slot dana slot toto toto 4d slot pulsa slot gopay slot ovo slot bet 200 slot bet 100 situs bet 200 situs bet 100 situs slot dana situs slot toto jagung77
يونيو 18, 2026
الرئيسية » الآلة المفترسة

الآلة المفترسة

الالة المفترسة

كيف هندس نظام البعث الاستقرار المعيشي، ولماذا يجب على السلطة الجديدة أن تحذر من ترميم آلته الاقتصادية

استنتاجات رئيسية

  • لم تكن سوريا قبل 2011 دولة رخاء، بل دولة كفاف مُدار؛ فالعيش كان ممكناً لا بفضل الأجر وحده، بل بفضل الدعم، واستقرار العملة، والتحويلات، والدخل غير الرسمي.
  • بنى نظام البعث استقراره عبر آلة مزدوجة: ميزانية رسمية للأجور والدعم والخدمات، وميزانية موازية للفساد والتغاضي والرخص والامتيازات.
  • بدأت هذه الآلة بالتآكل قبل الثورة، ثم تحولت بعد 2011 إلى آلة افتراس تموّل الشبكة لا المجتمع؛ لذلك لا تواجه سوريا اليوم نقص دخل فقط، بل غياب الجهاز الذي كان يحوّل الموارد المحدودة إلى معيشة محتملة.
  • لا يصنع انخفاض السكان ولا توسع التحويلات تعافياً تلقائياً؛ فالأول يأتي ضمن قاعدة إنتاجية مدمّرة، والثانية دخل للأسر لا إيراد للخزينة.
  • تواجه السلطة الجديدة ضغطاً مزدوجاً ومركّباً: حاجة اجتماعية مشروعة لتعويضات ووظائف وخدمات سريعة، وشبكات داخلية وخارجية تدفع نحو تعطيل بناء آلة اقتصادية صحية.
  • الخطر الأكبر ليس بطء التعافي وحده، بل إعادة إنتاج الآلة القديمة بأسماء جديدة: دولة رواتب، وشبكات امتياز، واستقرار مُهندَس لا يقوم على إنتاج أو مؤسسات.
  • السؤال الاستراتيجي أمام سوريا ليس: متى تتحسن المعيشة؟ بل: أي آلة يبنيها السوريون؟ آلة تعيد إنتاج الولاء والريع والتغاضي، أم آلة جديدة تقوم على الإنتاج، والخزينة الواحدة، والموازنة الشفافة، والحماية الاجتماعية الموجّهة؟

مقدمة: سؤال المعيشة بعد سقوط النظام

تتصدّى هذه الورقة لسؤالين يوجّهان النقاش السوري الراهن: هل كان السوريون يعيشون “بكرامة اقتصادية” قبل 2011؟ ولماذا لا تتحسن المعيشة سريعاً بعد سقوط النظام، رغم وجود معطيات تبدو مساعدة مثل انخفاض عدد المقيمين وتوسع تحويلات الشتات، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 2011؟

في أيار 2026، أثارت قرارات رفع أسعار المحروقات، وقبلها ارتفاع فاتورة الكهرباء، موجة استياء شعبي واسعة. بدا المشهد، للوهلة الأولى، عصياً على التفسير: فالموظف الحكومي يتقاضى اليوم، مقوّماً بالدولار، أكثر مما كان يتقاضاه في السنوات الأخيرة من العهد السابق، حين انهارت الرواتب إلى مستويات شديدة الانخفاض، ومع ذلك يتعمّق السخط بدلاً من أن يتراجع.

تنبع المفارقة من أن الذاكرة الاجتماعية لا تقارن اليوم بسنوات الانهيار الأخيرة فقط، بل تستحضر زمن ما قبل 2011؛ حين بدا أن الراتب، ولو كان محدوداً، يكفي لتدبير الحياة اليومية، هنا تظهر سرديتان شائعتان: الأولى تقول إن السوري كان يعيش بكرامة اقتصادية قبل الثورة، والثانية تقول إن حكومةً ترث بلداً أقل سكاناً، وأوفر تحويلات من شتات واسع، ينبغي أن تكون قادرة على تحسين المعيشة بسهولة.

