدينية على نظم التعليم فيها. وقد كان لهيمنة الطريقة النقشبندية الخالدية على الحزب الحاكم في تركيا أثر كبير في هذا.

وسواء في العهد العثماني أو خلال فترة الجمهورية التركية، حرصت الدولة التركية على السيطرة على رئاسة الشؤون الدينية وأولت هذا الأمر أولوية كبيرة. فخلال العهد العثماني، كانت هذه المهمة مشغولة من قبل العلماء التابعين لقيادة شيخ الإسلام. وبعد تأسيس الجمهورية التركية، قامت “رئاسة الشؤون الدينية، Diyanet Işleri Başkanlığı” وتختصر “ديانت” بالوفاء بهذا الدور. وفي حين لم تكن رئاسة الشؤون الدينية مؤسسة قوية في تركيا -باستثناء الفترة الأخيرة- فإنها تمكنت من إبقاء سيطرتها طويلاً على المجال الديني، حيث ظلت تتحكم في تعيين الأئمة في مختلف مساجد تركيا، عدا عن تعيين من يلقي خطب الجمعة أيضاً. وفرت هذه الاستراتيجية خياراً جيداً لتوفير الاتزان والتسلسل الهرمي داخل الإسلام السني، تسبب هذا النقص في انتشار الفوضى في كثير من الأحيان بين الجماعات الدينية المختلفة في مختلف أنحاء العالم. وفي حين كان الشباب المسلم في أوروبا عرضة للتطرف تحت تأثير الأئمة المتطرفين في المساجد، لعبت “ديانت” دوراً مهماً في انخفاض هذه المخاطر بشكل كبير. لكن وكما لاحظنا، عانت “ديانت” من نقص الأعضاء وهو ما أتاح تسلل جماعات دينية مختلفة إليها. وعلى العموم، ساهمت الطبيعة الهرمية للمؤسسة في الحفاظ على الاعتدال من جهة والسيطرة على الدين في تركيا من جهة أخرى، من جهتها حرصت الدولة بشكل متواصل على عدم سيطرة أي من الطوائف الدينية على “ديانت” بشكل كامل.

وفي ظل حكم حزب العدالة والتنمية، خضعت “ديانت” لعملية تغيير سريعة. ولعل الطابع الأبرز كان النمو المتسارع للمؤسسة. ففي أقل من عقد من الزمن، تضاعفت ميزانيتها أربع مرات لتصل إلى 2 مليار دولار أمريكي تقريباً، وتوسعت في التوظيف حتى وصل عدد موظفيها إلى حدود 120 ألف شخص، وهو ما جعلها واحدة من أكبر مؤسسات الدولة في تركيا، أكبر من وزارة الداخلية.23

وفي ظل نمو “ديانت” انخفضت نسبة الموظفين القادمين لها عبر بيروقراطية الحكومة العادية، وبشكل متزايد زاد عدد الموظفين فيها القادمين من مدارس (الإمام – خطيب) وهي المدارس التي أنشئت أصلاً لتوفير القوى العاملة في المساجد التركية عدا عن كليات اللاهوت. وبشكل لا يثير الدهشة كانت الطريقة النقشبندية وفروعها تسيطر على هذه المدارس.

استخدمت رئاسة الشؤون الدينية كأداة سياسية أيضاً، فحتى أواخر عام 2010، وفي ظل قيادتها من رئيس علماني التوجه، كانت المؤسسة تقف إلى حد كبير بعيداً عن السياسة. لكن هذا تغير بعد رد رئيس المؤسسة على طلب أردوغان بأن تشارك المؤسسة في العملية التشريعية حين قال رئيسها: ”إن التشاور مع رئاسة الشؤون الدينية فيما يخص التشريعات أمر يعارض العلمانية”.24  حينها، قرر أردوغان تعيين مرشحه المقرب، محمد جورمز، والذي كان أكثر طواعية لرغبات قيادة حزب العدالة والتنمية.

ومع نمو حجم “ديانت” أخذ دورها الاجتماعي بالنمو. ففي عام 2011 بدأت بإصدار شهادات الحلال للمنتجات الغذائية. وفي العام التالي قامت بفتح قناة تلفزيونية، وصارت تقدم خدمة لإصدار الفتاوى والاستشارات ودشنت خطاً ساخناً يوفر الإرشاد الديني لكل من يطلبه طوال اليوم.25 وزاد عدد الفتاوى بشكل ملحوظ. من الناحية القانونية لا تمثل “ديانت” أي وزن عبر الأحكام التي تصدرها، لكنها بالتأكيد تملك تأثيرها الكبير على الجماهير المحافظة.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت مدارس (إمام – خطيب) تحت تأثير مباشر من الرئيس رجب طيب أردوغان عبر وقف الشباب والتعليم في تركيا، الذي يديره ابنه بلال. يستقبل هذا الوقف التبرعات (بما فيها منحة تقدر بـ99 مليون دولار يرجح أنها أتت من مصدر سعودي). وساهم هذا الوقف في كثير من الأحيان في دعم المؤسسات التعليمية وتوفير مبان وقطع أراض أو تخفيض إيجارها نظير خدمتها للمؤسسة الحكومية التعليمية.

