المرصد

المركز الروسي للشؤون الدولية: هل غزا ترامب الشرق الأوسط؟

5824069051495276260

نشر “المركز الروسي للشؤون الدولية” دراسةً تناول من خلالها سياسة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الخارجية تجاه الشرق الأوسط. وتطرقت الدراسة إلى أولى الزيارات الرسمية التي أداها الرئيس الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط بعد مرور أربعة أشهرٍ من مراسم تنصيبه.

بادر الرئيس الأمريكي بزيارة بلدان الشرق الأوسط في أولى جولاته الخارجية نظراً لأهمية هذه المنطقة على الصعيد الدولي. وقد انطلقت جولته الرسمية بزيارة “المملكة العربية السعودية”. ولا يعد اختيار ترامب لهذا البلد من قبيل الصدفة. ففي واقع الأمر، تعدّ الرياض الحليف العربي الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

فضلاً عن ذلك، تجمع الدولتين العديد من المصالح المشتركة في المنطقة، علاوةً على عدوٍّ مشترك؛ إيران، التي يعتبرها ترامب المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة، حيث تقوم بتمويل الإرهابيين عسكرياً ومادياً.

من الواضح أن إيران أصبحت تمثل مشكلة رئيسية بالنسبة لترامب وحلفائه في الشرق الأوسط. ولكن، في الوقت الراهن، تبقى الأولوية لمكافحة تنظيم الدولة.

وفي الأثناء، لا يعدّ تنظيم الدولة دولةً معترفاً بها دولياً، كما ليس له زعيم إسلاميّ شيعيّ مثل إيران، مما يفضي إلى القول إن إيران تعتبر من منظور ترامب أكثر خطورةً من تنظيم الدولة. وتجدر الإشارة إلى أن محاربة تنظيم الدولة في المقام الأول يعتبر وسيلةً لتمهيد الطريق لمواجهة إيران فيما بعد.

من جهتها، عمدت إيران إلى تبنّي جملةٍ من التحركات التي ساهمت في زعزعة أمن واستقرار المنطقة، حيث لم تتوان عن تقديم دعمها للنظام السوري المستبد بقيادة “بشار الأسد”، بالإضافة إلى “حزب الله” الذي يمثّل تهديداً واضحاً لأحد الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة الأمريكية، “إسرائيل”. وبالتالي، تعتبر طهران، من وجهة نظر ترامب، الشرّ الأكبر الذي يجب التخلص منه مما يستوجب توحُّد العالم العربي لأجل ذلك.

في الحقيقة، يعدّ اختيار المملكة العربية السعودية كأول وجهةٍ رسمية أمراً منطقياً، خاصةً في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات. وخلال هذه الزيارة، جمعت مفاوضات ثنائية الرئيس الأمريكي ترامب بنظيره السعودي الملك “سلمان بن عبد العزيز”، في حين عُقدت قمة عربية أمريكية بحضور قادةٍ من 55 دولةً. وتجدر الإشارة إلى أن ترامب قد أعرب، قبل توجهه إلى الشرق الأوسط، عن رغبته في خلق كتلةٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ في الشرق الأوسط شبيهة بمنظمة حلف شمال الأطلسي.

وفي الوقت الذي سارع فيه “ترامب” بتوقيع أكبر اتفاقيةٍ عسكريةٍ بين واشنطن والرياض، لم يعلن عن أيّ خطواتٍ فعليةٍ لتنفيذ مخططاته على أرض الواقع. وفي سياقٍ متصل، أورد بعض الخبراء والمحللين أنّ إقامة نظامٍ أو تحالفٍ يوحّد بين قيادات دول الشرق الأوسط يكاد يكون مستحيلاً. فعلى سبيل المثال، من غير المرجّح أن يخضع الجيش الإسرائيلي لقادة الكويت وعمان أو غيرها من الدول العربية الأخرى، والعمل تحت إمرتهم. ومن جهةٍ أخرى، يتوقع الخبراء ظهور تنظيمات عسكريّة شبه إقليمية في المنطقة، قد تشمل دول الخليج.

 عموماً، الأمر الوحيد الذي من شأنه أن يساهم في توحيد الدول العربية هو أن يجمعهم هدفٌ مشترك. وفي هذا السياق، يسعى “ترامب” إلى تركيز كل الجهود على مكافحة الإرهاب والتطرف، في حين يعمل على تصوير إيران على اعتبارها أحد أهم التهديدات الخارجية التي تمثل خطراً على دول الشرق الأوسط. لكن، هل كل الدول العربية مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران؟

في الواقع، محاربة إيران تتطلب دعم مالي قوي جداً، وأي دولة أخرى عدا المملكة العربية السعودية، التي تتزعم العالم السني، لن تكون قادرةً على الدخول في مواجهةٍ حقيقيةٍ ومتكافئة القوى ضد إيران الشيعية. وفي الأثناء، تبدو الاتفاقيات التي تم توقيعها بين ترامب والملك سلمان واعدةً، علماً وأنها تعد الأضخم في تاريخ الاتفاقيات المتعلقة بإمدادات الأسلحة والمعدات العسكرية. فقد قدرت بمئات المليارات من الدولارات. ومن هذا المنطلق، يمكن الجزم بأنّ المملكة العربية السعودية تتمتع بالقوة الكافية لمحاربة النفوذ الإيراني المتنامي في الشرق الأوسط، خاصةً في ظلّ سعي طهران إلى دعم “حزب الله” وقوات الأسد، بالإضافة إلى القوات المتمردة في اليمن.

في سنة 2009، ألقى باراك أوباما “خطاباً في القاهرة”، وكان من المتوقع أن تشهد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحولاً واضحاً إبان ذلك، إلا أنه لم يحدث أي تغيير يذكر. وبعد ثمان سنوات، لم يتوان الرئيس الأمريكي الجديد عن كشف نواياه تجاه الشرق الأوسط. وقد تجلى ذلك من خلال الزيارة التي أدّاها إلى الرياض، حيث أثبت بذلك أنّ الدول العربية والوضع في المنطقة يعتبران أولويةً قصوى بالنسبة لواشنطن. وفي الأثناء، تحظى زيارة الرئيس الأمريكي إلى البلد العربيّ الذي يحتضن أبرز الأماكن المقدسة في الإسلام “مكة المكرمة والمدينة المنورة” برمزية كبيرة.

وخلافاً للرئيس السابق “باراك أوباما” الذي حاول في خطاباته في الكثير من الأحيان اقتباس بعض الآيات من القرآن أو إلقاء التحية باللغة العربية، فضلاً عن التنديد بالعمليات الإرهابية، فقد تبنّى ترامب توجهاً مغايراً تماماً. فقد أقر الرئيس الأمريكي الجديد بحقيقة أن المسلمين أنفسهم يعملون جاهدين على التصدي للإرهاب ومحاربته نظرا لأن 95 بالمائة من ضحايا الإرهاب من المسلمين.

وإثر انتهاء زيارته في المملكة، اتجه الرئيس الأمريكي رفقة زوجته “ميلانيا” وابنته “إيفانكا ترامب” وزوجها، إلى أحد أهمّ بؤر التوتّر في الشرق الأوسط: “إسرائيل وفلسطين”. في الحقيقة، في حال أقدم ترامب على عقد اجتماعٍ مع الإسرائيليين وتعمّد تجاهل الفلسطينيين، سيكون ذلك بمثابة خطأٍ فادح. ومن هذا المنطلق، أكّد “ترامب” على التزاماته التي أدلى بها خلال لقائه الشخصيّ مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتانياهو” منذ الشهر الأول لتنصيبه. فضلاً عن ذلك، شدد ترامب على استعداده لفتح قنوات الحوار مع الفلسطينيين، في محاولةٍ منه للوفاء بما تعهد به خلال المحادثات التي جمعته مع “محمود عباس” في واشنطن.