تجادل الورقة بأن كلا الاعتقادين يقيس بمسطرة غير دقيقة، فسوريا قبل الثورة لم تكن دولة رخاء، بل دولة كفاف مُدار، وما امتلكته لم يكن دخلاً مرتفعاً، بل آلة مؤسسية تحول دخلاً محدوداً إلى عيش محتمل عبر خمسة روافد: أجر نقدي، ودعم عيني واسع، وتحويلات خارجية، وسعر صرف مستقر منخفض التضخم، ودخل غير رسمي مُرخّص ضمنياً جعل الفساد والتغاضي جزءاً من نظام تشغيل الدولة.

ولا تقارن هذه الورقة مرحلة ما بعد سقوط النظام بسنوات الحرب بين 2011 و 2024، لأن تلك السنوات لا تمثل وضعاً اقتصادياً قابلاً للقياس الطبيعي، بل مرحلة انهيار استثنائي شملت تفكك الدولة، وتدمير البنية الإنتاجية، وانهيار العملة، ونشوء اقتصاد الحرب، لذلك تعتمد الورقة المقارنة بين مرحلتين: مرحلة ما قبل 2011، بوصفها زمن عمل الآلة الاقتصادية القديمة، ومرحلة ما بعد 2024، بوصفها لحظة اختبار القدرة على بناء آلة جديدة بعد سقوط النظام.

هذه الآلة بدأت كمنظومة كفاف وضبط، وكادت تموت في أزمة 1986 قبل أن ينقذها ريع التسعينات، ثم أخذت تتآكل قبل الثورة بنحو عقد مع تحرير السوق، ومركزة الفساد، ورفع الدعم، قبل أن تتحول بعد 2011 إلى آلة افتراس موّلت الشبكة لا المجتمع.

وعليه، فإن مشكلة الحكومة الجديدة بنيوية في أساسها، لا إدارية فحسب، فضعف الحوكمة يبطئ التعافي ويزيد كلفته، لكنه لا يفسر وحده حجم الانهيار الموروث. فـ”السكان الأقل” مغالطة لأن القاعدة الإنتاجية انكمشت أضعاف انكماش السكان، و”التحويلات الكبيرة” دخل للأسر لا إيراد للخزينة، لذلك لا يكفي أن نقول إن عدد السكان أقل، أو إن التحويلات كبيرة؛ فالمشكلة ليست في كمية الوقود فقط، بل في أن المحرك نفسه مفكك.

وتعمل الدولة الجديدة تحت أربع طبقات متزامنة من الضغط، ضغط اجتماعي مشروع يطلب التعويض والخدمة والعمل سريعاً، وضغط شبكات داخلية تخشى خسارة امتيازاتها القديمة، وضغط خارجي يريد إبقاء سوريا محدودة القدرة والسيادة، وضغط استثماري يدفع نحو استقبال المال قبل اكتمال الأطر القانونية والرقابية القادرة على تنظيمه، لذلك لا يكفي أن يتوفر المال أو تتوسع التحويلات، فالسؤال الأهم هو: عبر أي آلة ستدخل هذه الموارد وتُدار وتُوزع.

تخلص الورقة إلى أن التعافي ليس ضخّ أموال فحسب، بل مشروع إعادة بناء آلة اقتصادية ومؤسسية قد يمتد زمناً طويلاً. والسؤال الاستراتيجي أمام دمشق ليس: متى تتحسن المعيشة؟ بل: أي آلة يمكن بناؤها في ظل هذه الضغوط؟ هل تستطيع سوريا أن تنتقل من منطق الاستقرار المُهندَس إلى منطق الدولة الإنتاجية والمالية العامة الواضحة، من دون أن تدفعها القيود الموروثة والحاجات العاجلة إلى ترميم أجزاء من الآلة القديمة؟

الآلة القديمة: كفاف لا رخاء

في أدبيات الاقتصاد السياسي، يمكن فهم سوريا البعثية بوصفها نموذجاً شبه ريعي: دولة تستمد جزءاً مهماً من مواردها من ريوع لا تمر مباشرة عبر جيوب المواطنين، مثل النفط، والجمارك، وريع الموقع، والمساعدات، وشبكات الامتياز. وقد تُرجم ذلك إلى نوع من الصفقة السلطوية: معيشة متوقعة ومحدودة مقابل إذعان سياسي.