وفي عام 2002 كان عدد الطلاب في مدارس إمام – خطيب قرابة 65000 طالب. أما اليوم فإن الرقم يناهز المليون، وتأتي هذه الزيادة الكبيرة بعد التعديلات التشريعية التي تم إقرارها بين أعوام 2010 و2012 وإتاحة إمكانية الانتقال بين المدارس الثانوية العلمانية والمدارس المتوسطة إلى مدارس إمام – خطيب. هذا بالإضافة إلى مساهمة هذه الإصلاحات في زيادة المحتوى الديني في المدارس العلمانية، إذ أضيفت دورات عن التاريخ الإسلامي وحياة الرسول إلى المنهج الدراسي.

وفي حين أن بعض هذه الدورات الدينية بقيت اختيارية وغير إلزامية، فمن السهل تصور إقبال الطلاب على هذه المواد ودراستها خارج الجيوب العلمانية في تركيا. وكانت هذه الإصلاحات الدينية دفاعية وهجومية في آن معاً، فهي هجومية لأنها تهدف إلى قولبة الناس وفق رؤية حزب العدالة والتنمية، لكنها أيضاً دفاعية لأنها تأتي ضمن الجهود المبذولة للحد من تأثير مدارس غولن. وفي الواقع، فإن هذه الإصلاحات جاءت تحت ضغط قدرة مدارس غولن على تخريج طلاب ذوي قدرة وتفوق تعليمي، لكنهم يفتقرون إلى الولاء لأردوغان وحزب العدالة والتنمية.

وتحت مظلة حزب العدالة والتنمية، خضع الإسلام الرسمي ونظم التعليم في تركيا لتغييرات ضخمة تملك عواقب بعيدة المدى. هذه التغيرات شملت مرافق كثيرة من المساجد حتى الفصول الدراسية، وتهدف إلى تمكين أردوغان ورفاقه من قولبة نظرة الجيل التركي الناشئ. هذه النظرة التي تمتاز ببعض التقلبات الفقهية، تعتمد بشكل أساسي على تقاليد مناهضة للغرب ومستمدة من الطريقة النقشبندية الخالدية. وبعبارة أخرى، فإن ما يجري الآن عبارة عن إدخال تركيا ونظامها التعليمي في دائرة الطريقة الخالدية، سواء من حيث السيطرة السياسية أو من خلال الأعضاء الملقنين حديثاً. علاوة على ذلك، في ظل حكم العدالة والتنمية، أضحت “ديانت” مؤسسة مسيسة بامتياز، فكثير من خطب المساجد تمجد في حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان.

يدرس ما يتراوح بين 10  إلى 15٪ من الطلاب في المرحلة المتوسطة والثانوية في مدارس (إمام – خطيب)، التي تساهم مناهجها فضلاً عن الخطب الرسمية الدينية في وضع معتقدات الطريقة النقشبندية الخالدية وما يتماشى مع سياسات حزب العدالة والتنمية في عقول الناس. ومن الواضح أن هذا سيحمل عواقب كثيرة لا يمكن التنبؤ بها على طبيعة المجتمع وتركيبته الثقافية خلال العقود القادمة.

سفانتي كورنيل: مدير مركز آسيا الوسطى والقوقاز ومشرف برنامج طريق الحرير.