في واقع الأمر، لطالما كانت سياسة “الولايات المتحدة” الخارجية وقرارات واشنطن فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تصبّ في مصلحة “تل أبيب”. لكن، وعلى الرغم من التزام البيت الأبيض بخدمة مصالح إسرائيل ودعمها منذ عهد “باراك أوباما”، إلا أنّ واشنطن تحاول العمل على خلق سبيل للحوار بين الطرفين. وفي هذا الصدد، يعتقد ترامب أنه ودون فتح سبل الحوار مع الجانب الفلسطيني لا يمكن المضي قدماً نحو تسويةٍ للصراع “الفلسطيني-الإسرائيلي”.

في المقابل، تشوب سياسة ترامب تجاه الفلسطينيين جملةٌ من التناقضات. فعلى سبيل المثال، لم يبادر الرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية من “تل أبيب” إلى “القدس”، إلى حد الآن، الأمر الذي تعتبره وسائل الإعلام الفلسطينية خطوةً سلبيةً للغاية تجاه القضية الفلسطينية. في المقابل، وخلال زيارة الرئيس الأمريكي إلى بيت لحم، كانت خطاب الرئيس الفلسطيني “محمود عباس” تجاه نظيره الأمريكي وديّاً للغاية، ما من شأنه أن يطرح العديد من التساؤلات.

وفي شأن ذي صلة، لم تشهد زيارة ترامب إلى إسرائيل أي أحداث مهمّة باستثناء زيارة ترامب إلى حائط المبكى، علماً وأن ترامب يعدّ الرئيس الأمريكي الوحيد الذي أقدم على مثل هذه الخطوة. وفي هذا الإطار، لسائلٍ أن يسأل هل لهذه الخطوة أي علاقة بحجم التقارب الإسرائيلي الأمريكي؟ في الواقع، من المرجح أن ملامح السياسة الأمريكية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية لن تتغير كثيراً في عهد ترامب.

وعلى الرغم من تمتّع ترامب بالقدرة الكافية للتأثير على مسار القضية الفلسطينية وإيجاد حلٍّ للتسوية الإسرائيلية الفلسطينية، إلا أنه لم يقدّم أي مقترحات فعليّة في هذا الغرض حالياً.

من ناحية أخرى، لم يبد ترامب أي اهتمام فيما يتعلق ببناء إسرائيل لجملة من المستوطنات الجديدة، في الوقت الذي أعلنت فيه الإدارة الأمريكية على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض، “شون سبايسر”: “لا نعتقد أنّ وجود المستوطنات يشكل عائقاً أمام عملية السلام، إلا أنّ بناء مستوطناتٍ جديدة أو توسيع المستوطنات الموجودة فعلياً، قد لا يكون أمرا مفيدا في الوقت الحالي”.

على ضوء كل هذه المعطيات، يمكن القول أنّ الرئيس الأمريكي لا يسعى إلى غزو الشرق الأوسط عسكرياً وسياسياً فقط وإنما عقائدياً وثقافياً أيضاً.

فبعد زيارة ترامب إلى المملكة العربية السعودية التي تؤوي أبرز المقدسات الإسلامية وأهمّها، توجه ترامب إلى القدس التي تتسم برمزية كبيرة بالنسبة للديانات السماوية الثلاث، وإثر ذلك توجه إلى بيت لحم مسقط رأس المسيح.

ومن هذا المنطلق، طغى الجانب الرمزي على الجولة الأولى للرئيس الأمريكي في المنطقة. في الواقع، يشير كل ذلك إلى أن “الولايات المتحدة الأمريكية” لا زالت الدولة الأقوى في العالم. علاوةً على ذلك، تمكن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” خلال جولته الأولى في الشرق الأوسط من تحقيق أحد أهمّ وعوده الانتخابية وهي استعادة مكانة الولايات المتحدة الأمريكية على اعتبارها بلداً رائداً في العالم، بعد أن تراجع نفوذها في عهد الرئيس السابق. من ناحية أخرى، تؤكد جولته في إحدى أكثر مناطق العالم توتراً على قدرة بلاده على التأثير على سياسة هذه الدول.

المركز الروسي للشؤون الدولية

الرابط:http://russiancouncil.ru/analytics-and-comments/columns/political-life-of-usa/tramp-pokoril-blizhniy-vostok/