لكن الأرقام قبل 2011 لا تشير إلى بلد رخاء. فمتوسط الأجر النقدي لم يكن كافياً لتغطية سلة الغذاء الأساسية للأسرة. ومع ذلك، نشأ إحساس نسبي بالكفاية، لأن الأسرة السورية لم تكن تعيش من الراتب وحده. فقد كانت المعيشة تنتج من تداخل خمسة روافد: الأجر النقدي، والدعم العيني للخبز والمحروقات والكهرباء والصحة والتعليم، والتحويلات الخارجية، واستقرار سعر الصرف وانخفاض التضخم بما يسمح بالتخطيط والادخار النسبي، والدخل غير الرسمي المسكوت عنه.

هذه الروافد هي التي صنعت ما يمكن تسميته “آلة الكفاف”. فهي لم تمنح رفاهية، لكنها جعلت الدخل المحدود قابلاً للإدارة. وكان ثبات العملة، على سبيل المثال، رافداً غير مرئي لكنه شديد الأهمية. فالدولار المستقر لا يعني قيمة تبادلية فحسب، بل يعني قدرة الناس على التوقع: الادخار، شراء الذهب، بناء منزل بالتقسيط، ترتيب زواج، إرسال ابن إلى الجامعة، أو تأمين احتياجات شهرية بلا انهيار يومي في الأسعار.

إلى جانب ذلك، لعب الدعم دور الأجر الاجتماعي. فالدولة لم تكن تدفع أجوراً عالية، لكنها كانت تخفف كلفة الخبز والطاقة والتعليم والصحة. أما الدخل غير الرسمي، فكان جزءاً من المعادلة؛ إذ لم تكن الدولة تتوقع من موظف يتقاضى أجراً محدوداً أن يعيش من راتبه وحده، بل تركت، بدرجات متفاوتة، هوامش فساد وتغاضٍ وتحايل تتحول إلى دخل إضافي.

هكذا لم يكن الاستقرار المعيشي قبل 2011 نتيجة قوة الاقتصاد، بل نتيجة آلة توزيع وضبط. كانت آلة هشّة، لكنها فعالة بما يكفي لإنتاج كفاف مستقر لغالبية السكان، مع ضائقة متصاعدة في الأطراف والريف والشرائح الأكثر هشاشة.

من آلة الكفاف إلى آلة الافتراس

لم تكن هذه الآلة سليمة من الداخل. فقد بدأت بالتآكل قبل الثورة، خصوصاً منذ منتصف الألفينات، مع ما سُمّي “اقتصاد السوق الاجتماعي”. في الواقع، لم يكن الشق الاجتماعي من هذا الشعار سوى غطاء لانسحاب تدريجي من الالتزامات الاجتماعية، بينما تحول الشق السوقي إلى إعادة توزيع للثروة والفرص لصالح تحالف ضيق من السلطة والمال.

في هذه المرحلة، تراجعت فعالية الدعم، وارتفعت كلفة المعيشة، وتدهورت أوضاع الريف، وتضررت الزراعة بفعل الجفاف والسياسات الاقتصادية، وبدأ الفساد يتحول من شبكة واسعة نسبياً لتوزيع المنافع الصغيرة إلى احتكار أكثر تمركزاً في القمة. لم يعد الفساد مجرد “مهدّئ اجتماعي” يوزع بعض الريع على طبقات واسعة من المنتفعين الصغار، بل صار آلية افتراس تتركز حول نخبة محدودة.

هنا يصبح مفهوم “الميزانية الموازية” ضرورياً لفهم سوريا البعثية. فإلى جانب الميزانية الرسمية، التي توزع الأجور والدعم والخدمات، كانت هناك ميزانية ثانية غير مكتوبة: ميزانية الفساد، والرخص، والتغاضي، والامتيازات، والملفات القابلة للتفعيل. لم يكن الفساد عطباً خارج النظام، بل كان جزءاً من نظام تشغيله. فمن خلاله خفّضت الدولة فاتورة الأجور الرسمية، وربطت الموظفين والمواطنين بشبكات حاجة وخوف وامتياز.

السكن العشوائي مثال واضح على ذلك. فقد عاشت نسب واسعة من سكان المدن في مناطق مخالفة أو غير منظمة. لم يكن ذلك مجرد فشل إسكان، بل جزءاً من سياسة غير معلنة: الدولة تعرف المخالفة وتتغاضى عنها، لكنها تحتفظ بحق تفعيل الملف متى شاءت. وهكذا يتحول التغاضي إلى أداة ضبط.

بعد 2011، انتقل هذا المنطق إلى مستوى أكثر تطرفاً. فمع انهيار الريع النفطي وتراجع الموارد الرسمية، حلّ الريع الإجرامي محل الريع الاجتماعي: اقتصاد الحواجز، والإتاوات، والتعفيش، والكبتاغون، وشبكات الحرب. لكن هذا الريع لم يمول المجتمع، ولا أعاد بناء الدعم أو الخدمات، بل موّل الشبكة والنخبة وأجهزة البقاء. وهكذا ماتت الميزانية الأولى، أو تآكلت إلى حد بعيد، بينما ازدهرت الميزانية الثانية لصالح منظومة أضيق وأكثر افتراساً.

لذلك، فإن الآلة التي صنعت كفافاً مدعوماً قبل 2011، تحولت لاحقاً إلى آلة مفترسة: توزع الخسائر على المجتمع، وتحفظ الامتيازات للشبكة. ولم يكن سقوط النظام نهاية هذه الآلة تلقائياً؛ لأن بعض مصالحها وذاكرتها وشبكاتها بقيت قادرة على الضغط أو التعطيل أو العودة بأسماء جديدة.

لماذا لا يكفي انخفاض السكان والتحويلات؟

تقوم حجة “السكان الأقل” على افتراض مبسط: إذا كان عدد السكان أقل، فإن الموارد المتاحة ستكفيهم بشكل أفضل. لكن هذه الحجة تفترض اقتصاداً ثابت الحجم يُقسم على عدد أصغر، بينما الواقع أن الاقتصاد نفسه انكمش وتضررت قاعدته الإنتاجية على نحو أعمق بكثير من تراجع عدد السكان.

فالمشكلة لا تكمن في عدد الأفواه فقط، بل في القدرة التي تطعم هذه الأفواه. تضررت الزراعة والصناعة والطاقة والنقل وسوق العمل ورأس المال البشري. وهاجرت الكفاءات، واستُنزف الذكور في سن العمل، وتراجعت المهارات، وتآكلت المدخرات، واتسعت الفجوة بين المنتجين والمعالين. لذلك لا يكفي السؤال: كم بقي من السكان؟ بل يجب السؤال: كم بقي من قوة العمل القادرة على الإنتاج؟ وكم بقي من مؤسسات وسلاسل قيمة قادرة على تحويل العمل إلى دخل؟

ثم إن الديموغرافيا الراهنة لا تعني انخفاض الضغط الاجتماعي. فعودة اللاجئين والنازحين بعد سقوط النظام تضيف ضغطاً على السكن والخدمات والمدارس وفرص العمل. كثير من العائدين لا يعودون إلى اقتصاد قائم، بل إلى بيوت مدمرة، ومناطق ناقصة الخدمات، وسوق عمل ضيقة. لذلك فإن انخفاض عدد السكان لا يعني تلقائياً انخفاض العبء.

أما التحويلات الخارجية، فهي بدورها لا تصلح كخطة إنعاش. التحويلات مهمة وحيوية، لكنها تدخل إلى البيوت لا إلى الخزينة. هي تساعد الأسر على الطعام، والإيجار، والدواء، والتعليم، وسداد الديون، لكنها لا تمول فاتورة أجور الدولة، ولا تعيد تأهيل الكهرباء والري والمدارس والمستشفيات، ولا تبني احتياطياً نقدياً مستقراً.

تجربة لبنان تقدم درساً واضحاً: يمكن لتحويلات المغتربين أن تطيل عمر نموذج مأزوم، لكنها لا تنقذه إذا بقيت المالية العامة والمصارف والحوكمة والإنتاج خارج الإصلاح. وقد كان لبنان، عملياً، جهازاً مصرفياً خارجياً لجزء من الرساميل السورية، فشكّل انهياره صدمة مباشرة إضافية على المدخرات والثقة وسعر الصرف وشبكات التمويل.

وعلى الجانب الآخر، تقدم تجربة العراق درساً معاكساً. فامتلاك الريع لا يعني بناء اقتصاد صحي. بعد 2003 امتلك العراق عائدات نفطية ضخمة، لكن جزءاً كبيراً منها تحول إلى أجور، ودعم، وتوظيف عام، وتحويلات اجتماعية، أكثر مما تحول إلى قاعدة إنتاجية. والنتيجة كانت “دولة رواتب”: قادرة على شراء السكون عندما ترتفع أسعار النفط، وعاجزة عندما تنخفض. وهذا تحذير مهم لسوريا: الريع وحده لا يبني دولة، كما أن التحويلات وحدها لا تبني اقتصاداً.

ضغط الآلة القديمة

ليست معضلة السلطة الجديدة أنها لا تعرف، نظرياً، ضرورة بناء آلة اقتصادية مختلفة؛ بل إن هذه المهمة تجري تحت ضغوط متداخلة تدفع باستمرار نحو ترميم أجزاء من الآلة القديمة بدلاً من بناء آلة جديدة.

أول هذه الضغوط اجتماعي ومشروع. فهناك آلاف، وربما ملايين، من المتضررين، والمصابين، وأسر الضحايا والمفقودين، والعائدين إلى بيوت مدمرة، والجائعين والمشردين والعاطلين عن العمل. هؤلاء لا يستطيعون انتظار تعافٍ يمتد سنوات، بل يريدون تعويضاً، وسكناً، وراتباً، وخدمة، وفرصة عمل في مدى زمني قصير. وهذا مطلب مفهوم أخلاقياً واجتماعياً، لكنه يتحول اقتصادياً إلى ضغط هائل على دولة محدودة الموارد.

الضغط الثاني يأتي من شبكات المنتفعين من الآلة القديمة: فلول إدارية وأمنية واقتصادية، ومجموعات ترى في قيام دولة أكثر شفافية وانضباطاً تهديداً مباشراً لنمط الامتيازات والموارد غير الرسمية الذي اعتادت عليه. هذه القوى لا تضغط طلباً للإنصاف، بل لتعطيل الإصلاح، وتشويه القرارات، وإبطاء بناء المؤسسات، ودفع الدولة الجديدة إلى الفشل أو الفوضى. فآلة صحية تقوم على الخزينة الواحدة، والموازنة الشفافة، والرقابة، تعني نهاية اقتصاد الامتيازات.

أما الضغط الثالث فهو خارجي. فإيران، بعد خسارة موقعها السوري القديم، تسعى إلى إبقاء هامش نفوذ أو تعطيل يمنع تشكل سوريا خارج منظومة شبكاتها. أما إسرائيل، فتنظر إلى تعافي سوريا وبناء دولة مركزية قادرة بوصفه احتمالاً أمنياً ينبغي ضبطه أو تقييده، بما يحول الضغط العسكري والأمني والسياسي إلى عامل دائم في إرباك التعافي واستنزاف القرار السيادي.

وهناك ضغط رابع لا يقل حساسية: ضغط الاستثمار نفسه. فوعود تدفق الأموال والاستثمارات الخارجية، بقدر ما تبدو فرصة ضرورية للتعافي، تضع السلطة الجديدة أمام إيقاع مستعجل لبناء أطر قادرة على استقبال هذه الأموال وتنظيمها وتوجيهها. والمشكلة أن الاستثمار لا يدخل فراغاً مؤسسياً بريئاً؛ فهو يحتاج قوانين، ومحاكم، وضمانات، وهيئات تنظيم، ومصارف، وآليات تعاقد، ورقابة، وقدرة على منع الاحتكار وتضارب المصالح. وإذا سبق تدفق المال بناء هذه الأطر، فقد تتحول الفرصة إلى مدخل جديد لإنتاج الامتيازات: عقود تفضيلية، وكلاء محليون، مناطق نفوذ اقتصادية، وشبكات مصالح تنشأ باسم الإعمار والتنمية.

هذه الطبقات الأربع تجعل الإصلاح أكثر تعقيداً من مجرد سياسة مالية. فكلما تأخرت النتائج المعيشية، ارتفعت الإغراءات السياسية للعودة إلى أدوات الاستقرار القديم: توظيف واسع، ودعم غير ممول، وتعويضات مفتوحة، ورواتب بوصفها سياسة تهدئة. وكلما تقدم الإصلاح، نشطت شبكات المصالح القديمة لتعطيله. وكلما حاولت الدولة استعادة مجالها السيادي، اصطدمت بضغوط خارجية تريدها محدودة القدرة. وكلما اقتربت الاستثمارات الموعودة، زاد خطر بناء قنوات استقبال سريعة للمال قبل اكتمال قواعد الشفافية والرقابة.

بهذا المعنى، ليست الآلة القديمة مجرد ماضٍ انتهى؛ إنها ضغط اجتماعي مشروع، ومصلحة قائمة، وشبكة تعطيل، وضغط خارجي، وفرصة استثمارية قد تنقلب إلى خطر إذا دخلت عبر مؤسسات غير جاهزة. ولذلك فإن تفكيكها لا يحتاج قراراً إدارياً فقط، بل سياسة انتقالية قادرة على حماية الفقراء، وضبط المنتفعين، وتحصين القرار الوطني، وبناء قنوات شفافة لاستقبال المال قبل أن يتحول المال نفسه إلى آلة نفوذ جديدة.

البنية لا تعني البراءة

تفسير الأزمة بوصفها بنيوية لا يعني منح السلطة الجديدة صك براءة، فهناك مسائل تقع في صلب مسؤولية الحوكمة: إدارة الجمارك، وبناء القاعدة الضريبية، وشفافية التعاقدات، وإدارة الموارد السيادية، وشرح السياسات العامة للرأي العام، هذه ليست مشكلات يمكن ردّها إلى الإرث وحده.

لكن التمييز ضروري بين ضعف الحوكمة، الذي يبطئ التعافي ويزيد كلفته، وبين القيود البنيوية التي تحدد سقف الممكن في المدى القصير. فضعف الإنتاج، وتدمير البنية التحتية، وتآكل رأس المال، وانهيار القدرة الشرائية، وتشوه سوق العمل، وعودة ملايين النازحين واللاجئين، ليست مشكلات تُحل بمجرد تحسين الأداء الإداري، وإن كان تحسينه ضرورياً لتخفيف آثارها.

كذلك، حين تتحسن بعض المؤشرات، يجب تصنيف هذا التحسن لا إنكاره. تحسن سعر الصرف، أو عودة بعض الحركة التجارية والخدمية، أو انفتاح قنوات الدعم الخارجي، لا يعني بالضرورة أن دخل الأسر تحسن، أو أن فرص العمل توسعت، أو أن الدولة استعادت قدرتها على تمويل الخدمات الأساسية. قد تتحسن شروط التعافي قبل أن تظهر نتائجه في الخبز والوقود والأجور والسكن والمدرسة.

وهنا تظهر الفجوة بين زمن السياسة وزمن التعافي، السياسة تُقاس بالشهور والخطابات والقرارات، أما البنية فتُقاس بالسنوات والعقود، والمجتمع لا يحاسب السلطة على منحنيات الناتج المحلي، بل على كلفة المعيشة اليومية، وكلما اتسعت الفجوة بين وعود التعافي وإيقاع التحسن الفعلي، تحولت الأزمات المعيشية إلى اختبارات سياسية مبكرة لقدرة الدولة الجديدة على إدارة الصبر الاجتماعي لا استهلاكه.

آلة الدولة أم آلة الولاء؟

لم تكن سوريا دولة غنية ثم افتقرت فجأة، كانت دولة تملك آلة مؤسسية هشّة، لكنها قادرة على تحويل دخل محدود إلى حد أدنى من العيش المحتمل، وما خسرته البلاد لم يكن الدخل وحده، بل هذه الآلة نفسها: الكهرباء، والإدارة، والدعم، والعملة، وسلاسل الإنتاج، وشبكات التوزيع، وقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى خدمات.

لكن تلك الآلة لم تكن سليمة أصلاً. فقد كانت تعمل بميزانيتين: ميزانية رسمية معلنة توزع الأجور والدعم والخدمات، وميزانية ضمنية توزع الرخص، والاستثناءات، والتغاضي، والملفات، والامتيازات غير الرسمية، لذلك لم يكن الاستقرار الاقتصادي في عهد البعث ناتجاً عن كفاءة مؤسسية، بل عن توازن هش بين دعم محدود، وفساد مُدار، وريوع متقطعة، وشبكات ولاء.

من هنا، فإن معطيات مثل عدد السكان أو حجم التحويلات لا تكفي لتفسير بطء التعافي، العامل الأهم هو غياب المنظومة القادرة على تحويل الموارد إلى مخرجات معيشية، وهذه المنظومة لا يمكن إعادة تشغيلها بمجرد ضخ المال، بل يجب إعادة بنائها قطعة قطعة: طاقة، وإيراد عام، واستقرار نقدي، ودعم مُعاد التصميم، وإدارة عامة أقل تضخماً وأكثر كفاءة، وميزانية شرعية تغني تدريجياً عن ميزانية الفساد والمحسوبيات.