وأم كي كايا: باحث زائر في مركز آسيا الوسطى والقوقاز وبرنامج طريق الحرير 

الهوامش

1Albert Hourani, The Emergence of the Modern Middle East (Oakland, CA: University of California Press, 1981), p. 78.
2 Ibid., p. 79.
3 Dina Rizk Houry, “Who is a True Muslim? Exclusion and Inclusion among Polemicists of Reform in Nineteenth-Century Baghdad,” The Early Modern Ottomans, ed. Virginia H. Aksan and Daniel Goffman (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 266.
4 Şerif Mardin, “The Nakshibendi Order of Turkey,” Fundamentalisms and the State, ed. Martin E. Marty and R. Scott Appelby (Chicago: University of Chicago Press, 1993), p. 213.
5 Ibid., p. 214-215; Itzchak Weismann, The Naqshbandiyya: Orthodoxy and Activisim in a worldwide Sufi Tradition (London: Routledge Press, 2007).
6 Şerif Mardin, “The Nakshibendi Order of Turkey”, Fundamentalisms and the State, ed. Martin E. Marty and R. Scott Appelby. (Chicago: University of Chicago Press, 1993), p. 222-223; Birol Yeşilada, “The Refah Party Phenomenon in Turkey,” in Birol Yeşilada, ed.Comparative Political Parties and Party Elites: Essays in Honor of Samuel J. Eldersveld (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1999), p. 137.
7 Esen Kirdiş, Between Movement and Party: Islamic Political Party Formation in Morocco, Turkey and Jordan (St. Paul: University of Minnesota Press, 2011), p. 129.
8 Birol Yeşilada, “The Refah Party Phenomenon in Turkey,” in Birol Yeşilada, ed.Comparative Political Parties and Party Elites: Essays in Honor of Samuel J. Eldersveld (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1999), p. 137.
9 Esen Kirdiş quoting Suleyman Arif Emre, p. 140. Suleyman Arif Emre, Siyasette 35 Yil. (35 Years in Politics) (Istanbul: Kesif Yayinlari Press, 2002), p. 173.
10 Fulya Atacan, “Explaining Religious Politics at the Crossroad: AKP-SP,” Turkish Studies, Vol. 6, no. 2 (June 2005), p. 191.
11 Ibid., p. 190.
12 Prominent groups include: The Yazıcılar Group (led by Ahmet Hüsrev Altınbaşak); the Kurdoğlu Group (Mehmet Kurdoğlu); the Sözler Group (Mustafa Sungur); the şura Group (Mehmet Kırkıncı); the Zehra Group (İzzettin Yıldırım); the Nesil Group (Mehmet Fırıncı); the İstanbul Group (Abdullah Yeğin, Hüsnü Bayram, Ahmet Aytimur); the İhlas Nur Group (M. Said Özdemir); the Med-Zehra Group (Muhammed Sıddık Dursun); the Yeni Asya (New Asia) Group (Yeni Asya Gazetesi, Mehmet Kutlular); and the Gülen movement.
13 Yalçın Bayer, “MHP’yi Baraj altından Sÿleymancılar mı kurtardı?” Hürriyet, June 15, 2011.
14 For further detail on Erbakan’s ideology, see Svante E. Cornell, Eric S. Edelman, Halil Karaveli, Aaron Lobel and Blaise Misztal’s forthcoming study of Turkish politics, to be published by the Bipartisan Policy Center in September 2015.
15 Jenny White, “Turkish Coup by Court,” Social Science Research Council, Rethinking Secularism Blog, July 30, 2008.
16 Lorenzo Vidino, “The Muslim Brotherhood’s Conquest of Europe,” Middle East Quarterly, Vol. 12, no. 1 (2005); Udo Ulfkotte, Der Krieg in Unseren Städten: Wie Radikale Islamisten Deutschland Unterwandern (Frankfurt: Eichborn AG, 2003), p. 35-36, PDF available.
17 Zeyno Baran, Torn Country: Turkey Between Secularism and Islamism (Palo Alto: Hoover Institution Press, 2010).
18 Ahmet Yıldız, “Transformation of Islamic Thought in Turkey Since the 1950s,”, in Ibrahim Abu-Rabi, ed. The Blackwell Companion to Contemporary Islamic Thought(Hoboken, NJ: Wiley-Blackwell Press, 2006), p. 44-45.
19 Steven Merley, Turkey, the Global Muslim Brotherhood, and the Gaza Flotilla (Jerusalem Center for Public Affairs, 2011), p. 31, PDF available.
20 Soner Yalçın, Milli Nizam’dan Fazilet’e Hangi Erbakan (Istanbul: Şu Yayınları, 1999). An excerpt on the matter is available online.
21 “Global Muslim Brotherhood Leadership Gathers at Erbakan Funeral,” The Global Muslim Brotherhood Daily Watch, March 20, 2011.
22 Gareth Jenkins, “Between Fact and Fantasy: Turkey’s Ergenekon Investigation,” Central Asia-Caucasus Institute & Silk Road Studies Program Silk Road Paper, August 2009. PDF available.
23 “Iste Diyanet’in Bütçesi,” Odatv.com, February 19, 2014; “Diyanet’te kaç personel çalışıyor?” Bedir haber, November 11, 2014.
24 “Diyanet’ten laiklik uyarısı,” Vatan, November 5, 2010.
25 Hay Eytan Cohen Yanarocak, “Turkey’s Diyanet: the Revival of Sheikh al-Islam,” Moshe Dayan Center, Tel Aviv Notes, Vol. 9 no. 3, February 10, 2015.
26 “Bilal Erdoğan’ın parasının izi ortaya çıktı,” Sözcü, January 30, 2014.

اترك رد

٪ تعليقات
%d مدونون معجبون بهذه: