المرصد

ذا وول ستريت جورنال: انهيار إمبراطورية الإنشاءات لرئيس الوزراء اللبناني مع تراجع العلاقات مع السعودية

BN-WG985_HARIRI_GR_20171122172602

 

إن المملكة العربية السعودية ذات صلة بالمشكلتين الكبيرتين لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري: مستقبله السياسي الهش، والانهيار الذي يلوح في الأفق لإمبراطوريته الإنشائية، وهي أعمال بنيت على عقود من الدعم من العائلة المالكة السعودية.

وكانت شركة سعودي أوجيه، وهي شركة بناء مقرها الرياض مملوكة بالكامل لأسرة الحريري، قد أغلقت عملياتها في المملكة العربية السعودية هذا الصيف، بعد أن خفضت العائلة المالكة السعودية الإنفاق على مشاريع البناء الفخمة. وتعتمد الشركة الآن على الحكومة السعودية (العميل الرئيسي) لدفع ملايين الدولارات من الأجور المستحقة للعمال السابقين للشركة، كما يقول الموظفون السابقون، وقال مسؤول سابق في الشركة إن مسؤولين سعوديين يحققون أيضاً في موارد الشركة. ولم يستجب المتحدث باسم السيد الحريري، وسعودي أوجيه، والحكومة السعودية لطلبات التعليق. مشاكل سعودي أوجيه هي مقياس لتأثير الرياض على السيد الحريري وعلامة على علاقته المتراجعة مع الحكومة السعودية، وهو تحولٌ له انعكاساته على لبنان أيضاً.

ففي 4 تشرين الثاني/نوفمبر، فاجأ السيد الحريري لبنان عندما ظهر على شاشات التلفزيون السعودية في الرياض ليعلن عن تخليه عن منصبه كرئيسٍ للوزراء. وقال السيد الحريري، وهو مواطن ذو جنسية مزدوجة سعودية ولبنانية ويقود الكتلة السنية اللبنانية، إنه اتهم إيران ووكيلها اللبناني حزب الله بما وصفه بدورهما المدمر في الشرق الأوسط، وقال إنه يخشى على حياته. ووفقاً لأشخاص مقربين من الحريري ومن الحكومة السعودية فقد ضغط السعوديون على السيد الحريري للاستقالة. وتريد الرياض التي تدعم الكتلة السنية في لبنان من الحريري اتخاذ موقفٍ أكثر قوة ضد حزب الله في النضال الإقليمي لمواجهة نفوذ إيران الشيعية.

وبعد ذلك بقي السيد الحريري في المملكة العربية السعودية على مدى الأسبوعين التاليين، ممَّا أثار اتهامات من الشخصيات السياسية اللبنانية بأن السعوديين يبقونه هناك رغماً عن إرادته. في حين نفى متحدثٌ باسم الحكومة السعودية أي دورٍ في استقالة السيد الحريري، وقال إن للسيد الحريري حرية التحرك.

ومنذ ذلك الحين سافر الحريري إلى باريس والقاهرة وقبرص للاجتماع مع القادة. وبعد عودته إلى لبنان مساء الثلاثاء قال الحريري إنه سيتراجع عن استقالته، بناءً على طلب الرئيس اللبناني ميشال عون كي يتمكن الرجلان من بحثها. ويقول المحللون إن القوى السياسية التي توجه ضرباتها لسيد الحريري تنبع من علاقات عائلته الطويلة الأمد بالمملكة العربية السعودية. وقد أدت هذه العلاقة منذ سنوات دوراً رئيسياً في النظام السياسي الطائفي في لبنان، الذي يقسم السلطة بين السنة والشيعة والمسيحيين، ويشكل كل منهم نحو ثلث السكان.

ساعدت العائلة على مدى عقود الرياض في التأثير على لبنان، بدءاً من رفيق والد سعد الحريري الذي أسس سعودي أوجيه وأصبح رئيساً للوزراء. وقال هانز باومان، المتخصص في السياسة في الشرق الأوسط في جامعة ليفربول، والذي كتب سيرة رفيق الحريري: “لقد اكتسب السعوديون نفوذاً ليس على المجتمع السني فحسب، بل على اتجاه البلاد أيضاً”.

وقال مصرفيون عملوا مع الشركة إن المشاكل التي تواجه أعمال السيد الحريري بدأت منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، حيث بدأت المملكة العربية السعودية في التعامل مع تأثير انخفاض أسعار النفط على الميزانية العامة. فقد قاد محمد بن سلمان، الذي كان نائب ولي العهد في ذلك الوقت وأصبح ولياً للعهد هذا الصيف، محاولةً لتقييد الإنفاق على مشاريع الإنشاءات التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات المسندة إلى سعودي أوجيه.

وبنقص السيولة توقفت الشركة عن الدفع للعمال ابتداءً من عام 2015. ومع استمرار تأخر الرواتب ترك آلاف العمال المهاجرين، ومعظمهم من جنوب آسيا، وظائفهم للعودة إلى ديارهم، وفقاً لما ذكره المصرفيون و الموظفون السابقون. وقالوا إن قوة العمل، التي كانت تصل إلى 50 ألف شخص، تقلصت إلى الصفر تقريباً بنهاية تموز/يوليو.