لذلك لا يكفي السؤال: متى تتحسن المعيشة؟ السؤال الحقيقي هو: أي آلة اقتصادية ومؤسسية تُبنى اليوم في سوريا؟ أمام دمشق طريقان حذّرت منهما تجارب الجوار: طريق بيروت، حيث تُترك المعيشة لتحويلات الشتات حتى ينهار النظام المالي؛ وطريق بغداد، حيث يُوزع الريع على شكل رواتب وولاءات تشتري سكوناً هشاً من دون بناء اقتصاد منتج.

أما الطريق الثالث، وهو الأضيق والأصعب، فيتمثل في تحويل لحظة الانهيار إلى لحظة تأسيس: دولة تجمع إيراداتها عبر قنوات واضحة، وتنفق عبر موازنة شفافة وكفوءة، وتبني شرعيتها من الإنتاج والخدمة العامة لا من الريع والمحسوبية. دولة يكون استقرارها ناتجاً عن بنيتها لا مفروضاً عليها.

لقد صنعت الآلة القديمة استقراراً هشاً اشترى للنظام زمناً للبقاء، ثم انفجر في وجه الدولة والمجتمع معاً. وستكون مأساة سوريا الكبرى أن تُعاد صناعة الآلة المفترسة بأسماء جديدة، في لحظة تملك فيها البلاد فرصة نادرة لبناء آلة مختلفة: آلة دولة لا آلة ولاء، وآلة إنتاج لا آلة افتراس.

ملاحظات منهجية

  • تتعامل هذه الورقة مع بيئة إحصائية شديدة التدهور، ولذلك لا تتعامل مع الأرقام بوصفها حقائق نهائية، بل بوصفها مؤشرات تقريبية كاشفة للاتجاهات العامة.
  • تقارن هذه الورقة بين مرحلتين أساسيتين: مرحلة ما قبل 2011، بوصفها المرحلة التي عملت فيها آلة الكفاف والضبط التي بناها نظام البعث، ومرحلة ما بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، بوصفها لحظة انتقالية تسعى فيها سوريا إلى بناء آلة اقتصادية ومؤسسية جديدة. أما الفترة الممتدة بين 2011 و2024، فلا تُتخذ هنا خطاً مرجعياً للمقارنة المعيشية، لأنها كانت مرحلة حرب وانهيار استثنائي لا تعكس اقتصاداً طبيعياً أو نموذجاً مستقراً للحكم والمعيشة، وإن كانت حاسمة في تفسير كيف تحولت الآلة القديمة من آلة كفاف وضبط إلى آلة افتراس وخراب.
  • وتلتزم الورقة ثلاثة ضوابط: أولاً: التعامل بحذر مع خط الأساس، لأن آخر تعداد سكاني رسمي أُجري عام 2004، ولأن إحصائيات ما قبل 2011 كانت بدورها موضع تجميل سياسي وإداري. ثانياً: اعتماد الأرقام المؤسسية الأكثر تحفظاً عند تضارب التقديرات، لا سيما في قضايا التضخم، والاحتياطي، وحجم اقتصاد الكبتاغون، والخسائر الاقتصادية. ثالثاً: عرض أرقام المرحلة الراهنة كمجالات أو تقديرات لا كأرقام قطعية، نظراً لضعف السجلات الرسمية، وتبدل الوقائع بسرعة، وتداخل المصادر المحلية والدولية.
  • وقد خضع هذا الملف لعملية مراجعة دقيقة وشاملة لمحتوياته لضمان دقة كافة المعلومات وشموليتها واعتمادها على مصادر موثوقة، وتم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات تحرير الفقرات وتلخيص المصادر، ضمن سياسة المركز التي تنص على الاستعانة بالذكاء الصناعي وليس الاعتماد عليه.
  • المراجع الأساسية التي اعتمدت عليها هذه الورقة:
    • مجلة قلمون “اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺴﻴﺎﳼ ﰲ ﺳﻮرﻳﺔ 1963- 2024”
    • كتاب أيهم أسد “الاقتصاد السوري المهدور”
    • دراسة فولكر بيرتس حول “الاقتصاد السياسي في سوريا تحت حكم الأسد”
    • ورقة المركز العربي “الأزمة الاقتصادية في سورية:أسبابها وتداعياتها واتجاهاتها”
    • ورقة مركز حرمون “اﻟﺴﻴﺎﺳﺎت اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﰲ ﺳﻮرﻳﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﻬﻤﻴﺶ إﱃ اﻟﺜﻮرة”

ضع تعليقاَ