ويقول المهندسون الفرنسيون الذين نُقلوا إلى المملكة العربية السعودية للعمل في هذه المشاريع إنهم ذهبوا لأكثر من عام، خلال الفترة 2015-2016 دون دفع رواتبهم. وقال أحد الموظفين السابقين فينسينت ليساج وهو فرنسي عمل لمدة سبع سنوات في الرياض لـ” سعودي أوجيه ” وغادر بسبب عدم الدفع: “لقد آمنا بالشركة ولكن تمت سرقتنا”.

دفعت مشاكل الدفع الخاصة بـ”سعودي أوجيه” إلى رفع شكاوى إلى السيد الحريري من الحكومة الفرنسية، وفقاً لرسائل نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال. وكتب السفير الفرنسي لدى المملكة العربية السعودية إلى السيد الحريري في حزيران/يونيو 2016 “إن إعادة دفع الرواتب أصبحت أمراً ملحاً، وسلطاتنا تشعر بالقلق لأن الوعود التي قطعتها لنا منذ بضعة أسابيع لم يتم الوفاء بها”. وكان السيد الحريري قد أخبر الدبلوماسيين الفرنسيين مراراً أن شركته تعمل على دفع الرواتب المتأخرة كما تُظهر الرسالة.

وبحسب الموظفين والمسؤولين الفرنسيين فإن الحكومة السعودية تدخلت في أيلول/سبتمبر الماضي لاحتواء المشاكل الدبلوماسية العرضية لسعودي أوجيه، ودفعت لموظفي الشركة الفرنسيين ما يعادل أجور تسعة أشهر؛ ممَّا كلف المملكة الملايين من اليوروات.

وقالت كارولين واسرمان، وهي محاميةٌ لنحو 80 من الموظفين السابقين ومقرها باريس، إن سعودي أوجيه لا تزال تدين بما يقرب من 20 مليون يورو (23.5 مليون دولار) باقي رواتب متأخرة وضرائب ضمان اجتماعي لعملائها. وفي محادثات مع مسؤولين فرنسيين حول هذا الموضوع، قالت السلطات السعودية إن الحكومة تستعد لدفع رواتبهم.

وفي الوقت نفسه، طالبت وزارة المالية السعودية في عام 2016 برزمٍ من وثائق شركة سعودي أوجيه حول ممارسات إنفاقها، واستأجرت شركة برايس ووترهاوس كوبرز PwC للمحاسبة للمساعدة في مراجعة الحسابات، وفقاً لما ذكره هوبير باباي، الذي ترأس قسم مراقبة التكاليف في سعودي أوجيه آنذاك. ولم ترد شركة برايس ووترهاوس كوبرز على طلب التعليق.

ويقول المصرفيون الذين عملوا مع شركة سعودي أوجيه إنهم طرحوا سيناريوهات مختلفة لإنقاذ الشركة، بدءاً من إعادة هيكلة الديون للمملكة العربية السعودية، مع أخذ حصة أقلية في الشركة أو تأميمها. وقد باعت سعودي أوجيه حصتها في مصرف أردنيٍ بنحو مليار دولار أمريكي لجمع السيولة. لكن المصرفيين لا يرون الآن سوى فرصة ضئيلة في إعادة تشغيل عمليات الشركة. ووضعت المحاكم الفرنسية أوجيه الدولية، الشركة التابعة للمجموعة الدولية في منطقة باريس، تحت الإدارة القضائية في أيلول/سبتمبر 2016.

كانت سعودي أوجيه قد انطلقت على يد رفيق الحريري بعد أن انتقل إلى السعودية من لبنان في سن المراهقة. ونمت الشركة بسرعة، وغذتها عقود البناء التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات التي قدمتها الأسرة المالكة السعودية؛ ممَّا سمح لها أن تصبح عملاق بناءٍ متعدد الجنسيات في الثمانينيات.

وعاد رفيق الحريري إلى لبنان رجلاً غنياً، ودخل السياسة وأصبح رئيساً للوزراء لأول مرة عام 1992. واستخدم ثروته لتمويل حملته، في حين ساعد دعم العائلة المالكة السعودية له على بناء الدعم في صفوف الطائفة السنية اللبنانية.

تولى سعد الحريري إدارة سعودي أوجيه بعد أن اغتيل والده بسيارة مفخخة في عام 2005. ومع ارتفاع أسعار النفط في ذلك الوقت، شرعت الحكومة السعودية في فورة البناء، وسلمت الشركة مجموعةً جديدةً من العقود القيمة. وتشمل هذه المشاريع جامعة الأميرة نورة عبد الرحمن للفتيات، والعيادة الطبية الشخصية للملك السعودي، وفندق ريتز كارلتون بالرياض.

المصدر: ذا وول ستريت جورنال

الكاتب: Matthew Dalton، Nicolas Parasie

الرابط: https://www.wsj.com/articles/with-saudi-ties-fraying-lebanese-premiers-construction-empire-crumbles-1511519402